أتيحت لى الفرصة أثناء دراستى بلندن أن أدرس تنظيم الاذاعة المدرسية الانجليزية وسياستها . ولقد كان المدرسون الذين اتصلت بهم فريقين من حيث الاذاعة : فريق المتشائمين وفريق المتقائلين .
فأما الفريق الأول فكان يرى أن التلاميذ لا يصلحون مطلقا لنظام المحاضرات ، إذ من الواجب أن يعمل التلميذ بنفسه تحت إشراف مدرسه ومراقبته ومساعدته وتشجيعه . وإن من أخطر ما يعاب على طريقة الاذاعة اللاسلكية فى التعليم أنها تقوم على عدم اتصال المذيع بالتلاميذ اتصالا شخصيا ، وعدم وجود الفرصة للرد على ما يوجهونه من الأسئلة فى أثناء إصفائهم ، مما يثير فى نفوسهم الملل ويبعث فيهم الكراهية والبغضاء .
وأما فريق المتفائلين فقد ذهب إلى أن روح الديمقراطية قد هبطت إلى التعليم عن طريق المذياع ، فنداؤه يشمل الصغير والكبير ، والعظم والحقير ، وهو لا يتحيز لثقافة دون ثقافة ، ولا لجماعة دون جماعة ، ولا لرأى من الاراء الاجتماعية أو السياسية أو الدينية دون رأى آخر ؛ بل عليه أن يسوى بين الجميع ، وأن يرمى إلى هدف واحد ، هو تعليم الشعب كله على اختلاف طبقاته وألوانه .
غير أنى - بصرف النظر عن آراء الفريقين - كنت شديد الحرص على أن أرى بنفسى مدى نجاح المذياع فى الفصل ، وكنت أول امرى أميل إلى الشك ، ثم سرعان ما بدأت شكوكى تزول على أثر استماعى للاذاعة المدرسية عدة مرات ، وآمنت منذ ذلك الحين بنجاح
دروس الاذاعة ، فقد رأيت بنفسى تلبية الأطفال لما يستمعون إليه من كلمات المذياع ثم إن الاذاعة الموسيقية والحركات التوقيعية والتمثيل التاريخى والأحاديث الشائقة ، كالحديث عن فيضان نهر بالصين أو إلقاء روايات من أشهر الممثلين البارعين ، كل ذلك كان من الأمثلة لنوع الاذاعات التى تؤدى إلى نجاح الاذاعة المدرسية واستهواء التلاميذ لسماعها وانتظارها بفارغ الصبر .
هذا وقد بلغ من حسن استماع الأطفال أو التلاميذ لتلك الكلمات أنه كان يحدث أحيانا أن يلقى المذيع سؤالا ما ، فسرعان ما يجيبه التلاميذ فى فصولهم : " نعم ياسيدى هو ذاك " أو : " لا يا سيدى ليس الأمر كذلك " .
أهمية الاذاعة المدرسية :
والحق أنه لم يكن من الخير أن تجمد طرق التربية والتعليم ،والأ ينالها التغيير ، بل كان لابد لها من أن تخضع للتطور ، ذلك التطور الذى خضعت له الحياة بأسرها . فالمدرسة اليوم تتراجع حواجزها إلى الوراء ، ولهذا التراجع تزداد مسئولية المدرس . ولما كان واجب المدرس هو إعداد تلاميذ اليوم للحياة فى المستقبل ، كان من أوجب الواجبات أن تكون المدرسة جزءا من الحياة ، وكان لزاما على المدرس ألا يقنع بأن يدرس لتلاميذه المواد التقليدية فقط ، بل كان عليه أن يعمل على ربط ما يدرسه فى الفصل بما يقابله فى الحياة الاجتماعية .
