الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 114الرجوع إلى "الثقافة"

الأدب والسياسة

Share

يذهب الكثير من النقاد إلى ان الأدب هو صورة العصر ومراة الحياة ، وهذا الوصف برغم ما فيه من صدق يظهر الأدب في صورة القمر ، ذلك الكوكب المهجور الخالي من الحياة الذي لا يستئبين للعيان إلا بما ينعكس عليه من اضواء الشمس . والواقع ان الأدب أجل من ذلك شأنا وأوفر قوة وابعد اثرا ، وهو بحساسيته الشفافة المرهفة ، وعينه اليقظة الساهرة ، وحرصه على استيعاب كل شئ ، والاحاطة بالحياة من جميع نواحيها ، يحاول

ان يتابع الحياة في إبداعها المستمر ؛ ويلاحقها في وثباتها المتتابعة ، ويسجل تقلباتها ، ويفيد شواردها ، ويرسم ظلالها المنوعة والوانها العديدة ، وهو بهذا الصراع العنيف يضطر الحياة إلى ان تجلو اسرارها وتكشف عن حقائقها ؛ ومن ثم تختلف صور الأداب تبعا لاختلاف صور الحياة وطبائع العصور .

ويستهدف الأدب في العصر الحاضر لمؤثرات كثيرة ، أوضحها وأعظمها دلالة السياسة وعلم النفس والاختراعات

العلمية الحديثة . والسياسة في أشمل معانيها هي علاقة الفرد بالمجتمع من ناحية وعلاقته بالدولة من ناحية أخري . والأدب كما هو معروف يقوم على المزاج الفردي ، ولذا قد ينكر بعض المفكرين علاقته بالجتمع وتأثره بالدولة . وقد تتساءل ما شأن الكاتب بقيام الدول وسقوطها وتماسك الجماعات وانحلالها ؟ أليس له من برجه العاجي وشعوره الصوفي ما يجعله بمعزل عن تقلبات الحوادث وغير الدهر ؟ وكيف لا يذوي فنه وتضعف شخصيته إذا غمره المجتمع وجرفه تياره وسال به سيله ؟ ولكن العلاقة بين الأدب والسياسة علاقة قديمة ، وقد طبعت السياسة بطابعها الأدب اليوناني والأدب الروماني والأدب الإسلامي في مختلف عصوره ، وزادت في ثروته وأبعدت صوته ووطدت من مكانة رجاله ، وما زال الكاتب منذ نشأة الأدب وهو لسان قومه الناطق ، وقلبهم الخافق ؛ فعند ما يتحلل المجتمع ويشيع فيه الفساد يبدو في حديثه القلق والتبرم والألم المضيض والحزن الموجع . وليس من المستنكر في العصر الحاضر الذي تضطرب فيه أحوال المجتمعات الانسانية ، وتتقلقل الأوضاع ، أن يجبر الكاتب على أن يفكر تفكيرا سياسيا ويطيل التأمل في العلاقات الاجتماعية والأحوال العالية ، وليس في وسمه من حيث هو إنسان أن يتخلي في هذا الموقف عما عليه من تبعات وينسي ما في ذمته من ودائع .

وقد طغت السياسة على الأدب في العصر الحاضر طغيانا شديدا ، وكتاب العصر ممنيون السياسة إلى حد لم يعهد في كتاب العصور الحديثة منذ الثورة الفرنسية ولعل الذي آثار الكتاب ووجههم هذا التوجيه شعورهم القوي بأن المجتمع في بنائه الحالي غير اهل لمتابعة تطورات الحياة في صورها الأخيرة ، وان الثورة القادمة والتغيرات المنظورة لا ينبغي ان ينفرد السياسيون بالإشراف عليها واستغلالها

