الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 140الرجوع إلى "الثقافة"

الاحتفال بوفاء النيل، فى مصر الاسلامية

Share

كان المصريون منذ أقدم العصور يحتفلون بوفاء النيل ، ويفتنون فى هذا الاحتفال الذى كان يتخذ أشكالا متباينة وصورا مختلفة ، تبعا لاختلاف العصور والحكومات والأديان .

أما المصريون القدماء فقد ألهوا النيل وعبدوه ، لأنه مصدر الخير والبركة ، يشربون من مائه العذب السلسبيل ، وإذا فاض سقى أراضيهم ورواها ، وبعث فيها الحياة ، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، وعلى صفحته تسير قواربهم تصيد الأسماك ، وسفتهم الشراعية تحمل التجارة من حب وفاكهة إلى أهالى الشمال من الجنوب ، وإلى أهالى الجنوب من الشمال .

وتقول الرواية العربية التى تنقلها جمهرة المؤرخين المسلمين عن ابن عبد الحكم : إن المصريين كانوا يزينون للنيل فتاة بكرا جميلة ، فيطيبونها ويعطرونها ، ويحملونها أجمل حليها ولآلئها وجواهرها ، ثم يلقونها إلى النيل قربانا ، فلا يلبث أن يزيد ماؤه ويفيض ويغطى الأرضين ؛ غير أن معظم المؤرخين المحدثين يشكون فى صحة هذه الرواية ، وبرهان شكهم أن العرب دخلوا مصر وهى مسيحية حكومة وشعبا ، فلو فرض أن مصر الفرعونية الوثنية كانت تقترف هذا الاثم ، فليس من المعقول أن تستمر على إباحة اقترافه المسيحية وهى دين سماوى يمنع قتل النفس دون جريرة .

غير أن الأمر الذى لا شك فيه أن الحكومات المختلفة التى توالت على مصر كانت تهتم الاهتمام كله بمقاييس النيل لتترقب وفاءه ، ولتحتفل بهذا الوفاء لأن فيه صلاح الأرضين وخصبها ، وحياة النباتات وإزهارها وإثمارها ؛ وكيف يستطيع المصرى الحياة إذا قصر النيل ولم تنبت الأرض ؟ !

وقد تغير مكان المقياس فى العصور المختلفة ، وإن كان المتفق عليه بين مؤرخى العرب أنه قد كان بمصر قبيل الفتح مقاييس كثيرة فى بلدان مختلفة ، غير أننا لانستطيع تحقيق أماكنها أو أسماء الملوك الذين أنشأوها ، فالمسعودى يقول مثلا : (( ووضمت دلوكة العجوز ملكة مصر بعد فرعون مقياسا بأنصنا صغير الأذرع ، ووضعت مقياسا آخر بأخميم ، ووضعت الروم مقياسا بقصر الشمع )) ، ويقول القضاعى : (( ثم جاء الاسلام ، وفتحت مصر والمقياس بمنف )) .

ويذكر القلقشندى أن مكان المقياس كان بمنف معروفا حتى عهده ( القرن التاسع الهجرى - الخامس عشر الميلادى ) فيقول : (( وموضع المقياس بمنف إلى الآن

معروف على القرب من الاهراء اليوسفية من جهة البلدة المعروفة بالبدرشين )) .

وبقى النيل بعد دخول العرب بمدة يقاس بمنف ، ويدخل القياس إلى الفسطاط فينادى به ، ثم بنى عمرو ابن العاص مقياسا بأسوان ، وآخر بدندرة ، وفى أيام معاوية بنى مقياس ثالث بأنصنا ؛ ولما ولى عبد العزيز بن مروان حكم مصر ، واتخذ مدينة حلوان مقرا لحكمه ، بنى بها مقياسا صغير الأذرع ، كذلك بنى أسامة بن زيد التنوخى سنة سبع وتسعين من الهجرة ( ٧١٥ م ) فى عهد ولايته لمصر مقياسا فى جزيرة الروضة  أو جزيرة الصناعة كما كانت تسمى ) وذلك بأمر سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموى . ويقول صاحب صبح الأعشى : (( ثم بنى المتوكل مقياسا أسفل الأرض بالجزيرة المذكورة ( جزيرة الروضة ) فى سنة سبع وأربعين ومائتين ( ٨٦١ م ) فى ولاية يزيد بن عبد الله على مصر ، وهو المعمول به إلى زماننا هذا ( القرن التاسع الهجرى ) . ونضيف محن أيضا أن هذا المقياس هو المعمول به إلى سنتنا هذه ( ١٣٦٠ ه ) أى أن عمر هذا المقياس هذا العام ألف ومائتان وثلاث عشرة سنة هجرية .

وكان المتفق عليه فى تاريخ مصر الاسلامية أن يحتفل بوفاء النيل إذا بلغ ستة عشر أو سبعة عشر ذراعا ، ويعتبر النيل مقصرا إذا قل عن الرقم الأول ، ويعتبر الفيضان خطرا إذا زاد عن الرقم الثانى ، وفى هذا المعنى يقول الصلاح الصفدى :

قالوا علا نيل مصر فى زيادته

                    حتى لقد بلغ الاهرام حين طما

فقلت هذا عجيب فى بلادكم

                    أن ابن ستة عشر يبلغ الهرما !

