الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 152 الرجوع إلى "الثقافة"

الأمير تميم بن المعز

Share

( كتبت من قبل كلمة فى الثقافة عنوانها " بين ابن المعتز وابن المعز " وذكرت طرفا من مناقشة الأمير تميم لعبد الله ابن المعتز فى الاحتجاج لخلافة العباسيين والاشادة بفضلهم . فاستحسن بعض القراء أن أعرف بابن المعز بعض التعريف لأنه ليس له نباهة ابن المعتز بين الأدباء ، بل يكاد يجهله بعض المتأدبين فى عصرنا . فاستجبت الرجاء بنشر كلمات أريد بها التعريف بالأمير الشاعر ، لا النقد والتعمق فى درس شعره وبيان طريقته ) - 1 -

قامت الخلافة الفاطمية فى المغرب سنة ٢٩٧ ه إذ بويع أول خلفائهم عبيد الله المهدى فى رفادة من مدن القيروان . وقد توالى على الخلافة من بعده القائم بالله فالمنصور بالله فالمعز لدين الله أبو تميم معد ، تولى الخلافة سنة ٣٤١ ه .

وقد امتد سلطان الفاطميين فى المغرب واتسعت دولتهم ، حتى فتحوا مصر سنة ٣٥٨ وأسسوا المدينة القاهرة ، فاتخذها المعز دار الخلافة . ثم امتد سلطانهم على الحجاز والشام .

-٢- كان من أولاد المعز نزار وتميم ؛ ولأمر ما اختار الفاطميون أسماء عربية جاهلية ، مثل معد ونزار وتميم ؛ هل فعلوا هذا مبالغة فى الانتساب إلى العرب والاعتزاز بالعروبة ، بعد أن طعن فى أنسابهم الطاعنون ورموهم بأنهم أدعياء فى آل البيت وفى العرب ؟

تولى نزار بن المعز الخلافة بعد أبيه سنة ٣٦٥ وتلقب العزيز بالله . واستمرت خلافته إلى أن توفى سنة ٣٨٦ . ويقول بعض المؤرخين إن تميما كان أحق بالخلافة ، و فضل أخوه عليه . وإن صح ما رواه ابن خلكان أن تميما ولد سنة ٣٣٧ فنزار أسن منه وأحق بولاية العهد . وفى ديوان تميم قصائد كثيرة يمدح فيها أخاه ويبالغ فى مدحه ، ولكن

هذه القصائد وقصائد أخرى فى الديوان تشتمل على أبيات تنم عن شكاة فى سريرة الشاعر ، وحزن طوى نفسه عليه بما حرم الخلافة ، كما تنم عن اتهامه بأنه كان ناقما على أخيه خلافته ، وكأن مبالغته فى مدح أخيه كانت لرد هذه التهمة أحيانا . ومن الأبيات التى تنم عن تهم ووشايات بين ابنى المعز تميم وتزار :

فلا يتهمنى الحاسدون ببغيهم

                 فعزى من عز العزيز مركب

إمام له من كل نفس مراقب

                وفى كل أرض عقد عز ومقنب

محبته حتم على كل مسلم

               وطاعته فرض من الله موجب

واستمع إلى قوله يخاطب أخاه العزيز بالله :

وما لى لا أحوى بك العز والمنى

                  وأنت على كل الأمور قدير ؟

وكيف أخاف الحاسدين وبغيهم

                  وأنت عليهم لى يد وأمير

كلانا ، لأصل واحد ولوالد ،

                 إذا ما دعانا الانتساب ، نصير

فلا نفس منى ناصحا وابن والد

                ووالدة ما فيه عنك نفور

يود بأن تبقى عزيزا مسلما

               ويفديك من صرف الردى ويجير

-٣- ولد تميم ، فيما روى ابن خلكان ، سنة ٣٣٧ فى خلافة جده المنصور ، فكانت سنه حينما رحل المعز إلى مصر سنة ٣٦٢ خمسا وعشرين سنة ، وتوفى فى خلافة أخيه العزيز بالله سنة ٣٧٤ وسنه سبع وثلاثون سنة ، ودفن فى القصر بجانب أبيه .

وكان شاعرا فاضلا ظريفا لين الجانب ، وهو شاعر البيت الفاطمى ، كما كان ابن المعتز شاعر البيت العباسى . وكان ابن المعز يكلف بنافسة ابن المعتز ، وقد نقض عليه قصيدته التى فضل فيها العباسيين على العلوين .