وأكثر الكتاب في العصر الحاضر مضطرون تحت ضغط الحوادث إلي الانضمام إلي أحد المذاهب السياسية الكبيرة التي ذاعت شهرتها ، مثل الفاشية والنازية والشيوعية والدمقراطية ؟ وهذه المذاهب قائمة على الصراع بين مختلف الطبقات الاجتماعية ؛ ويحاول الكتاب جهدهم التوفيق بين مزاجهم الفردي وهذه النظم الاجتماعية الصارمة . وقد أدى ذلك إلي نشوء تصور جديد لوظيفة الأدب ومكانة الكاتب ؟ وقد كان المعروف أن الكاتب فنان قبل كل شئ ، وهمه الجمال وحفز الشعور والتسلية والمتعة ، وهو ينقلنا إلي عالم مخالف للعالم الذي نعيش فيه ، ويسمو بنا فوق متناقضاته ، وينسينا سخافاته وحماقاته ، وذهلنا عن حوادثه السياسية العارضة وتقلباته العابرة ، وإننا فسد عليه كوي الاتهام ويحجب عنه ضوء الوحي إذا أرغمناه على الخوض في السياسة ونظمناه في سلك الدعاة ، وليكن الكاتب سياسيا متحمسا إذا شاء ، ولكن على شريطة ألا يتخذ الأدب ذريعة من ذرائع الدولة ووسيلة من وسائل السياسة ، لأنه إذا فعل ذلك أسف أدبه وقل إحسانه وفقد قيمته ؛ واستخدام الأدب للأغراض السياسية يفسد الأدب ويهبط به عن مستواه الرفيع ، والكاتب الذي يري نفسه مسوقا إلي وضع قصة تعلن محاسن النازية أو تدافع عن الشيوعية سيجد نفسه مضطرا إلي أن يشوه الحق ويبتسر الفن لتدعيم مذهبه وإثبات وجهة نظره ، وستحفل رواياته بالشخصيات الزائفة والمواقف المصطنعة التي لا يقتضيها منطق الحوادث ؛ ولكن المذاهب السياسية الحديثة لا تبالي ذلك ، وتطالب الكاتب بأن يأخذ جانبا في المعركة القائمة وبنضم إلي صف من الصفوف ، وينحرف عن تلك النظرية المعروفة نظرية " الفن للفن " ، ويصبح مسخرا لأغراض أخري شاء ذلك أو لم يشأ.

وقد أدرك السياسيون فرط عناية الكتاب بالسياسة

فحاولوا ان يجتذبوهم إلى مشكلاتهم الحزبية وخلااتهم السياسية ، وعمل اصحاب الاعمال الكبيرة على الاستفادة من أقلامهم واستثمار مواهبهم ، حتى كادت تنقلب الكتابة إلى نوع من الاعلان وضرب من ضروب الدعوة وتفقد الكثير من الصفات الفنية.

ويحسن أن تفرق بين عناية الكاتب بالسياسة في الأمم الدمقراطية وعنايته بالسياسة في الامم الديكتاتورية ؛ فالكاتب السياسي في الأمم الديكتاتورية بوق من الأبواق وصدي من الأصداء لا أكثر ولا أقل ، وانحطاط مستوي الأدب والفكر في الأمم الديكتانورية من المسائل الشاهدة المعروفة ، وتعليلها هين ؛ وذلك ان الكاتب الخالق لا يتيسر له الخلق في اغلب الأوقات إلا إذا شعر بأنه حر واطمأنت نفسه وتساير عنه الخوف ، والأدب الحق لا يزدههر إلا حيث يشعر الكاتب بأنه غير مضطر إلي مصانعة الحاكمين ومداهنة الأحزاب.

والعامل الثاني الذي أثر في الأدب الحديث تأثيرا بعيد المدى هو علم النفس . وفرويد بتوجيه النظر إلى مسألة العقل الباطن ، فتح في عالم الأدب فتحا مبينا وبدا حركة لها نتائجها البعيدة ، وقد قربها بعض المفكرين بالثورة الصناعية واستكشاف امريكا ؟ وفي الوقت الذي بدأ فيه فرويد رحلته في عالم العقل الباطن كان كثير من متقدي الكتاب قد أخذ يشعر بفوضي المجتمع وانحلال روابطه ، ولجأ فريق منهم إلى حمى نفسه يستقري دوافعها ويراقب هواجسها الخفية ونواحيها الداخلية وما ينتشب فيها من الحرب والصراع بين شتى الميول والأهواه ؛ وقد وصف بعضهم هذه الحالات وصفا دقيقا مثل بروست الفرنسي وكافكا الالماني وجويس الاراندي ، وقد تأثر بهم الكثيرون من ناشئة الكتاب ونابئة الجيل التالي لجيلهم . وفرويد شديد العناية بالفرد ، فهو من بعض

