تمتد البلاد العربية التى يتكلم عليها المؤلف فى هذا المقال من الطرف الجنوبي الشرقى لجزيرة العرب إلى ساحل شمال أفريقية الغربية المجاور المحيط الأطلنطى ، وبلغ امتدادها بين هذين الطرفين نحو خمسة آلاف ميل ، وتشمل فى آسيه : جزيرة العرب ، والعراق ، والشام ، وفلسطين ، وشرق الأردن ؛ وفى أفريقية : مصر ، وطرابلس ، وتونس ، والجزائر ، ومراكش . ومساحتها كلها نحو ٣,٣٠٠,٠٠٠ ميل مربع ، أى أكبر من مساحة الولايات المتحدة ، ويزيد سكانها على ٥٠ مليونا .
وفى هذا المقال يصف الكاتب أثر الصلة الحديثة التى نشأت بين الغرب وهذه البلاد العربية ، ويقظة الشعور العربى والقومية العربية . والكاتب من كبار المستشرقين ، وصاحب مؤلفات عدة فى تاريخ العرب وثقافتهم وآدابهم .
نفسية العرب :
تجمع الشعوب العربية كلها ذكريات تاريخية مجيدة ، أهمها دعوة النبى صلى الله عليه وسلم سكان جزيرة العرب بدوها وحضرها إلى دين جديد ، هو دين التوحيد . وقد أنشأ النبى فى عام ٦٢٢ دولة صغيرة لم يكد يمضى على إنشائها ثمانون عاما حتى اكتسحت جيوشها كل البلاد الممتدة من سفوح جبال الأفغان إلى ساحل المحيط الأطلنطى . وكان العرب أينما ذهبوا صهروا الشعوب المغلوبة ونشروا بينها لغتهم ودينهم إلا قليلا منها ، ومن هذا المزيج نشأت أمة عربية كبرى جديدة ؛ فإذا سأل
سائل : إذا من هم العرب ؛ لم يكن لسؤاله إلا جواب واحد صحيح أو قريب من الصحة من الوجهة التاريخية . وذلك الجواب هو : (( إن العرب هم كل أولئك الذين يدور تاريخهم حول رسالة النبى وذكريات الدولة العربية ، والذين يعتزون فوق ذلك باللسان العربى وثرائه الثقافى المشترك بينهم جميعا )) ، أولئك هم العرب وإن خالف ذلك رأى علماء الأجناس البشرية .
وقد ظل العرب بعد زوال مجدهم القديم إلى أوائل القرن التاسع عشر يعيشون على هذا التراث الثقافى الإسلامى ، لا يعرفون إلا قليلا عن تطور أوربة السياسى والاقتصادى ، ويظنون (( الفرنجة )) أقواما من الكفرة نزل السلطان لهم عن مزايا تجارية فى بعض مدائنهم . ثم تفتحت عيونهم فاذا بهم يرون أوربة تتدخل فى أمورهم تدخلا أذهلهم وأقلق بالهم ، ورأوا هؤلاء الفرنجة يحيطون بالبلاد العربية من الشرق ومن الغرب ، ويملون إرادتهم على سلاطينهم وأفيالهم وزعمائهم ، ووجدوا جيوش الفرنجة تتدخل فى حروبهم ، وقناصلهم وتجارهم ومستعمريهم يتدخلون فى شئونهم العامة وحياتهم الاقتصادية .
ولم يشهد القرن التاسع عشر من وجهة نظر العرب إلا تدخلا متزايدا من جانب الأوربيين فى شئون العرب ، وتقلقلا متزايدا فى نظامهم القديم وجهودا يبذلها المثقفون منهم فى الكشف عن سر نجاح أوربة وأسباب ضعف العرب ؛ وكان أشد ما آتهم فى أثناء ذلك أن يروا أولئك الأوربيين يحتقرونهم ويحتقرون كل ما يتصل بهم ، وهم أولئك الذين يرون فى الإسلام خير ما أوحى إلى العالم وأصدقه ، ويرون أنفسهم خير أمة أخرجت للناس .
وكانت هذه النظرة المؤلة التى تجرح عواطفهم وتؤذي كرامتهم هى التى أثارت النزاع فيما بين العرب والأوربيين أكثر مما أثارته الانقلابات السياسية والاقتصادية فى بلادهم .
ولأح أول الأمر أن سيل الغرب الجارف سوف يكتسح كل ما أمامه . وكانت كثرة العرب لا تشعر إلا قليلا بالانقلابات التى كانت تحدث من حولها ، ولكن أجيالا جديدة تخرجت فى المدارس التى تديرها الهيئات الغربية أو التى نظمت على الغرار الأوربى ، وخرجت إلى حياة عامة نظمها ومثلها العليا مستعارة كلها أو جلها من الغرب . وأكثر من هذا وذاك أن صحافة جديدة قد نشأت فى البلاد العربية . وبثت هذه الأفكار الجديدة فى طول البلاد وعرضها ؛ فنشأت من ذلك ومن الاتصال المستمر بالغرب عقلية جديدة لا تأتلف مع النظام الاجتماعى والدينى القديم . ولم تخل سير هذه النظم الجديدة من عيوب . ومع أن هذه النظم كانت بعيدة كل البعد عن الكمال المرجو ، وخاصة فى البلاد التى كانت تحكمها اسطنبول ، فان الرجوع إلى النظم القديمة فى الأمور السياسية على الأقل أصبح غير مستطاع .
