الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الثانيالرجوع إلى "الرسالة"

الادب الفارسى والأدب العربى

Share

أمة ذات حضارة فاتت التاريخ أوليتها، ونظم أمرتها الحقب الطويلة  يقوم عليها ملوك مسلطون رفعوا إلى مستوى فوق البشر أقدامهم،  وأقر لهم بهذا رعاياهم، وقد طار صيتهم فى الآفاق فملأ جيرانهم رهبة  وإكبارا. أمة ذات دين نصر الملوك ونصروه فاشتد قوامه على كل  مخالف وارهبوا كل متبوع. نزلت هذه الأمة أرضا وسطا بين  مهد الآريين والساميين يجاورها فى الغرب بابل وأشور، ويصاقبها فى  الشرق الهند. ثم يتصل بها من الشمال والشمال الشرقى الترك والصين.  فاض بها سلطانها حتى غزت اليونان فى عقر دارهم، وغزت كثيرا من  أوربا الشرقية الجنوبية. وملكت الشام وفلسطين ومصر. وكانت  الحرب من بعد سجالا بينها وبين الروم. كانت بلادها طريقا للتجارة  بين الشرق والغرب. وموصلا بين حضارتيهما. وكانت موئلا للفلسفة اليونانية. وملجأ للعائذين من فلاسفة اليونان. تلكم أمة الفرس التى  يقول فيها مهيار:

قومى استولوا على الدهر فتى   ومشوا فوق رءوس الحقب! عمموا بالشمس هاماتهم   وبنوا أبياتهم بالشهب!

وأخرى من الأمم عريقة فى البداوة وأبية على كل عسف، حديثة  عهد بالخضوع حتى لسلطان الله، أنضجتها البداوة فاذا هى قوية نشيطة  ذكية متوقدة، وأورثتها معيشتها وحروبها ضروبا من العزة والشجاعة  والفروسية والصبر على المكاره، والقناعة بالقليل، وجمع كلمتها وأنار  قلوبها الدين، وتلكم هي أمة العرب.

- 2 - بينما كان الاسلام يجمع شمل العرب كان الفرس مسيطرين على  عرب الحيرة يتخذونهم عونا على الأعراب، وعلى الرومان -كما كان  الرومان يستعينون بالغساسنة فى الشام) وكان الفرس كذلك مسيطرين  فى اليمن والبحرين. وقد أعظم العرب شأنهم فهابوهم وسموهم الأسد،  وسموا قبائل ربيعة التى كانت تجاور الفرس وتأبى عليهم أحيانا  - ربيعة الأسد من أجل ذلك - وعرفوا من أخبارهم وعاداتهم ما جعلوه  مضرب المثل، وعرفوا كذلك دينهم حتى يقال أن من بنى تميم من كان

يعبد النار. وفى ذكر القرآن للمجوس كثيرا دلالة على هذا.

فلما استقام للعرب أمرهم خلص اليمن بغير عناء وأسلم الفرس  هناك، حتى قاتلوا مع المسلمين الأسود العنسي المتنبى، وكذلك أجلى عامل كسرى على البحرين أيام أبي بكر، وأسلم هناك من أسلم ودفع  الجزية من بقى على دينه. ثم تمادى بالمسلمين الفتح فاذا هم يقاتلون فى جهات العراق عربا وفرسا قد تخالطوا حتى لم يتميز بعضهم من بعض  وحتى كان العرب يدا مع الفرس على العرب إبان الفتح، فخالد بن الوليد  يقول لأهل الحيرة: أعرب أنتم فما تنقمون من العرب؟ فيحتجون لعربيتهم بأنهم ليس لهم لسان غير العربية. تغلغل المسلمون فى فتح بعد آخر، صلحا وحربا فاذا هم ينازلون الأكاسرة أنفسهم، وأيقن الفرس  أن الأمر جد لا هزل، وكان قد اجتمع أمرهم بعد الفرقة ليزدجر السادس  فساقوا على العرب جيشا حشدوا فيه من عدد الحرب وجندها ما لا  عهد للعرب به، ولم يكن بد للعرب من المقاومة فاستنجدوا الخليفة عمر  فأهمته حرب فارس، وندب الناس اليها فتثاقلوا اعظاما لأمر الفرس  واستفز عمر العصبية العربية؛ ورضى أن يدعى الى الحرب مسلمهم وغير  مسلمهم. وقد اهتم الفرس بأمر القادسية أيما اهتمام، وارتقب العرب  عقباها من العذيب الى عدن أبين ومن الأبلة الى ابلة، كما يقول الطبرى

