إذا كنت فتاة صينية معهوداً إليها بتربية دود القز لأمك فإنك ستملين سريعاً من جمع ما لا يحصى من ورق التوت لإطعام هذا الدود الجائع. ولكنك إذا شكوت إليها فإنها ستقول لك: (إن كانت الإمبراطورة (هسي لنج شي) العظيمة المقدسة تتعهد بيدها دود القز، وهي فتاة، فلأي سبب لا تفعل ذلك فتاة عادية مثلك؟).
عند ذلك تطأطئ الرأس في خجل وتقول: (كلا يا أمي لن أمتنع عن هذا العمل بل سأؤديه في سرور) .
ولكن عندما تنتهي الفتاة من عملها هذا فقد تطلب إلى أمها أن تعيد عليها قصة الإمبراطورة ودود القز. وهذه هي القصة التي ترددها الأم:
(منذ أجيال طويلة عندما كان كل سكان العالم همجاً كان
الشعب الصيني وحده شعباً حكيماً، وقد حذق عدة أمور. وهذا هو عصرنا الذهبي الذي نزل فيه الإمبراطور الأصفر هوانج تي بين الخالدين وتولى بنفسه الحكم في هذه الأرض.
وكان هوانج حكيماً رحيماً في حكمه، واصطنع من أجل شعبه أموراً كثيرة فوضع للتجار قواعد الموازين والمكاييل والمقاييس لكي يعلم الفقير من الصينيين عندما يشتري الشاي أو الأرز مقدار الذي اشتراه فلا ينخدع عن الثمن. وعلم سكان الشواطئ النهرية كيف ينشئون السفن وبذلك أصبحت الصين متصلة بواسطة السفن التي تجري في الأنهار غادية رائحة.
وفي أثناء عهده الطويل استكشفت المعادن وصنعت الأطباق من الخزف لأول مرة، وأثرى الشعب الصيني كله في عهد هذا الإمبراطور الأصفر سليل الخالدين الذي عاش مائة عام على الأرض وباركها بحكمته.
ولكن مع أن هوانج كان أعظم العواهل فإنه بكل ما أوتي من حكمة وبكل ما بذله من جهد لم يفعل من أجل مستقبل البلاد ورخائها مثل الذي فعلته زوجته الجميلة الصغيرة هسي لنج شي التي استقرت بحديقة منزلها وأخذت تراقب دودة قبيحة الشكل في تلك الحديقة.
كانت حديقتها حافلة بأشجار التوت وهذا هو السبب في كثرة دود القز بها، لأن ذلك الدود يحب أوراق التوت كما تعلمين ذلك يا بنيتي
وكانت تلك الإمبراطورة الصغيرة لا تزاول أي عمل فأتت لتستظل بأشجار الحديقة من حرارة الشمس.
وفي أحد الأيام وقفت في ظل شجرة وأصغت، لأنه كان يصدر عن تلك الشجرة صوت كأنه صوت تساقط ماء المطر. ذلك على أن الشمس مرتفعة في السماء. أصغت الإمبراطورة وراقبت ثم رأت أن الديدان الصغيرة التي كانت تراها من قبل متسلقة الأغصان والتي كانت تكرهها لأنها تأكل الاوراق، رأت تلك الديدان وقد كفت عن تناول طعامها وأخذت تصنع لنفسها لوزات، وأخبرتها تابعتان أن هذه الديدان تستمر في صنعها اللوزات ثلاث ليال وثلاثة أيام وأنها تسجن نفسها في داخل هذه اللوزات وقاية من الهواء ومن الشمس وتنام شهراً كاملاً ثم تثقب في نهاية هذه المدة طرفاً من اللوزة وتطير، لأنه ينبت لها في مدة سجنها أجنحة وتتحول إلى فراشة جميلة.
وكانت هسي لنج شي لم تر إلى ذلك العهد فراشة تخرج من اللوزة فراقبت الدود ثلاثة أيام كان في أثنائها مكباً على عمله، فلما انتهت هذه المدة امتنعت الأصوات التي كان يحدثها بعمله وعادت الهداة إلى الحديقة وأخذت الإمبراطورة تعد الأيام التي يخرج الفراش في نهايتها من اللوزات.
