الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 322الرجوع إلى "الرسالة"

أوراق مبعثرة...

Share

هاهى ذى نسيمات الصيف تهوى إلى هذا الوادى الضاحك...  قافزة كالفتاة اللعوب؛ تلهو بين العشب وترف فوق الزهر،  وتتيه وراء النهر... ثم تعانقنى، فتهمس فى أذنى بحياء،  وتدغدغ وجهى بدلال... فأغمض عينى نشوان... فإذا  بأوراقي تتبعثر... وبذكرياتى تهيج!... يا عجباً لهذه الأوراق!! إن فيها قصة الشباب المستحير  والحب الطروب... ولكن ما أجدر بعضها بالقراءة. فإن  فيها كثيراً من تهاويل الفن، وفرائد الشعر، ونوادر الفكر،  وأهازيج الشعب، وأضاحيك الناس... أيضاً... فلتجمعها    (الرسالة) فهى روضة الأدب الزاهر... وقيثارة الناغم...  ومجلته الشرود...

قرأت اليوم كتاب (طاغور) عن الشاعر ودينه. إنه يجنح  إلى الدقة حتى ليصعب عليك فهمه، ويميل أحايين إلى السهولة  حتى ما تجد أحلى ولا أملى منه. إن له آراء طريفة... هو يرى  أن دين الشاعر ليس كدين الناس (لأن دين الناس عقيدة  تهون بها المعضلات... فينقلب فيها الشك إلى يقين، والتمرد  إلى إذعان) . أما دين الشاعر فرقيق رجراج لا يخضع لشىء  ولا يقيده شىء. هو كالقضاء الذى يحيط بالأرض تتلاعب  في جنباته الظلال والأنوار، ويبدو الهواء فيه كالراعي الجميل ينفخ  فى مزماره ويغنى بين قطائع الغيوم. إنه لا يقودنا إلى هدف  ولا يجرى بنا إلى غاية، لأنه مطلق لا تحيط به الجدران فتقيده؛  ولا الحدود الضيقة فتحدده؛ ولأنه واسع تتراءى لك فيه عوالم  بعيدة وقريبة، تسمع منها زفرات اليائسين، وأنين البائسين،  وأغاريد العصافير؛ وتحس بها لغب العاملين، وحمى الضعفاء،  واضطراب الوالهين؛ وتستنشق عطر الورد وأريج الياسمين،  وترنو إلى دموع العذارى، وعبرات الثكالى، وحزن البنفسج،  ورفيف الندى، وضحك الربيع. استمع معي إلى هذا النشيد: (أبريل يا أبريل...! إضحك كالفتاة الخلوب... ثم اذرف  الدمع مثلها!)

(أبريل يا أبريل...! يا من له أذناى، غن كالحبيب عندما  تسمع أنينى وترى نحيبى، ثم. ثم اضحك ضحكة فيها الذهب...  وازرف الدمع المذوب فى الذهب!...)

فماذا وجدت؟ أليس هذا نوعاً من (الترف في الشعور؟)   واستمع أيضاً إلى شاعر بنغالى قديم: (استيقظت عند الصباح على خفق شراع القارب يا عروسى  الجميلة، فتركت الشاطئ لأتبع الموج الصارخ... ثم سألتك:  هل آن يا فتاتى حصاد الأحلام فى تلك الجزيرة النائمة وراء الأفق  الأزرق الجميل...؟ فسقط صمت ابتسامتك على سؤالي كما يتساقط  صمت الأشعة على الأمواج... وانقضى النهار مملوءاً بالأعاصير،  وهبت ريح عاتية دفعت بالقارب السكران إلى بعيد، فسألتك:  أفي هذه الربوع، تحت رماد هذا النهار الميت... الذي ينطفئ  على رود... شيدت برج أحلامك؟! فلم أسمع جواباً؛ ولكن  ومضت عيناك كما تمض حفافى الغمام تحت شمس الطفل. وأقبل  الليل... فغمرك الظلام، وداعب الهواء شعرك، وداعب شعرك  خدي ففاح منك العطر، وهاج منى الأسى، وتاهت يداى تفتشان  عن رفارف ثوبك، وسألتك: أوراء النجوم جعلت يا عروس  رحلتى قبرك الذى ستدفنين فيه بين الورد والزهر؟... هناك...  حيث ينقلب صمتك إلى نغمات، وحزنك إلى ضحكات...؟! فرف  ثغرك... فى الظلام كما ترف نجمة الليل... وراء الضباب!) فما هذه  إلا نغمات حلوة تذهلنا عن الناس كلما طربنا لها وملأنا نفوسنا بها  وهذا هو الشعر الجميل... (دمشق)

اشترك في نشرتنا البريدية