والإذاعة المدرسية لا يمكن أن تحدث ثورة فى عالم التربية ، ولكنها تساعد على سرعة التطور والتقدم . والمدرس الذى يلجأ إليها ويستخدمها لأغراضه التربوية فى المدرسة هو فى الواقع دائب على أن يستغل داخل جدران المدرسة خبرة التلاميد أو الأطفال التى يكتسبونها خارج المدرسة ؛ وهو فى الواقع يعمل على ربط المواد المدرسية بالحياة الخارجية ، أى أنه يعمل على تقوية الروح
الاجتماعية فى الأطفال ، ويصل بينهم وبين العالم الخارجى ؛ وبذلك تكون الاذاعة المدرسية وسيلة ناجحة من وسائل التربية الاجتماعية التى ننشدها فى الوقت الحاضر . والواقع أننا نرى للاذاعة المدرسية طائفة كبيرة من المزايا التى قل أن تتيسر فى غيرها من الطرق نستطيع أن نلخصها فيما يأتى :
أولا - أن الاذاعة المدرسية عامل من عوامل توسيع الأفق العقلى للتلاميذ أو للأطفال .
فنحن لا ننتظر من دروس الاذاعة أن تكون دروسا شكلية خاصة ، ولكننا نستعين بها على توضيح الحقائق العلمية التى يتلقها التلاميذ بالمدارس وأن تكسو الاذاعة عظام هذه الحقائق لحما وتجرى فى عروقها دما .
ثانيا - ثم إن الاذاعة المدرسية تعمل على خلق عادات التركيز العقلى والتمييز والتفكير الاختيارى ، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنها تساعد على وضع أسس حسن الاستماع أو الأصغاء الناجح فى حياة الرجولة المستقبلة .
ثالثا - أن من مزايا هذه الاذاعة أن دروسها قد تهيىء الفرصة لتلاميذ المدارس ومدرسيها كى يستفيدوا من خبرة الأكفاء ، ومن معلومات الاخصائيين الغزيرة ؛ فالأذاعة تقرب إلى أبواب المدرسة كل إخصائى فى علمه أو فى فنه ؛ وقد يعترض البعض بأن هؤلاء الاخصائيين ليسوا بمدرسين ؛ ولكن من منا ينكر مقدار الفائدة التى يستفيدها كل مستمع إليهم ، لا سيما إذا كان المذيع قادرا على أن يبث فى مادته الجديدة الحيوية ؟
رابعا - أن الإذاعة المدرسية تدرب الطفل على حسن استخدام اوقات الفراغ ؛ وإعداد الطفل لاستغلال أوقات الفراغ لا تقل أهميته عن إعداده لوقت العمل . فالطفل فى مستقبل حياته معرض لن يقضى ساعات طويلة مستمعا للمذياع ، والاذاعة المدرسية هى الفرصة الذهبية
التى تهيئها المدرسة لتدريب التلاميذ على حسن الاختيار وعلى حسن الاستماع .
خامسا - ثم إن الاذاعة المدرسية تساعد المدرس المجتهد بما تمده به من مادة جديدة ووجهات نظر جديدة ، وطرق مختلفة لتدريس وتناول الموضوعات ، وهى تبعث فى المدرسة من روح الحياة بما تدخل فى الدرس من وسائل إيضاح لا تتيسر للمدرس فى الفصل ، كان يستمع الطفل عن طريق المذياع إلى صوت اندفاع الماء فوق شلالات نياجرا ، وإلى أحاديث الملوك والعلماء فى مواقفهم الخاصة ، وكأن يصغى إلى أمثال " فراداى " وهم يتحدثون عن الكهرباء ، أو يصغى إلى وصف الصباح الباكر فى قرية هندية أو لنزهة ريفية . وفى التاريخ والجغرافيا وعلوم الاجتماع وغيرها يستطيع المذياع فى المدرسة أن يمثل لنا أعظم المشاكل العلمية مبسطة لو أذاعها المبرزون فيها .
سادسا - لا يمكن أن ننكر فضل الاذاعة المدرسية على المدارس النائية فى أطراف القطر وجهاته البعيدة ؛ فيها يستطيع تلاميذ القرى أن يستمعوا إلى هذه الدروس ، وأن يتساروا فيها مع تلاميذ مدارس العاصمة ونحوها ؛ وأطفال القرى والأطراف النائية بحكم عزلتهم قد فقدوا الكثير من المزايا التى يتمتع بها زملاؤهم فى مدارس المدن ، فقدوا معرفة حوادث الحياة اليومية ومشهورات قلب المدينة ؛ والإذاعة تعوضهم عن ذلك ، فهى تهيىء للمدرسة الريفية فرصة إيجاد أفكار جديدة تدور عليها جهود المدرس وأحاديثه مع الأطفال ، كما أنها تمد تلاميذ الريف بأصوات جديدة يسمع إليها .