كان الأمير تميم شاعرا مكثرا ، ينظم الشعر فى فنون شتى ، وكثيرا ما وصف مناظر الطبيعة وبدائع الصناعة ، وصور كثيرا من وجوه المعيشة المصرية فى عصره . وقد مهدت له سبل النعيم واللهو ، واجتمعت أسباب العزة والفخر : نسب عربى قرشى علوى ، وملك لبيته يمتد بين المحيط الأطلسى والعراق ، وخلافة بلغت درجة التقديس ؛ فأبان عن هذا كله فى شعره ، ثم أعرب عما أوحت إليه معيشته الترفة ومكانته العالية ، وصور ما عرضته مصر والنيل من مناظر ذات بهجة وأحداث وغير : فى السفر والحضر ، واللهو والجد ، والشدة والرخاء .

وقد جاء أحد علماء الهند إلى مصر بنسخة من ديوان الأمير تميم . وهو الآن يطبع فى دار الكتب ، وسيطلع قراء العربية فيه على صور شتى من الأدب العربى عامة والأدب المصرى خاصة ، ويجد مؤرخ الأدب العربى المصرى بهذا الديوان ثروة يزيدها على ما عرف من الشعر المصرى قبل تميم وبعده ، فيتصل بعض الاتصال ما تقطع من تاريخ هذا الأدب ، وينتظم بعض الانتظام ما انفرط من عقده .

وسيأنس القارئ المصرى بقصائد فى صفة النيل وأصقاع مصرية ، ومشاهد معروفة فى مصر اليوم , وأخرى يحدث بها التاريخ . ويظفر المعتز بالأدب العربى بقصائد تفيض بالعزة العربية ، وتصور همم سادة العرب التى عهدها فى شعر ابن المعتز وأبى فراس والشريف الرضى . وما أشد حاجتنا إلى الخلق المتين ، يصوره شعر بليغ فاض عن أنفس كريمة أبية .

فأما فخر تميم بنفسه واعتداده بمزاياه فيتجلى فى كثير

من صفحات الديوان كقوله : ليس من ساد عن وراثة جد

وبحظ من الخطوظ متاح

يستحق الثنا ويستوجب الشكر

               ويحوى مدائح المداح

إنما السيد المصلى المفدى          من علا للعلى صدور الرماح

ورمى ليل كل خطب يهيم           بذكاء أضوا من الإصباح

واقتنى العز بالظبى والموالى

                     واشترى الحمد بالندى والسماح

فكذا تبتنى المكارم والمجد     ويستبعد العدو الملاحى

لا كمن قد جرى برجل سواه

                  وسما طائرا بغير جناح

لا ألفت العلى ولا ألفتنى         إن توشحت دونها بوشاح

أو ترفهت أو تشاغلت عنها     بأباطيل قينة أو براح

إلى أن يقول :

أنا فرد النهى ورب المعالى          وحسام الكفاح يوم الكفاح

أنا مفتاح ففل كل نوال               يوم يندو الندى بلا مفتاح

أنا كالجد فى الأمور إذا ما           كان غيرى فيهن مثل المزاح

لا كراض زمن من العلى بادعاء        وبمرض مجرح مستباح

فسل المجد عن صباحى وليلى      ومقبلى وغدوتى ورواحى

هل يسر العلى مقالى وفعلى

                   وارتياحى لكسبها ، واقتراحى

هاكها كالصهيل فى حلبة الفخر

                  إذا كان غيرها كالنباح

ويقول فى همته وصبره على الخطوب ، وترفعه عن

الدنيا ، وخوضه الأهوال إلى آماله :

وإنى لألقى كل خطب بمهجة

                    يهون عليها منه ما يتصعب

وأستصحب الأهوال فى كل موطن

                   ويمزج لى السم الزعاف فأشرب

وأغضى على مثل الأسنة صابرا

                          ولو شئت لم أصبر وللسيف مضرب

ولست بإقبال - وإن سر - فارحا

                          ولا من عجيب يعجب الناس أعجب

فانى بلوت الدهر ثم علمته      وجربت ما لم يلق قبلى مجرب

إلى أن يقول :