وكانت النصارى تتولى قياس النيل منذ الفتح العربى إلى زمن المتوكل ، فعزلهم واختار له رجلا مسلما صالحا

يسمى عبد الله بن عبد السلام بن أبى الرداد المؤدب ، وأجرى عليه سليمان بن وهب صاحب خراج مصر يومئذ سبعة دنانير فى كل شهر ، وبقيت هذه الوظيفة فى نسل هذا الرجل حتى القرن التاسع الهجرى ، كما يقرر ذلك السيوطى فى حسن المحاضرة ، والمقريزى فى الخطط ، والقلقشندى فى صبح الأعشى .

وكان النيل إذا بلغ ستة عشر ذراعا ( وهو المعبر عنه بماء السلطان ) كسر خليج القاهرة . ولكسر الخليج كما يقول المقريزى : (( يوم معدود ومقام مشهود ومجتمع خاص يحضره العام والخاص )) ، ويقول عنه القلقشندى هو : (( يوم مشهود وموسم معدود ليس له نظير فى الدنيا ، وفيه تكتب البشارات بوفاء النيل إلى سائر أقطاب المملكة ، وتسير بها البرد )) . ويقول السيوطى : (( جرت العادة كل سنة إذا وفى النيل أن يرسل السلطان بشيرا بذلك إلى البلاد لتطمئن قلوب العباد ، وهذه عادة قديمة ، ولم يزل كتاب الانشاء ينشئون فى ذلك الرسائل البليغة . . )) ويورد السيوطى بعد ذلك أربع رسالات فى هذا المعنى : إحداها من إنشاء القاضى الفاضل ، والثانية من إنشاء القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر ، والثالثة كتبها الصلاح الصفدى ، والرابعة كتبها الأديب تقى الدين أبو بكر ابن حجة

حفلات الوفاء : حافظ المصريون بعد إسلامهم على تقاليدهم القديمة ، فعنوا بمقاييس النيل والاحتفال بوفائه ، وإن كانوا قد أدخلوا على هذا الاحتفال بعض التعديل الذى يتفق والدين الجديد ، وأقدم وصف عثرت عليه لهذا الاحتفال هو لابن رسته ( جفرافى عاش فى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى - التاسع الميلادى ) فى كتابه (( الأعلاق النفيسة )) وهذا الوصف يبين جمال الاحتفال وبساطته فى أول العهد ، فقد كان الموكلون بقياس النيل يترفبون الزيادة إصبعا إصبعا ، وذراعا ذراعا ، فإذا وفى

ساروا فى موكب جليل إلى المسجد الجامع (جامع عمرو)، يحملون الزهور والرياحين ، ويقفون هناك حلقات حلقات ، يعلنون وفاء النيل ، ويشكرون الله ، ويتراشقون بالأزهار . ولا شك عندى أنهم كانوا يعلنون هذا كله فى أهازيج وأناشيد خاصة .

ويبدو أن المتولين أمر المقياس كانوا ينادون فى الناس معلنين الزيادة إصبعا إصبعا ، وذراعا ذراعا ، حتى أتى المعز لدين الله الفاطمى ، فمنع من النداء بزيادة النيل ، وأن لا يكتب بذلك إلا إليه ، وإلى القائد جوهر ، فإذا بلغت الزيادة ستة عشر ذراعا أباح النداء ، وكسر الخليج ، ويقول المقريزى فى الخطط معلقا على هذا التعديل : " فتأمل ما أبدع هذه السياسة ، فان الناس دائما إذا توقف النيل فى أيام زيادته أو زاد قليلا ، يقلقون ويحدثون أنفسهم بعدم طلوع النيل ، فيقبضون أيديهم على الغلال ، ويمتنعون من بيعها رجاء ارتفاع السعر ، ويجتهد من عنده مال فى خزن الغلة ، إما لطلب السعر ، أو لطلب ادخار قوت عياله ، فيحدث بهذا الغلاء ، فان زاد الماء انحل السعر ، وإلا كان الجدب والقحط ، ففى كتمان الزيادة عن العامة أعظم فائدة وأجل عائدة " .

وكانت الحفلات التى تقام ، والمهرجانات التى تعقد ابتهاجا وسروا بوفاء النيل فى عهد الفاطميين بالغة الحد الأقصى من الجمال والبهجة والروعة والاناقة ، وأهم هذه المواكب موكبان : أحدهما لتخليق القياس عند وفاء النيل ، والثانى لكسر الخليج ، وبينهما ٣ أو ٤ أيام ، وكانت الدولة كلها ، خليفتها ووزراؤها وقضائها وقوادها وفقهاؤها وأدباؤها وشعراؤها وفنانوها وموسيقيوها وشعبها أخيرا ، كان هؤلاء جميعا يشتركون فى هذه المواكب الحافلة ، فلا غرو إذا أن قامت للآداب والفنون دولة عظيمة الشأن فى هذا العصر ، ولا غرو إذا أن سعد الشعب المصرى ونعم ، وأحس السرور بفيض فى جنبات حياته تحت حكم الفاطميين .

