الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 130الرجوع إلى "الثقافة"

البلاد العربية، ماضيها القريب وأمانيها

Share

تمتد البلاد العربية التى يتكلم عليها المؤلف فى هذا المقال من الطرف الجنوبي الشرقى لجزيرة العرب إلى ساحل شمال أفريقية الغربية المجاور المحيط الأطلنطى ، وبلغ امتدادها بين هذين الطرفين نحو خمسة آلاف ميل ، وتشمل فى آسيه : جزيرة العرب ، والعراق ، والشام ، وفلسطين ، وشرق الأردن ؛ وفى أفريقية : مصر ، وطرابلس ، وتونس ، والجزائر ، ومراكش . ومساحتها كلها نحو ٣,٣٠٠,٠٠٠ ميل مربع ، أى أكبر من مساحة الولايات المتحدة ، ويزيد سكانها على ٥٠ مليونا .

وفى هذا المقال يصف الكاتب أثر الصلة الحديثة التى نشأت بين الغرب وهذه البلاد العربية ، ويقظة الشعور العربى والقومية العربية . والكاتب من كبار المستشرقين ، وصاحب مؤلفات عدة فى تاريخ العرب وثقافتهم وآدابهم .

نفسية العرب :

تجمع الشعوب العربية كلها ذكريات تاريخية مجيدة ، أهمها دعوة النبى صلى الله عليه وسلم سكان جزيرة العرب بدوها وحضرها إلى دين جديد ، هو دين التوحيد . وقد أنشأ النبى فى عام ٦٢٢ دولة صغيرة لم يكد يمضى على إنشائها ثمانون عاما حتى اكتسحت جيوشها كل البلاد الممتدة من سفوح جبال الأفغان إلى ساحل المحيط الأطلنطى . وكان العرب أينما ذهبوا صهروا الشعوب المغلوبة ونشروا بينها لغتهم ودينهم إلا قليلا منها ، ومن هذا المزيج نشأت أمة عربية كبرى جديدة ؛ فإذا سأل

سائل : إذا من هم العرب ؛ لم يكن لسؤاله إلا جواب واحد صحيح أو قريب من الصحة من الوجهة التاريخية . وذلك الجواب هو : (( إن العرب هم كل أولئك الذين يدور تاريخهم حول رسالة النبى وذكريات الدولة العربية ، والذين يعتزون فوق ذلك باللسان العربى وثرائه الثقافى المشترك بينهم جميعا )) ، أولئك هم العرب وإن خالف ذلك رأى علماء الأجناس البشرية .

وقد ظل العرب بعد زوال مجدهم القديم إلى أوائل القرن التاسع عشر يعيشون على هذا التراث الثقافى الإسلامى ، لا يعرفون إلا قليلا عن تطور أوربة السياسى والاقتصادى ، ويظنون (( الفرنجة )) أقواما من الكفرة نزل السلطان لهم عن مزايا تجارية فى بعض مدائنهم . ثم تفتحت عيونهم فاذا بهم يرون أوربة تتدخل فى أمورهم تدخلا أذهلهم وأقلق بالهم ، ورأوا هؤلاء الفرنجة يحيطون بالبلاد العربية من الشرق ومن الغرب ، ويملون إرادتهم على سلاطينهم وأفيالهم وزعمائهم ، ووجدوا جيوش الفرنجة تتدخل فى حروبهم ، وقناصلهم وتجارهم ومستعمريهم يتدخلون فى شئونهم العامة وحياتهم الاقتصادية .

ولم يشهد القرن التاسع عشر من وجهة نظر العرب إلا تدخلا متزايدا من جانب الأوربيين فى شئون العرب ، وتقلقلا متزايدا فى نظامهم القديم وجهودا يبذلها المثقفون منهم فى الكشف عن سر نجاح أوربة وأسباب ضعف العرب ؛ وكان أشد ما آتهم فى أثناء ذلك أن يروا أولئك الأوربيين يحتقرونهم ويحتقرون كل ما يتصل بهم ، وهم أولئك الذين يرون فى الإسلام خير ما أوحى إلى العالم وأصدقه ، ويرون أنفسهم خير أمة أخرجت للناس .

وكانت هذه النظرة المؤلة التى تجرح عواطفهم وتؤذي كرامتهم هى التى أثارت النزاع فيما بين العرب والأوربيين أكثر مما أثارته الانقلابات السياسية والاقتصادية فى بلادهم .