وأخيرا بعد هذا وذلك تتيح الإذاعة المدرسية للتلاميذ أحسن الفرص للاستماع إلى بلغاء المذيعين وفصحائهم ، بحيث إذا ألقوا سماع هؤلاء الفصحاء واعتادوا الاصغاء إلى طريقة نطقهم ، فانهم لا يلبثون أن يشعروا بميل
عظيم فى نفوسهم إلى تقليد هؤلاء المذيعين الفصحاء وإلى محاكاتهم فى طريقة نطق الكلمات ؛ ولاشك أن هذه من أنجح الطرق لتحسين نطق الأطفال ، ولتحبيبهم فى اللغة القومية فى أعلى مراتبها ، وهى عندنا اللغة العربية الصحيحة لغة البلاد ولغة القرآن .
والخلاصة أنه إذا نجحت الاذاعة المدرسية أحدثت تغييرا ظاهرا فى الاتجاهات العقلية للتلاميذ ، وأحدثت تغييرا ملموسا فى العادات وفى الميول وفى أنواع المهارات المختلفة التى يقوم بها الأطفال فى أوقات عملهم وفى أوقات فراغهم .
ماذا يذاع :
والآن نتساءل عن الأساس الذى يمكن أن نتخذه لتنظيم الاذاعة المدرسية ؟ الواقع أنه من الصعب أن نحدد أساسا خاصا للاذاعة ، فنحن لا زلنا فى طور المحاولة والخطأ والإصلاح وإعادة التنظيم . على أنه يمكن أن نلخص نوعين من أنواع التنظيم شائعين فى معظم البلاد الغربية . فموضوعات الإذاعة إما أن تدور حول محور مركزى ، أو تدور حول المواد المختلفة .
ولنبدأ بالمحور المركزى : استخدم هذا التنظيم فى نيوزيلندا حيث أجرت إحدى المدارس تجربة فى الاذاعة ، متخذة موضوعا رئيسيا كمحور مدور حوله الموضوعات المذاعة طيلة العام الدراسى ، وكان أحد تلك الموضوعات المختارة هو " قصة بلادنا " .
إذا اتخذنا مثل هذا الموضوع محورا للدراسة ، فإننا نأخذ من كل نبع قطرة ، وتشمل أحاديثنا موضوعات فى التاريخ الاجتماعى والجغرافيا والعلوم والتاريخ الطبى ، لا كموضوعات دراسية منفصلة بعضها عن بعض ، بل كموضوعات متصلة مركزة حول محور يفسر حياتنا الحالية .
لقد أثبتت التجربة نجاح مثل هذا التركيز ، إذ أنه خلق فى الذين استمعوا إليه شغفا وحبا للسمع وتتبع الإذاعة من مرحلة إلى أخرى حتى يصل إلى نهاية القصة .
والطريقة الثانية : هى تنظيم الموضوعات حول المواد المختلفة ، فتشتمل الاذاعة على دروس فى اللغات ومختارات من الأدب القومى ، وقطع موسيقية ، واحاديث وقصص تاريخية ، ورحلات جغرافية ، وموضوعات علمية تبسط نتائج أحدث الأبحاث . . . الخ .
أبحاث علمية على الاذاعة المدرسية :
والآن الخص بعض نتائج الأبحاث العلمية فى موضوع الاذاعة المدرسية :
أولا - ميول الأطفال للموضوعات المذاعة : قد
أجريت تجارب عدة بانجلترا وأمريكا قورنت فيها ميول الأطفال بخصوص أنواع الموضوعات المذاعة ، فكانت نتيجة البحث كالآتى :
١ - البنون : يميل البنون إلى الاستماع إلى الموضوعات الآتية ، نرتبها حسب درجة الاهتمام بها ، وهى : المتنوعات ، التعليقات ، الرياضة ، الأخبار ، الموسيقى والرقص ، التمثيل القصير ، الأحاديث .