الوجوه من أقوي انصار الحرية الفردية في العصر الحديث ؛ وقد حاول فرويد أن يقيم الآداب علي أسس مغايرة وقواعد جديدة ؛ والعلم في رأيه هو المنقذ للإنسانية من الضلال ، وهادبها في بيداء الحياة ، وحيرة الوجود ؛ والدين في رأيه هو الخصم اللدود للعلم . وقد جاء فرويد وانصاره بأفكار عن طبيعة النفس بعيدة التأثير كثيرة النتائج ، وهي تعين على إقامة المجتمع على أسس جديدة واستحداث آداب ملائمة ، والأدب في حاجة علي الدوام إلي مورد عذب يستمد منه الأفكار والتعاليم ويجلوها في المظهر الأخاذ ، ويخلع عليها الثوب القشيب ، وهو يتردد الآن بين الدفاع عن مختلف المذاهب السياسية التي تتصارع في العصر الحاضر وبين المناضلة عن الحرية الفرودية . والعامل الثالث الذي يزيد الموقف تعقيدا ، هو الاختراعات العلمية ، وهي في العصر الحاضر قد تسربت إلي مناطق الأدب ومجالات الثقافة . وتقدم المخترعات العلمية سيرغم الأدب على مراجعة وظيفته والتفكير في واجبه ، فهل كلمة الراديو المسموعة ستغني في المستقبل القريب عن الكلمة المطبوعة ؟ وهل يقلل تقدم فن السينما من الاقبال علي قراءة الأقاصيص والروايات ؟

ويري بعض الباحثين أن الشعر وحده هو الذي سبنجو من الخطر ويفلت من المصير المحزن الذي يترقب الأدب ، وذلك بفضل ما فيه من المجاز والاستعارة والإيقاع والتنغيم ، وكذلك الأساطير لانها وسيلة صالحة للتربية ، وهي تتغلغل إلي أعماق النفس لأنها لا تثير جدلا ولا تعلن حجة . ومصير الأدب موقوف على مصير المجتمع ؛ وقد تنبه إلي الخطر الذي يهدد الأدب في العصر الحاضر من ناحية تقدم الاختراعات العلمية الكاتب الفرنسي الكبير جورج دبهامل ، واستوفي بيان ذلك في كتابه القيم " الدفاع عن الأدب " فهو يقول في الفصل الأول من هذا

الكتاب : " كل هذه المخترعات التي ابتكرت لتزيد في عقل الانسان وتفتح عينيه واذنيه ونثير ملكاته وتسمو به تتضافر الآن جميعها لتفضي عليه ومخنق أنفاسه ، وترهق روحه ، وتهبط مثله العليا ، وتستنقد نشاطه وحبوبته وهل تستطيع الحضارة ان تقوم على جهازي النظر والسمع ؟ " ويقول في مكان آخر من الكتاب نفسه : " يلزم ان يفهم الشعب ان اعز الاغراض واسماها والمتع الدينوية ومظاهر التقدم جميعها متوقفة على استعمال العقل وتثقيفه وصقله ، وبدون الكتب تصبح حياتنا الاجتماعية والفردية مستهدفة لخطر الانحدار إلى الهمجية التي

لا يشفي من دائها ، ويجب ان يعلم الجميع ان تثقيف العقل امر جوهري للحياة الصالحة ، وان الكتاب هو رمز الدين" .

ويعتقد المتفائلون أن امتزاج الأدب بالسياسة وتأثره بالإختراعات الحديثة وعلم النفس التحليلي ، سيفتح له أبوابا كانت من قبل موصدة ، وينقله إلى آفاق رحبة جديدة ، وببدأ صفحات طريفة ومستقبل الأدب . والزمن وحده هو الذي سيفصل في هذه القضية القائمة بين المتشائمين المتوجسين والمتفائلين الأملين.

اشترك في نشرتنا البريدية