ولأح أول الأمر أن سيل الغرب الجارف سوف يكتسح كل ما أمامه . وكانت كثرة العرب لا تشعر إلا قليلا بالانقلابات التى كانت تحدث من حولها ، ولكن أجيالا جديدة تخرجت فى المدارس التى تديرها الهيئات الغربية أو التى نظمت على الغرار الأوربى ، وخرجت إلى حياة عامة نظمها ومثلها العليا مستعارة كلها أو جلها من الغرب . وأكثر من هذا وذاك أن صحافة جديدة قد نشأت فى البلاد العربية . وبثت هذه الأفكار الجديدة فى طول البلاد وعرضها ؛ فنشأت من ذلك ومن الاتصال المستمر بالغرب عقلية جديدة لا تأتلف مع النظام الاجتماعى والدينى القديم . ولم تخل سير هذه النظم الجديدة من عيوب . ومع أن هذه النظم كانت بعيدة كل البعد عن الكمال المرجو ، وخاصة فى البلاد التى كانت تحكمها اسطنبول ، فان الرجوع إلى النظم القديمة فى الأمور السياسية على الأقل أصبح غير مستطاع .

لكن هذا الغزو الأوربى لبلاد الإسلام كان فى الشئون الروحية العميقة مثارا لنزاع من نوع آخر أخذ يتزايد جيلا بعد جبل . ذلك أن الغرب قد فتح ميادين جديدة أمام الشبان وأولى النشاط والطموح ، وكل من يعتد بنفسه أو يعمل للاصلاح والتجديد ، غير أن نزق الشبان وقلة خبرتهم ، وما كان يظهر بعضهم من عداء أو احتقار للنظم القديمة ، قد أغضبت طائفة أخرى كبيرة سرى فى نفوسها خوف حقيقى مما عسى أن تنتجه النظم والأفكار الغربية من آثار اجتماعية وعقلية لا تلائم البلاد العربية . وقد نجح هذا الخوف حتى الآن فى منع تيار الغرب الجارف من أن يكتسح كل النظم العربية القديمة اكتساحا تاما . غير أن النزاع لا يزال قائما بين النزعتين العقليتين : النزعة الغربية الحديثة ، والنزعة الاسلامية العربية القديمة . وهذا النزاع يؤثر تأثيرا قويا فى حياة الشعوب العربية . وليس ثمة ما يدل على أنه قد خبت

ناره . ولكن مهما يكن من أمر هذا النزاع فان شيئا واحدا لا تنكره كلتا الطائفتين ، ذلك أن الاتصال والغرب أيقظ العرب من سباتهم الذى لازمهم طوال العصور الوسطى ، فعاد إليهم شعورهم بقوميتهم واهتدادهم بأنفسهم ، ونما هذا الشعور نموا بطيئا أول الأمر ثم أخذ يقوى ويتسع مداه ، ويوحى إليهم بما يبذلونه من جهود ، لكيلا يستسلموا إلى قوى الغرب الروحية والمادية .

البدو والحضر :

كان العرب ولا يزالون منقسمين إلى قسمين : بدو وحضر ، وإلى طائفة ثالثة تشتغل بالزراعة بين البداوة والاستقرار . وكان أهل المدن فى كل الأوقات هم اللذين يصرفون أقدار العرب السياسية ويحملون لواء الثقافة العربية .

لكن البدو كانوا على الدوام معينا لاينضب ، يستمد منه ذوو المهارة والفطنة من الزعماء قوى جديدة يستعينون بها كلما ضعفت قوى أهل الحواضر وخارت عزائمهم . لكنهم إذا تركوا وشأنهم كانوا عنصرا من عناصر الدمار ، يهددون أهل الحواضر فى أمنهم وثقافتهم ؛ فكانت الجماعات المستقرة والحالة هذه أشبه بواحة من المدنية لا تنفك تقاوم ضغط البدو عليها وتسربهم فى داخلها ، فتفلح فى ردهم أحيانا ، ويطغون عليها أحيانا أخرى .

وفى وسعنا أن نقول بوجه عام إن البدو ظلوا إلى أوائل القرن التاسع عشر هم الغالبين ، يغيرون على الحواضر ، ويفلحون أحيانا فى تدمير ما فيها من آثار الحضارة خارج المدن المسورة ، فيضعفون قواها الاقتصادية ويفقرون حياتها الزراعية .