وفى كتب المؤرخين صور واضحة لهذه المواكب نحاول هنا نقل صورة لها لجمالها وروعتها :

موكب التخليق : وكان الموكلون بالمقياس يرفعون إلى ديوان الانشاء كل يوم رقعة بها مقدار الزيادة ، فلا يطلع عليها إلا الخليفة والوزير ، فإذا بلغت الزيادة ستة عشر ذراعا أمر بأن يبيت فى جامع المقياس ليلة الوفاء قراء الحضرة والمتصدرون بالجوامع بالقاهرة ومصر لختم القرآن الكريم ، وتمد لهم الأسمطة وتوقد الشموع الكثيرة ؛ وفى الصباح يلبس الخليفة الحلل الفاخرة والتاج الذي فيه اليتيمة ، ويخرج من القصر فى موكب زاخر ، وفى ركابه الوزير والأمراء والجند ، فيشق القاهرة ويمر من باب زويلة إلى الصلبية ، ثم يعرج على جامع ابن طولون ، إلى أن ينتهى به السير إلى دار الصناعة ، ويشق الفسطاط حتى يصل إلى شاطىء النيل ، وتكون سفينته الخاصة (الحراقة) معدة فى النيل وقد حمل إليها من القصر بيت مثمن من العاج والأبنوس ، كل جانب منه ثلاثة أذرع ، وطوله قامة رجل تام ، فيركب فى السفينة وعليه قبة من خشب محكم الصنعة ، وهو وقبته ملبس صفائح الفضة المذهبة . . . " ، ثم يخرج الخليفة ومعه الوزير وبعض خاصته إلى هذه السفينة ، ويجلسون فى هذا البيت المثمن ، وتسير بهم إلى المقياس فينزلون ويدخلون إلى الفسقية التى فيها المقياس ، ويصلى كل منهم ركعتين وحده ، ثم يتناول الخليفة إناء بيده ويذيب فيه الزعفران ، ويتناوله صاحب بيت المال فيعطيه لابن أبى الرداد متولى المقياس . فيلقى هذا بنفسه وهو بملابسه فى الفسقية ، ويمسك بالعمود برجليه ويده اليسرى ويخلق المقياس بيده اليمنى ، وبعد التخليق يعود الخليفة إلى حراقته التى نقله إلى البر حيث يعود إلى القاهرة " ويكون فى البحر ذلك اليوم نحو ألف مركب مشحونة بالناس للتفرج وإظهار الفرح . . . "

موكب كسر الخليج : وبعد ٣ أو ٤ أيام تقام فى بيت المال موائد من " التماثيل المختلفة من الغزلان والسباع والفيلة والزراريف وغيرها ، منها ما هو ملبس بالعنبر ، ومنها ما هو ملبس بالصندل . . مفسرة الأعين والأعضاء بالذهب ، وكذلك تعمل أشكال التفاح والأترج وغير ذلك . . " ويخرج خيمة الخليفة الكبيرة فتنصب على البر الغربى عند منظرة الكرة ، وتنصب بحريها خيام أخرى للأمراء والخاصة حسب مراتبهم .

وفى الصباح يلبس الخليفة ثوبا يسمي البدلة ، وهو حرير مرقوم بذهب لا يلبسه غير ذلك اليوم ، ويخرج فى مثل موكبه السابق فى أجمل هيئة وأكمل أبهة ؟ ويسير الخليفة فى موكبه من القصر وحوله الوزير والأستاذون المحنكون فى الطريق السالف الذكر إلى أن يصل جامع ابن طولون ، حيث يجد قاضى القضاة والشهود فى انتظاره على بابه ، فيسلم عليهم ، وينضمون إلى موكبه الذى يستأنف

السير إلى أن يصل إلى الخيمة ، فيترجلون ويجلسون على نظام خاص مقرر وقراء الحضرة هناك يتلون القرآن الكريم لمدة ساعة ؛ فإذا انتهوا استأذن صاحب الباب للشعراء ، فيدخلون حسب مراتبهم ، وينشد كل واحد فيما يناسب الحفل ، والحضور ينتقدون ما يسمعون ، فيقرظون شعر البعض ، ويجرحون شعر البعض الآخر . وفى المقريزى (الخطط ج ٢ ص ٣٦٥ ، طبعة النيل ) صورة طريقة لهذا المهرجان الأدبى وآراء الحاضرين فى نقد ما قيل فيه من شعر .

وبعد ، فهذه هى مواكب الفاطميين ومهرجاناتهم للاحتفال بوفاء النيل ، و تخليق المقياس ، وكسر الخليج ؛ سار على نهجهم فيها الأيوبيون من بعدهم ، ثم أتى المماليك فزادوها بهاء فوق بهاء ، وأبهة فوق أبهة ، حتى غدت أروع وأجمل وآنق من احتفالات سابقيهم من الملوك ؛

اشترك في نشرتنا البريدية