ب - البنات : تميل البنات إلى سماع موسيقى الرقص ، فالمتنوعات ، فالقصص التمثيلية ، فالأحاديث ، فالأخبار ، فالألعاب الرياضية .
ويهتم الأطفال - بوجه عام - بالنواحى الموسيقية والمتنوعات ، وبالقطع التمثيلية القصيرة تاريخية كانت أو حيوية ، والموضوعات العلمية المبسطة ، وبالهوايات ، وبمظاهر النشاط المنزلى .
إن العنصر الهام فى الاذاعة المدرسية هو ضرورة
العمل على إشباع الناحية الوجدانية لدى الطفل . إن مناهجنا الدراسية تئن تحت عبء سيطرة الناحية العلمية على غيرها من النواحى ؛ من هذا نرى أن الاذاعة المدرسية متممة لعمل المدرسة .
ثانيا - طبيعة المادة المذاعة : أما من حيث طبيعة المادة المذاعة ، فقد أثبتت التجارب أنه كلما كانت المادة المذاعة واضحة بسيطة سائغة منطقية الأساس ، مرتبطة حلقاتها بعضها ببعض ، كان ذلك أدعى إلى أن يحتفظ الأطفال بانتباههم مما لو كان الموضوع المذاع مجرد حديث . وقد نصح أحد كبار رجال الاذاعة المدرسية بإنجلترا بأن تكون المادة المقدمة للطفل عن طريق المذياع مطبوعة بالعنصرين الانسانى والفردى ، لأنه إذا غلب على المادة الدسامة العلمية ، وإذا ارتفع مستواها فأصبحت معنوية ، فشلت فى جذب انتباه الأطفال .
زد على ذلك أنه وجد أن المادة التى تثير فى التلميذ الخيال البصرى يميل إليها الأطفال ، وكثيرا ما يتذكرونها .
ثالثا - خطة السير فى دروس الاذاعة : أثبتت تجارب شوتل ضرورة وجود مراحل ثلاث فى دروس الإذاعة هى : ( ١ ) مرحلة الاعداد أو المقدمة ؛ فينبغى أن يصرف المدرس قبل الاذاعة بضع دقائق يقدم فيها الموضوع للتلاميذ ويثير شوقهم إليه . ( ٢ ) مرحلة الإصغاء ( ٣ ) مرحلة التعليق ، إذ يجب على المدرس بعد الانتهاء من الاذاعة أن يقوم بمناقشة التلاميذ فيما أذيع ويساعدهم على هضم المادة التى تلقوها ، ويوجههم إلى وضع النقط التى علقت بأذهانهم فى عبارات من تركيبهم .
وقد أثبتت تجاربه أيضا أن أخذ مذكرات أثناء المحاضرة المذاعة ليس من الفائدة بمكان عظيم ؛ وقد تدهش
إذا علمنا أن التجربة أثبتت أن من يستمع فقط ولا يأخذ مذكرات لما يستمع إليه يستفيد أكثر من الذى يدون ما يسمع .
كذلك ثبت أن وسائل الايضاح والكراسات الطبعة ( ملازم الاذاعة ) شئ حيوى جدا ، ويجب أن تستغل إلى أبعد حد .
ويحب أن تكون تعليمات المذيع الخاصة باستخدام وسائل الايضاح واضحة وبسيطة ، ويجب أن يعطى التلاميذ فرصة التنفيذ إذا ما طلب منهم القيام بشىء فى أثناء الاذاعة .
وثبت أن دروس الاذاعة العلمية مفيدة للأطفال الأقل من المستوى العادى فى ذكائهم ، كما هى مفيدة للأطفال العاديين . وهذه الدروس تثير فى أغبياء التلاميذ ميلا نحو النواحى العملية للعمل المدرسى قلما تثيره أى ظروف أخرى .
أما فترة الاذاعة المدرسية المناسبة لاطفال تتراوح سنهم بين ١١ سنة و ١٦ سنة فيجب ألا تزيد على عشرين دقيقة . (له بقية)

