الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 165الرجوع إلى "الثقافة"

البكتريا كسلاح، فى الحروب

Share

قد ينظر الانسان إلى استخدام البكتريا في الحروب نظرة استقطاع ، وقد يظن ان هذا النوع من السلاح أقرب إلي الوحشية والبعد عن الشفقة ، ولكن الواقع ان الحرب لا تعرف شفقة ولا إنسانية ، ولا تراعي الشعور او المبدأ السامي . وقديما كان المصارع يتغلب على خصمه بقوة جسمه ، ثم انتقل الصراع بعد ذلك باستخدام سلاح

هو التراشق بالحجارة . ولا شك أن هذه الوسيلة قوبلت بشئ كبير من الاحتجاج ، ولكن الخصم المهاجم لم يلبث أن بحث عن حجارة حادة تنزل بخصمه أخطر الجراح بعد أن كان محتجا علي استخدامها ، وحدث مثل ذلك أيضا عندما استخدم السيف والقوس ثم المفرقعات والقنابل والغواصات والطائرات ، وأخيرا حرب الغازات وفي كل

مرة يبدأ الخصم باستخدام نوع جديد من السلاح ، يقابل بشيء كثير من الاحتجاج ، ثم لا يلبث الخصم الآخر أن يتفنن في اتقان السلاح الجديد وهكذا ولاشك ان حرب البكتريا ستقابل بمثل هذا الشعور ، فإذا قذف العدو خصمه بملايين الجراثيم ، وإذا عمل على نشر الامراض بين المدنيين ، حتى يعجزوا عن أداء أي عمل من شأنه أن

بفيد المحاربين ، أخذ هذا الهجوم على أنه منتهي ما وصل إليه البشر من الفظاعة والبعد عن التمدن . وقد تنبه العالم إلي احتمال استخدام هذا السلاح ، فبحثه في المؤتمر الدولي المنعقد في جنيف عام ) ١٩٢٣ ( لنزع السلاح ، فقرر منع استخدام البكتريا كسلاح في الحروب . على أن العالم قد بالغ كثيرا في أثر هذا النوع من السلاح ، وأثار عليه حربا هي أقرب إلي حرب الأعصاب منها إلى حرب النار

والحديد ولكي نتبين مدي اثر البكتريا في الحرب وجب علينا ان نعرف شيئا عن البكتريا وخاصة ما يسبب منها المرض

فالبكتريا كائنات دنيئة تنتشر في كل بيئة ، في الأرض والماء والهواء ، على جسم الحيوان والنبات ، بل وفي انسجتها في كثير من الأحيان . ولهذه الكائنات أثر كبير في الحياة ، ولا نبالغ إذا قلنا إن البكتريا عماد الحياة ، فهي التي تحلل الأنسجة الميتة حتى ترجع إلى عناصرها البسيطة ، فتمد التربة بها وتدور العناصر دورتها ولولا ذلك لتكدست

بقايا الكائنات ونفذت الموارد الضرورية لبقائها . والإنسان من مهده إلي لحده يحيطه أسراب من البكتريا كما يحمل عددا منها في جسمه ، والقليل منها بسبب أمراضا فتاكة ، قد زود الانسان بما يدفع عنه ضررها فله من مناعته ومقاومته ما يحفظه سليما معافي

والبكتريا لا تخرج عن دقائق بروتوبلازمية يحيطها جدار رقيق ؛ وهذا التركيب البسيط قد سهل لها القيام بوظائفها المختلفة ، فهذه الوحدة البسيطة تتغذي وتتنفس وتتكاثر ، بلا تخصص ولا تعقيد ، فلا غرابة في ان تسلك الحياة في أي مكان وفي أي بيئة ، فان وجدت ما يلائمها من الظروف نمت وتكاثرت ، وإن لم توافقها بقيت ساكنة حتى يوانيها من الظروف ما يساعدها على الحياة

والبكتريا مكونة من وحدة واحدة هي الخلية ، إن صح ان نعتبرها خلية ، فليس فيها من شكل الخلايا إلا أنها وحدة حية ، ولا تجد لها نواة ولكنها تنقسم . فالبكتريا الواحدة تستدق ثم تختنق ، وإذا بنا نحصل على فردين بدلا من واحدة ، والانقسام هنا انقسام بسيط ، لا تزاوج فيه ؛ فالحرارة المناسبة والرطوبة والهواء والغذاء ينشط هذا التكاثر في البكتريا ؛ أما الحرارة