ثم تبدلت الحال فى القرن التاسع عشر حين أنشأ محمد على فى مصر حكومة مركزية قوية ، قطعت أوصال جماعات البدو شبه المستقلة فى حوض النيل ، وقضت على دولة

الوهابيين ؛ واضطلعت الدولة للعثمانية بهذا العبء فيما بعد حين نظمت جيوشها على النمط الأوربى . وكان فى الحقيقة عبئا ثقيلا يستطيع الانسان أن يدرك ثقلة إذا عرف مقدار الجهود والضحايا التى بذلتها فرنسا - وهى أكثر من تركيا قوة وأحسن نظاما - فى تهدئة إقليم الجزائر والاستيطان فيه بعد أن احتلته فى عام ١٨٣٠ .

على أن خطر البداوة على الحضر لم تؤمن مغبته إلا بعد الحرب الكبرى الماضية .

وقبل أن تنتقل إلى الكلام على كل صقع من الأصقاع العربية بمفرده ، نقول إنها كلها تشترك فى بعض الأمور الهامة : أولها ذلك الأمر الغريب الذى يعد فى حقيقته من المتناقضات ، وهو أنها كلها وارثة لمدنية راقية غنية بتقاليدها الروحية وثقافتها العقلية ، ولكنها كلها لم يمض على خروجها مما كانت فيه من ضعف سياسى واقتصادى بل وخلفى إلا وقت قصير ، وكلها تواجه مشكلة من أصعب المشكلات وهى : كيف تنشئ من جديد مجتمعا ثابتا قوى الدعائم ؟ .

وثمة ظاهرة أخرى تشترك فيها البلاد العربية كلها ، وقد كانت لها آثار اجتماعية وسياسية هامة ، ومنشؤها سياسة التسامح التى جرى عليها المسلمون فى أثناء فتوحهم الأولى ، وقد أدى ذلك التسامح إلى بقاء أقليات جنسية ودينية فى البلاد العربية . وزاد الأمور تعقيدا ما نشأ فى البلاد العربية نفسها على مر الزمن من انقسامات تتصل أسبابها اتصالا وثيقا بالأسس التاريخية التى قامت عليها الحركة العربية ، وهى من أجل هذا عقبة فى سبيل الجهود التى تبذل فى سبيل لم شعث العرب وإزالة الشحناء من بينهم . ولا يتسع المقام لتفصيل أسباب هذه الانقسامات ، وحسبنا أن تذكرها ليعرف القارئ أهميتها . ففى العراق شيعة وسنيون وأ كراد وعرب ، وفى الشام دروز

وإسماعيلية ؛ ولكل طائفة من هؤلاء خصائصها وتقاليدها . وفى جزيرة العرب نفسها بقية من الخوارج ، وفيها الوهابيون ، وفى بعض البلاد الاسلامية أقليات أخرى مسيحية ويهودية . ولهذه الفروق الدينية والمذهبية والجنسية أثرها فى المشكلات السياسية والاجتماعية التى تواجه البلاد العربية فى الوقت الحاضر . نعم إن فى هذه البلاد شعورا حقيقيا موحدا نحو المسائل السياسية الخارجية ، ولكن هذا الشعور الموحد لا يكون له إلا أثر ثانوى غير قوى فى المسائل الداخلية . وقد تكون الاختلافات الدينية فى هذه الحال أقل شأنا من التقاليد الموروثة ، والعادات التى تمتاز بها كل فئة من هذه الفئات المختلفة ؛ وحسبنا هذا عن البلاد العربية بوجه عام . ولنقل بعد ذلك كلمة عن كل بلد من هذه البلاد على حدة :

مصر :

لمصر فى أسرة البلاد العربية مكانة الأخ الأكبر . وأهلها لا يقلون كثيرا من حيث عددهم عن سكان البلاد الآخرى مجتمعين . وقد فاقت سائر أخوانها فى رقيها الاقتصادى والاجتماعى والثقافى ، مع أنها لم تكن فى أول القرن التاسع عشر إلا بلدا مضطربا فقيرا لا يزيد سكانه على ثلاثة ملايين . وأهم العوامل التى ساعدت على هذا الرقي سبقها إلى الاستقلال فى شئونها الداخلية عن الدولة العثمانية ، واستعانتها برءوس الأموال الأوربية والنشاط الأوربى فى استثمار مواردها . ولم تعن مصر - إلا أخيرا - باستثمار مواردها المعدنية والزراعية فى الصناعة . وسيكون هذا المورد الجديد من موارد الثروة أكبر ما تعتمد عليه فى المستقبل لحل مشكلة سكانها المتزايدين . وهنا لابد أن نشير إلى مشكلة أخرى سيكون لها شأن أيما شأن فى المستقبل ؛ تلك هى مشكلة رءوس الأموال الأجنبية . لقد كانت

هذه الأموال عماد رقى مصر الاقتصادى فى العهد الأخير ، ولكنها قد اقترن بها فى عقول المصريين وغيرهم من أهل البلاد العربية معنى مشئوم ، ولذلك صاروا ينتظرون من الحكومة أن تدبر هى رءوس الأموال اللازمة الحفى فى هذا الرقى الصناعى . وقد تفلح الحكومة فى ذلك إلى حد ما ، وقد تجد الصناعة بعض حاجتها فى رءوس الأموال المصرية كما وجدته فى العهد الأخير ؛ لكن رقى البلاد فى المستقبل لابد أن يتأثر بوجود التعاون الغربى أو عدم وجوده فى المسائل الاقتصادية الكبرى .

