١ - أسباب الهجرة العربية
قد توفرت منذ سنوات على قراءة الأدب الحديث ، فدعتنى الدواعى إلى أن أعنى عناية خاصة بالنهضة العربية وبأدباء العرب فى الأمريكتين الجنوبية والشمالية . ومما لفت نظرى أخيرا أن الصحافة السياسية أكثرت - أثناء هذه الحرب - من أنباء هؤلاء المهاجرين ، وأن وزارة المعارف قررت هذه السنة ، جبران خليل جبران ، أحد أدباء العرب فى أمريكا ، فى مسابقة الأدب للسنة التوجيهية . لهذا وذاك رأيت من الفائدة نشر شىء عن هؤلاء المهاجرين والنهضة الأدبية العربية بين ظهرانيهم ؛ فضلا عن ذلك فانه من العدل والانصاف أن نهتم بأدب هؤلاء الاخوان المهاجرين من العرب ، وقد كان لهم على النهضة الأدبية الحديثة يد بيضاء وأثر بعيد جدا لما نرى من التجديد . وفى هذه المقالة عرض مجمل للنهضة الأدبية فى العالم الجديد ، أشبه بمقدمة عامة لبحث كنت أعلل
النفس باستكماله قريبا ، فاذا الحرب تأتى فتقطع الصلة بيننا وبين القارة الأميركية .
حقا أن مما يملأ الصدر سرورا وغبطة أن نرى لغة الضاد تنشر ألويتها عالية وراء الأوقيانوس الفسيح ، وأن نجد فى العالم الجديد أدبا عربيا مزدهرا .
يعود ذلك إلى فئة من المهاجرين العرب رحلوا عن أوطانهم يحملون حبا عميقا لبلادهم وأمتهم ، وحرصا شديدا على لغتهم وقوميتهم ، فكانوا فى مهاجرهم للعروبة خير رسل ، وللشرق العزيز خير دعاة .
العدد والموطن هما أول ما يتجه إليه نظر الباحث عند ما يعرض للكلام على عنصر غريب فى بلاد ما ؛ فما عدد المهاجرين العرب فى الأمريكتين ؟ وما الموطن الأصلى الذى منه خرجوا إلى هاتين القارتين ؟ ؟ أما العدد فمن الصعب إعطاء إحصاء مضبوط عنه ، ولكنه يزيد على المليون ونصف المليون ، ذلك على وجه التقريب . وموطن هؤلاء يمكن أن يقال إنه جميع الأقطار العربية ، إذ أنك تجد بين هؤلاء العرب المهاجرين اليمنى الأصل والحجازى
المولد والمصرى والسورى واللبانى ؛ بيد أن الأ كثرية هم من اللبنانيين والسوريين ، أو بعبارة واحدة هم السوريون . وفى المهاجرين العرب فئات من جميع المذاهب والأديان التى لها أصل فى البلاد العربية ؛ ففيهم المسلم والنصرانى ، والدرزى والنصيرى ، على اختلاف ما فى الديانتين الأوليين من مذاهب ، أما الاكثرية فهم من المسيحيين .
أرى سؤالا يوجه إلى عن أسباب هجرة هؤلاء العرب إلى بلاد بعيدة غريبة عنهم أهلا ولسانا ؛ ! . الأسباب كثيرة ، وبعبارة أصح أن هناك أسبابا قاهرة لهجرتهم ، وهناك مشوقات عملت على تدفق الهجرة ؛ فأعرض للأسباب القاهرة فقط ، وأهمها سببان : الأول اقتصادى . بارت الأرض وكسدت الصناعة ، وضاقت الأرض بأهلها ، فكان لا بد لهم من الافلات من مواطنهم ، يسعون إلى أسباب المعيشة فى أرض أوسع ، ويطلبون مجالا أرحب لنشاطهم ؛ فلبنان - مثلا - أرضه من التلال والحبال ، فالثروة الزراعية قليلة ، وأرض جبلية كهذه لا تتكون فيها الأسواق التجارية التى توفر للسكان رخاء العيش والاطمئنان ؛ فخرج هؤلاء القوم من جبالهم يتغنون بقول الشاعر :
إذا ماضاق صدرك فى بلاد ترحل طالبا أرضا سواها
فإنك واجد أرضا بأرض ونفسك لم تجد نفسا عداها
وسوريا الداخلية وإن اتسعت سهولها ، فالزاعة كانت على الفطرة ، قليلة الانتاج أما الصناعة فكانت من نوع الصناعات المحلية الأولية ، كالصباغة والنسج والزخرف ، فلم تكن والحالة هذه صناعة قوية . والذى أثر فى انكماش الأسواق التجارية صعوبة المواصلات بين المدن السورية ، فجعل بينها شيئا من التقاطع ؛ وهذا التقاطع كان ذا أثر أخلاقى واجتماعى أيضا فى أهل سوريا ، فبينما كنت تجد حلب وثيقة الصلة بأسطنبول ، فتأخذ عنها وتتأثر بها ،
كنت تجد دمشق أكثر حفاظا على التراث العربى الخلقى والاجتماعى والثقافى ؛ وكانت بيروت تبدأ تتأثر بالمدنية الغربية بجميع نواحيها ، فتوغل فى الأخذ عنها اجتماعيا وثقافيا .