أأسأل حظا من لئيم ومقرف

                        وأخضع للنكس البخيل وأطلب

وأترك بيض الهند وهى شوافع

                        إذا جردت فى حاجة لا تخيب

وما لى أخاف الحادثات كأننى

                       جهول بأن الموت ما منه مهرب

إذا لم أرد ورد المنايا مخاطرا

                       بنفسى فلا جنبت ما أتجنب

وهذه أبيات تبين عن بعض معانى المتنبى وألفاظه . والأمير تميم أدرك عصر المتنبى وعاش فى مجده وصيته ، ولا ريب أن مصر كانت لا تزال تتحدث عن أبى الطيب ، وتتذاكر شعره ، وقد تركها أبو الطيب قبل مجئ المعز وأولاده إليها باحدى عشرة سنة :

خليلى ما فى أكؤس الراح راحتى

                     ولا فى المثانى لذتى حين تطرب

ولكننى المجد أرتاح والعلى

                    وللجود والإعطاء أصبو وأطرب

وللحلم يوم البطش منى حمية

                    وللحفظ يوم الغدر منى تغضب

ومن بين جنبيه كنفسى وهمتى

                   يروح له فوق الكواكب موكب

وأما فخره ببيته ومبالغته فى مدحه ، فيظهر فى قصائد الفخر ، ومدائح أبيه وأخيه ، يقول فى مدح العزيز :

فيا ابن الذين استنبط الوحى عنهم

                        وأضحى بهم وجه الزمان ينير

ويا ابن الملوك الشم من آل هاشم

                        ومن طاب منهم ظاهر وضمير

لك الأول العالى الزكى الذى انتهى

                        به المجد يوما والأوائل زور

إذا عد قوم للفخار عشيرة

                      غدا لك من آل النبى عشير

وفى قصيدة أخرى :

إنك من معشرهم جمعوا        شمل المعالى ودوخوا البشرا

لم يألف الدين غيرهم نفرا       له ولم يرض غيرهم زمرا

وأحيانا يفخر ببيته على العباسيين ، ويجادلهم فى الخلافة ، ويشيد بمآثر العلويين ، ويبين فضلهم على بنى عمومتهم . وله فى هذا قصيدة معروفة ينقض بها قصيدة لابن المعتز .

ويقصد أحيانا إلى بنى أمية فيذكر مساوئهم ، ويهدى الشتائم إلى القائمين بالملك منهم فى الأندلس وإلى أسلافهم . وهو يغلو أحيانا فى مدح الخلفاء الفاطميين اتباعا لمذهب الشيعة الاسماعيلية ، ولكنه لا يبلغ فى هذا مبلغ ابن هانئ الأندلسى . كقوله فى مدح العزيز بالله :

يا صفوة الله من بريته          وسر عليائه الذى ظهرا

وقوله :

أنت المسمى المرجى قبل مولده

                     والخامس القائم المذكور فى الكتب

ولكن غلو تميم فى آل البيت وهجاءه خصومهم لم يورطه فى ذم الصحابة ؛ تورع عن هذا كما تورع الشريف الرضى . وهذا شاهد بكرم النفس ، والتنزه عن هذه الدنايا والمآثم .

ولتميم كما للشريف الرضى ، تراث فى آل البيت ،

منها قصيدته التى أولها :

نأت بعد ما بان العزاء سعاد

                     فحشو جفون المقلتين سهاد

فليت فؤادى للظمائن مربع

                    وليت دموعى للخليط مزاد

نأوا بعد ما ألقت مكائدها النوى

                      وقرت بهم دار وصح وداد

وقد تؤمن الأحداث من حيث تتقى

                      ويبعد نجح الأمر حين يراد

ويبين فى بعض شعره عن طمعه فى الاستيلاء على

العراق وإزالة الخلافة العباسية .

يقول لرجل ودعه قاصدا نحو بغداد :

أيها المزجى مطيته        إذ حداه الشوق والذكر  

نحو بغداد يؤرقه          دلج الرحال والبكر

عج على ماء الفرات وقف         كوقوف الصب يعتذر

عن مشوق نحوه فلق                ما له عن ذكره صدر

فهناك الدهر مقتبل                 والصبا ريان ينعصر

ياربى القاطول (١) لا بعدت       عنك بى الأيام والقدر

كل ما فى الناس من أمل           لك أطويه وأدخر

وقريب أن يزورك بى               ظفر ما مثله ظفر

ثم يصفو فى ذراك لنا              طيب عيش ما به كدر

( للكلام

اشترك في نشرتنا البريدية