ولم يكن رقى مصر العلمى بأقل من رقيها المادى ؛ وقد سار هذا الرقى أيضا على نفس الخطة السالفة الذكر ، فلم تقطع مصر صلتها بماضيها الثقافى ، بل بنت على أساسه وعدلته بما ادخلت عليه من الآراء والنظم الأوربية . وسرعان ما أصبحت مصر زعيمة العالم العربى غير منازعة فيه ، سواء كان ذلك فى الثقافة الاسلامية القديمة ، أو فى الثقافة الأدبية والعلمية الحديثة . وقد احتفظت بهذه الزعامة وزاد استمساكها بها بعد عام ١٩١٨ ، وكان من أكبر دعائمها صحافها العربية الواسعة الانتشار فى جميع البلاد العربية والاسلامية .

وقد كان من آثار هذا الرقى المستمر واعتمادها المتزايد على نفسها أن قويت فيها الروح القومية بين المصريين ، وتوحدت صفوفهم أمام كل ضغط خارجى ، وإن اختلفوا فيما بينهم فى الشئون الداخلية .

وقد بدأت حركتهم الوطنية منذ عام ١٨٧٨ ، وما زالت تقوى حتى تغلبت على المقاومة البريطانية فى عام ١٩٢٢ ، وانتهى الآمر بتسوية النزاع القائم بين الدولتين بمعاهدة التحالف التى عقدت فى عام ١٩٣٦ .

ومجمل القول أن رقى مصر قد قام على عوامل ثلاثة هى : تجديد قواها الاقتصادية تجديدا مستمرا بمساعدة رءوس الأموال الأجنبية ، وتسامحها الكبير فى شئون التربية

والثقافة الذهنية تسامحا كان من آثارها أن نشأت طبقة وسطى مستنيرة متعلمة . والعامل الثالث هو نمو الروح الوطنية فى جميع أهلها على اختلاف طبقاتها . وجدير بنا أن نلاحظ هنا أن مصر كانت تمتاز من هذه الناحية على غيرها من البلاد العربية ؛ فقد بدأت تقدمها وهى وحدة متجانسة من النواحى الطبيعية والثقافية والاقتصادية . نعم إن فيها أقلية صغيرة من الأقباط المسيحيين ، ولكن لا شك فى أن الأقباط والمسلمين متحدون فى المصالح والأغراض وأن الاحتكاك بينهم ضئيل لا يستحق الذكر ، وأن وحدة الأمة فى الحقيقة لا تقبل الانفصام .

على أن هذه الميزات التى تتمتع بها مصر ، وهى وحدتها وكفايتها الذاتية ، ونهضتها الأدبية والمادية ، كل هذه قد أوجدت فيها نزعة تختلف كثيرا عن نزعة غيرها من البلاد العربية .

ذلك أن أكبر ما يهتم به المصريون هو شئون مصر نفسها ؛ فهم ينظرون إليها على أنها وحدة مستقلة منفصلة عن سائر البلاد العربية ، وإن كانوا لا ينكرون ما بينها وبين هذه البلاد من صلات القرابة التى تبعث فيهم الاهتمام بما يصيب هذه البلاد من خير أو شر ؛ وفى المصريين طائفة كبيرة تهتم بإحياء مصر وإعادة مجدها أكثر مما تهتم بذكريات الدولة العربية ، وترى مجد مسيس لا يقل شأنا عن مجد العرب القديم ؛ فهما فى نظرهم عنصران متساويان على الأقل فى تراث مصر القديم .

وقد تعدل هذه النزعة تعديلا كبيرا فى أثناء الصراع العالى القائم فى هذا الوقت . ومهما تكن نتيجة هذا التعديل فان العلاقة التى ستنشأ بين القومية المصرية والقومية العربية ستكون من العوامل الحاسمة فى مستقبل الشرق الأدنى والشرق الأوسط .

اشترك في نشرتنا البريدية