أما أكثر المدن السورية مهاجرة فهى حلب وحمص وحماة ، تأتى بعد هذه دمشق وأريافها . إنما هجرة اللبنانيين كانت أقوى من هجرة السوريين تبعا لطبيعة البلاد وموارد الخصب فى البلادين .
هناك سبب آخر لهذه الهجرة كان له أثر كبير فى صبغ أدب المهاجرين صبغة خاصة ، وهو سبب اجتماعى وسياسى معا . بدأت النهضة فى لبنان وسوريا منذ قرنين تقريبا - إذ يرجع ظهور طلائعها إلى الربع الأول من القرن الثامن عشر - وقد بدأت بانتشار المدارس ومعاهد العلم النظامية من أجنبية ووطنية . فأخذ اللبنانيون والسوريون يتهافتون عليها تهافتا ويقبلون إليها إقبالا شديدا ، إذ وجدوا أن العلم يفتح أمامهم آفاقا جديدة من التفكير ، ومجالا أرحب لأسباب العيش . ما لبثت هذه المدارس أن كونت جيلا جديدا من الناس يختلف عن الجيل السابق له نزعة وتفكيرا .
من ناحية أخرى كانت الحالة الاجتماعية أثناء تلك الحقبة على أشد ما تكون من الاضطراب . فالحاكم السياسى فى حيدة عن الحق ، فيظلم الرعية . وفى الزعماء رياء فيستغلون الشعب لمآربهم الخاصة ، وفى رجل الدين اعوجاج فيضطرب أمر الدين ، وتختلط أمور الدين بأمور الدنيا . كان الناس مع ذلك يحتملون شر الحاكم ساكتين ، وينقادون للزعيم صاغرين ، ويقدسون رجل الدين على عوجه . ولكن الجيل الجديد المثقف قد نما عدده وكثر ، مع تقدم التعليم وانتشاره ؛ فغدا يتشوق إلى الحرية فى العمل والتفكير . فلما أراد أن ينفض عن منكبيه ظلم الحاكم وجوره ، ويناقش الزعيم رأيه ، ويجهر بعوج رجل الدين ، حصل
ذلك الاصطدام الذى يحصل فى مثل هذه الحالات من الاجتماع ، حالة النقلة من طور إلى طور ، فكان اصطداما بين قديم وحديث ، وبين الخمول واليقظة . وأصاب من جراء ذلك هذا الجيل الجديد الأذى الكبير من الحاكم ومن الزعيم ومن رجل الدين ، حتى من الآباء والأمهات ؛ وكم من الآباء اتهموا أبناءهم بالخروج والمروق ، وبالتدخل فيما لا شأن لهم فيه . هذه الفئة الجديدة كان المصير يحرجها إن سكتت ، وكان الأذى يقتلها إن جهرت ، فلم تجد حيلة إلا الرحيل فرحلت ، وقد كان سبق هؤلاء إلى الأمريكتين قافلة أولى بدافع العامل الاقتصادى ، ولهم فيهما الأعمام والأخوال ، وكان قد وصل إلى الأوطان ما يسود تينك القارتين من الحرية والاطمئنان ، فشدوا إلى الأمريكتين رحالهم لحاقا بمن سبقهم . وقد قال أحد مؤرخى الهجرة العربية إلى أمريكا الدكتور فيلب حتى فى مؤلفه الانجليزى (( السوريون فى أمريكا )) : إنه كان يجتمع فى وقت من الأوقات فى مدينة نيويورك وحدها لا أقل من عشرين شخصا من الذين حكمت عليهم الحكومة بالإعدام ، فتمكنوا من الهرب خلاصا من الموت .
على ضوء هذه الحالة الاجتماعية التى كانت من دوافع الهجرة العربية ، يمكننا أن نفهم إحدى مميزات أدب المهاجرين العرب فى أمريكا ، وهى تلك الثورة وذاك التمرد على بعض الأوضاع الاجتماعية والسياسية - حتى الدينية - القائمة فى بلادهم ؛ وهى ثورة تتجلى فى معظم الانتاج الأدبى للمهجر الأمريكى إن نثرا وإن شعرا .
إذا أضفنا إلى العاملين السابقين عامل النزعة الوراثية فى العربى إلى الرحلة والانتقال ، كلما تهيأت له الأحوال ، كما يدل تاريخه الطويل - وما هؤلاء إلا أحفاد أولئك - عند ذلك تتكون لدينا فكرة واضحة عن عوامل وأسباب الهجرة العربية إلى تلك الأصقاع النائية .
وفى الآتى سأعرض إلى مظاهر النهضة الأدبية التى
أوجدها هؤلاء المهاجرون فى مطارح اغترابهم . والله الموفق والمعين .