وكانت القادسية أول موقعة عظيمة حشد لها الجمعان ما استطاعوا،  ولكنها لم تكن أعظم الوقائع ولا آخرتها فموقعة نهاوند التي سماها  العرب فتح الفتوح، وهى آخر الوقائع العظيمة، كانت بعد القادسية  بسبع سنين، وبينهما وقائع، وكان ملك الفرس يزدجرد، لا يزال يكر  على العرب فى الحين بعد الحين، ويستمد الترك وقد تعقبه العرب الى  أقصى الشرق، واستمر على ذلك حتى سنة 31. سبعة عشر عاما بعد  القادسية فبينا يتهيأ لصلح العرب على بعض الأقاليم قتله بعض اتباعه كما  قتل دارا من قبل بينما يتعقبه الاسكندر المقدوني. وبذلك تم للعرب  الاستيلاء على فارس رغم الثورات التى كانت تظهر فى الحين بعد الحين  إلا جهات فى طبرستان وجيلان لم تفتح إلا بعد قرنين وبقى بعد ذلك  أمراء فى جهات نائية قرونا طويلة.

- 3 - فتح العرب الأقطار باسم الدين فلم يكن الا أن يسلم الفارسي فاذا هو  واحد من المسلمين الفاتحين، ثم كان حكمهم على رغم مصائب الحروب  وفظائعها عدلا لا عنف فيه. وكان فى الفرس على هذا من وجدوا فى  الفتح الاسلامي مخلصا من اضطهاد دينى، فقد كانت الزردشتية شديدة  على من شذ عنها، أو وسيلة الى جاه...

فالديلم من جند الفرس انحازوا للمسلمين (بعد القادسية وأسلموا)  وعاونوا فى واقعة جلولاء، ثم استوطنوا الكوفة. ونجد من الفرس  مثل (أبى الفرخان) الذى عاون العرب فى فتح الرى فولى عليها.  ونجد مرزبان مرو يخذل يزدجرد ويرسل أمواله بعد أن قتل الى أمير  العرب هناك.

وقد أعطى العرب الفرس الذين قاتلوا معهم حظهم من الغنائم  وفرض عمر فى العطاء لمثل المرزبان فى المدينة وأحسن العرب الى  الفلاحين الذين لم يقاتلوا. ويقول الطبرى (عن أهل فارس) وتراجعوا  الى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا فى زمن الأكاسرة فكانوا  كأنما هم فى ملكهم الا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم فاغتبطوا  وغبطوا. وقد بقى الفرس أحرارا فى دينهم وبقيت معابد النار  فى الجهات كلها ولا سيما فى فارس. فقد حكى المؤرخون كالاصطخري  وابن حوقل أنه لا توجد قرية فى فارس بغير معبد للنار، وان جمهور  أهلها من عبدة النار وانهم فى شيراز لا يمتازون من المسلمين فى مظاهرهم و كانت معابد النار تحمى ويعاقب مخربوها.

وإنما تناقص عدد الزردشتيين بدخول كثير منهم فى الإسلام، وقد  دخلوا فيه أفواجا حتى شكا عامل خراسان الى عمر بن عبد العزيز قلة  الجزية فأرسل إليه أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم هاديا ولم يبعثه جابيا. على  أنهم بقوا كثيرين الى عصر قريب. ويقول khonikof أن كرمان  حين حاصرها محمد خان قاجار كان فيها 12 ألف أسرة زردشتية.