ولما عاد البدر إلى الاكتمال مرة أخرى خرج من اللوزات مئات من المخلوقات الطائرة الرقيقة الأجنحة، ولكن الإمبراطورة لم تكن مهتمة بهذا الفراش بقدر اهتمامها بالنسيج الذي تنسجه الدودة حول نفسها، وكان على أرض الحديقة عشرات من هذه اللوزات الذهبية المصفرة، فالتقطتها وعكفت على دراستها وسحبت خيطاً رقيقاً هو الذي تصنع منه هذه اللوزات.
قالت في نفسها: (هذا الخيط البديع أرق من الخيوط التي نسجت منها ثيابي فليتنا نستطيع غزل خيوط بهذه الرقة
وأخذت هسي لنج شي تعبث متبلدة بهذه اللوزات مجربة الخيوط وقد لاحظت مبلغ قوتها ومبلغ رقتها، ثم خطر ببالها خاطر فجائي فسألت نفسها: لماذا تتمنى صنع خيط مشابه لهذا؟ ولماذا لا تأخذ نفس هذه الخيوط التي تصنعها الديدان وتنسج منها ثوباً لنفسها؟
ولما جاء الموعد التالي لظهور دودة القز ذهبت الإمبراطورة الصغيرة إلى الحديقة، ولكن عملها في هذه المرة لم يقتصر على المراقبة، بل كانت تأخذ اللوزة وتحاول حل الخيط على عكس النظام التي كانت تلفها به الدودة وذلك قبل أن تثقب الدودة جانباً منها لتخرج منه.
في البداية انقطع الخيط في يدها ولكنها سرعان ما علمت أنها إذا غمست اللوزة في ماء حار فإنها تقتل الدودة ويسهل حل اللوزة.
وكان مقدار الحرير الذي يستخرج من اللوزة قليلاً جداً ولكنها كلفت أتباعها جمع اللوزات حتى أصبح لديها أكداس فوق أكداس منها. ولما وضعتها في الماء الحار جلست لتلف الخيوط على عصا لفةً فوق لفة حتى اجتمع لديها قدر كبير من هذه المادة الناعمة. ثم حملت هذه الخيوط إلى منسجها الذي كانت تنسج عليه التيل والصوف ونسجت قطعة صغيرة من هذا الحرير الذهبي اللامع.
من أجل ذلك نذهب كل عام يا بنيتي إلى المعبد في الوقت الذي تظهر فيه أوراق التوت ونصلي أنا وأنت وجدتك وأبوك
وعمك - للإمبراطورة هسي لنج شي فهي إلهة الحرير لأنها بفطنتها وبعملها اليدوي قد استكشفت سر نسج الحرير ولقنت شعبها هذا السر.
وربما سألت الفتاة أمها هذا السؤال: (هل احتفظ كل إنسان بعد ذلك بدودة القز؟)
فيكون جواب الأم: (نعم لما سمعت سيدات القصر أن الإمبراطورة تحتفظ بهذا الدود رغبن جميعاً في محاكاتها، وقد اعتادت الإمبراطورة أن تخرج إلى الحديقة ومعها أدوات ذهبية لتقطع أوراق التوت وطبق من الذهب لتضعها فيه، وسمحت لهؤلاء السيدات بأن يخرجن إلى الحديقة بآلات وأطباق من الفضة لجمع هذه الأوراق، وقد رغب الشعب كله في أداء مثل الذي يؤديه أهل البلاط، فلم يمض عهد طويل حتى حذق الشعب تربية دود القز، ونسج حريره على المناسج ولبس كل الأغنياء ثياباً من الحرير. وكذلك صنعوا منها أحزمتهم وأغطية أثاثاتهم وألحفتهم.
وقد تسأل الفتاة الصينية الصغيرة: (ولكن أليس كل إنسان في العالم يحتفظ بدود القز؟)
فتخبرها الأم بقصة الاحتفاظ بسر دودة القز وبسر نسج الحرير الذي تخرجه مدة ثلاثة آلاف عام في الصين.