الشديدة فتقتلها والبرودة توقف نموها . ويمكننا أن نعتبر البكتريا كائنا يعيش إلى ما لانهاية إذا أحيط بالظروف المناسبة ، بحيث يضمن إزالة ما يفرزه من فضلات وليس من السهل ان تزال الفضلات باستمرار ، وهذا عامل مهم يحدد نمو البكتريا

والبكتريا لا قدرة لها على الحركة ، وتعتمد في انتشارها على الهواء والماء ، وعلى ما يقوم بحملها من مختلف الكائنات ؛ على أن لبعضها القدرة على الحركة في الوسط السائل فقط ، وذلك بواسطة أهداب تحيط جسم البكتريا ، على أن هذه حركة محدودة ولا تعدو وسيلة لانتقال البكتريا .

وبعض البكتريا يكون جراثيم ، وتتكون الجرثومة بأن تحاط محتويات الخلية بجدار سميك يحيطه الغشاء الأصلي الذي لا يلبث أن بتلاشي وتبقى الجرثومة بعد ذلك . وتعتبر الجرثومة من أشد الكائنات مقاومة فبعضها لا يتأثر بالغليان لمدة طويلة ، والبعض يقاوم المواد المطهرة ، ومثلها جرثومة التسمم ؛ فهي شديدة المقاومة

ونبقى في أي مكان دون أن تتأثر بأي معقم أو مطهر ، وإذا ما صادفت وسطا مناسبا بدأت نموها مباشرة ، ثم تكأثرت وبدأت إفرازاتها وسمومها ، وبعض البكتريا يكون غلافا جيلاتينيا حول غشاء الخلية ، وهذا الغلاف له قوام غروي يحيط الخلية فلا تتأثر بمعقم أو مطهر

ويكتريا المرض تهاجم الإنسان من طرق مختلفة ، فقد تهاجمه عن طريق الغذاء او الشراب ، مثل التيفود والدوسنطاريا البكتيرية ، وعن طريق التنفس مثل الالتهاب الرئوي ، أو عن طريق الجلد مثل التسمم والإنسان هو الواسطة في نقل هذه الأمراض في الغالب : وقد يتوسط حيوان في نقل المرض كما هو الحال في الطاعون الذي ينتقل من الجرذان إلي الانسان بوساطة البراغيث .

والجلد في الغالب يقي الأنسجة من الجراثيم ، إذ تجد من تركيبه حاجزا متينا ، على أن مناعة الجلد تتوقف على صحة الشخص ؛ فإذا كانت سليمة زادت مقاومته إلى حد كبير ، وإذا ضعفت صحة الشخص تعرض جلده لكثير

من الأمراض كما أن تراكم الافرازات وغيرها علي الجلد يساعد على وجود وسط يساعد على نمو البكتريا وتكاثرها ، ولذا تسهل الإصابة ، أما إذا وجد جرح في الجلد ، فإنه يفتح طريقا يسهل مرور الجراثيم إلى الانسجة الداخلية ، فإذا أريد نشر مرض جلدي ، وجب ضمان عدم النظافة وإحداث الجروح .

وفي حالة الإصابة عن طريق الجهاز التنفسي ، فأنها تكون مبسرة ؛ فالمسالك الهوائية مفتوحة على الدوام ، وجراثيم الأمراض تنتشر في الهواء فتدخل معه إلي الأنف فالبلعوم فالقصبة الهوائية ، ثم إلى الرئتين ؛ وفي كل هذه الأجزاء تجد الجراثيم مرتعا لحضانتها وتكاثرها . ومن الأمراض التي تصيب الانسان عن هذا الطريق البرد والإنقلونزا والاتهاب الرئوي والسعال الديكي والدفتيريا والسل وغير ذلك ، وكلها امراض بكتيرية

وبعض هذه الامراض قليل الخطورة ، والبعض يصيب سنا خاصة مثل الدفتيريا ، على ان الالتهاب الرئوي والسل يصيبان الانسان في أي سن ، والأول تزداد خطورته عند صغار السن والشيوخ . والإصابة بهذه الأمراض تتطلب ظروفا تتغير بتغير الأشخاص ، وهي غير معروفة بالضبط ؛ وما دامت هذه الظروف غير معروفة ، فليس من السهل أن يستخدم مرض الالتهاب الرئوي مثلا كسلاح في الحروب

اشترك في نشرتنا البريدية