إنما أفيض فى هذا لأبين أن العرب والفرس بعد الفتح لم يكونوا  فى نضال مستمر. وان العرب لم يستعبدوا الفرس كما يحسب بعض  الناس. لم يفعل العرب الا أن حطموا الحدود الوطنية فشاركوا الفرس  فى جماعة أوسع. ونالوا من العلوم والآداب التى تعاونت عليها الأمم  الإسلامية، ونالوا عليا المناصب. فالبرامكة مثلا كانوا يدبرون  للعباسيين ملكا أعظم وأوسع مما كان يديره بزرجمهر لانوشروان.

- 4 - الآداب الفارسية الحديثة تؤرخ من القرن الرابع الهجري (تقريبا)  - كما يأتي - فماذا أصاب اللغة الفارسية فى ثلاثة القرون التى تلت  الفتح الاسلامى؟ وماذا أصاب الفرس فى هذه القرون؟

فى إجابة هذين السؤالين يجب أن نفرق تفريقا تاما بين الكلام  على الفرس، والكلام على اللغة الفارسية.

فأما اللغة الفارسية فالكلام عنها من جهتين: من حيث أنها لغة  تخاطب ومن حيث أنها لغة العلم والأدب. فأما من الوجهة العلمية  فقد وقفت اللغة وقفة طويلة، ولم يؤلف فيها إلا كتب قليلة معظمها  فى الدين، ويمكن أن يقال أنها عقمت تماما بعد قرنين من ظهور  الإسلام، فالكتب التى ألفت فى العصر الاسلامي وبقيت على الزمن  لا تتجاوز عصر المأمون، وهي كتب دينية قليلة أراد بها الزردشقيون  الدفاع عن دينهم والإبقاء عليه. - ولكن كان للغة الفهلوية عمل أعظم  من هذا أبقى أثرا هو حفظها آداب الساسانيين وتاريخهم فى كتبها

لتكون مصدرا للترجمة الى اللغة العربية، ولتكون من بعد أساسا  للآداب الفارسية الحديثة. فقد بذل رجال الدين أو الموابذة وملاك  الأراضي أي الدهاقين جهدهم فى حفظ كتبهم، وكان الساسانيون  من قبل ذوي عناية بالكتب وحفظها. ويمتاز إقليمان فى إيران بأن  كانا موئل الآثار الفارسية: فارس وخراسان - كما امتازت طبرستان  بوعورة أرضها وكثرة غاباتها فبقى فيها استقلال الفرس مدة طويلة -   فأما خراسان فكانت مبعث الشعر الفارسي الحديث، وأما فارس مهد  الدول الفارسية القديمة فقد لاذ بجبالها جماعات من الزردشتيين، فعكفوا  على درس آدابهم القديمة وحفظ كتبها. فحصن شيز فى جهة أرجان كان مسكن مجوس خبراء بإيران وتاريخها. وكان به صور الملوك والعظماء  وتاريخهم، هكذا يقول الاصخرى وابن حوقل، ويؤيد هذا ما يقوله  المسعودى: أنه رأى فى اصطخر عند أسرة فارسية كبيرة كتاب الملوك  يتضمن صور الملوك وأزمتهم ووصف آثارهم. ويتصل بهذا ما رواه  صاحب الفهرست عن أبى معشر إن الفرس القدماء خزنوا كثيرا من  كتبهم فى أصفان فى بناء عظيم بقي الى زمان أبى معشر، أن الناس  عثروا على كتب فيه، ثم يقول ابن النديم "اخبرنى الثقة أنه أنهار سنة  350 أزج آخر عن كتب كثيرة لا يهتدي الى قراءتها). والذى رأيته أنا  بالمشاهدة أن أبا الفضل ابن العميد أرسل فى سنة نيف وأربعين  كتبا متقطعة أصيبت بأصفهان فى سور المدينة وكانت باليونانية إلخ

ففى أمثال حصن شيز وبناء أصفهان حفظت الكتب القديمة  التى ترجمت الى العربية أيام الدولة العباسية. "لها بقية"

اشترك في نشرتنا البريدية