لكن هذا الغزو الأوربى لبلاد الإسلام كان فى الشئون الروحية العميقة مثارا لنزاع من نوع آخر أخذ يتزايد جيلا بعد جبل . ذلك أن الغرب قد فتح ميادين جديدة أمام الشبان وأولى النشاط والطموح ، وكل من يعتد بنفسه أو يعمل للاصلاح والتجديد ، غير أن نزق الشبان وقلة خبرتهم ، وما كان يظهر بعضهم من عداء أو احتقار للنظم القديمة ، قد أغضبت طائفة أخرى كبيرة سرى فى نفوسها خوف حقيقى مما عسى أن تنتجه النظم والأفكار الغربية من آثار اجتماعية وعقلية لا تلائم البلاد العربية . وقد نجح هذا الخوف حتى الآن فى منع تيار الغرب الجارف من أن يكتسح كل النظم العربية القديمة اكتساحا تاما . غير أن النزاع لا يزال قائما بين النزعتين العقليتين : النزعة الغربية الحديثة ، والنزعة الاسلامية العربية القديمة . وهذا النزاع يؤثر تأثيرا قويا فى حياة الشعوب العربية . وليس ثمة ما يدل على أنه قد خبت
ناره . ولكن مهما يكن من أمر هذا النزاع فان شيئا واحدا لا تنكره كلتا الطائفتين ، ذلك أن الاتصال والغرب أيقظ العرب من سباتهم الذى لازمهم طوال العصور الوسطى ، فعاد إليهم شعورهم بقوميتهم واهتدادهم بأنفسهم ، ونما هذا الشعور نموا بطيئا أول الأمر ثم أخذ يقوى ويتسع مداه ، ويوحى إليهم بما يبذلونه من جهود ، لكيلا يستسلموا إلى قوى الغرب الروحية والمادية .
البدو والحضر :
كان العرب ولا يزالون منقسمين إلى قسمين : بدو وحضر ، وإلى طائفة ثالثة تشتغل بالزراعة بين البداوة والاستقرار . وكان أهل المدن فى كل الأوقات هم اللذين يصرفون أقدار العرب السياسية ويحملون لواء الثقافة العربية .
لكن البدو كانوا على الدوام معينا لاينضب ، يستمد منه ذوو المهارة والفطنة من الزعماء قوى جديدة يستعينون بها كلما ضعفت قوى أهل الحواضر وخارت عزائمهم . لكنهم إذا تركوا وشأنهم كانوا عنصرا من عناصر الدمار ، يهددون أهل الحواضر فى أمنهم وثقافتهم ؛ فكانت الجماعات المستقرة والحالة هذه أشبه بواحة من المدنية لا تنفك تقاوم ضغط البدو عليها وتسربهم فى داخلها ، فتفلح فى ردهم أحيانا ، ويطغون عليها أحيانا أخرى .
وفى وسعنا أن نقول بوجه عام إن البدو ظلوا إلى أوائل القرن التاسع عشر هم الغالبين ، يغيرون على الحواضر ، ويفلحون أحيانا فى تدمير ما فيها من آثار الحضارة خارج المدن المسورة ، فيضعفون قواها الاقتصادية ويفقرون حياتها الزراعية .
ثم تبدلت الحال فى القرن التاسع عشر حين أنشأ محمد على فى مصر حكومة مركزية قوية ، قطعت أوصال جماعات البدو شبه المستقلة فى حوض النيل ، وقضت على دولة
الوهابيين ؛ واضطلعت الدولة للعثمانية بهذا العبء فيما بعد حين نظمت جيوشها على النمط الأوربى . وكان فى الحقيقة عبئا ثقيلا يستطيع الانسان أن يدرك ثقلة إذا عرف مقدار الجهود والضحايا التى بذلتها فرنسا - وهى أكثر من تركيا قوة وأحسن نظاما - فى تهدئة إقليم الجزائر والاستيطان فيه بعد أن احتلته فى عام ١٨٣٠ .
على أن خطر البداوة على الحضر لم تؤمن مغبته إلا بعد الحرب الكبرى الماضية .
وقبل أن تنتقل إلى الكلام على كل صقع من الأصقاع العربية بمفرده ، نقول إنها كلها تشترك فى بعض الأمور الهامة : أولها ذلك الأمر الغريب الذى يعد فى حقيقته من المتناقضات ، وهو أنها كلها وارثة لمدنية راقية غنية بتقاليدها الروحية وثقافتها العقلية ، ولكنها كلها لم يمض على خروجها مما كانت فيه من ضعف سياسى واقتصادى بل وخلفى إلا وقت قصير ، وكلها تواجه مشكلة من أصعب المشكلات وهى : كيف تنشئ من جديد مجتمعا ثابتا قوى الدعائم ؟ .
وثمة ظاهرة أخرى تشترك فيها البلاد العربية كلها ، وقد كانت لها آثار اجتماعية وسياسية هامة ، ومنشؤها سياسة التسامح التى جرى عليها المسلمون فى أثناء فتوحهم الأولى ، وقد أدى ذلك التسامح إلى بقاء أقليات جنسية ودينية فى البلاد العربية . وزاد الأمور تعقيدا ما نشأ فى البلاد العربية نفسها على مر الزمن من انقسامات تتصل أسبابها اتصالا وثيقا بالأسس التاريخية التى قامت عليها الحركة العربية ، وهى من أجل هذا عقبة فى سبيل الجهود التى تبذل فى سبيل لم شعث العرب وإزالة الشحناء من بينهم . ولا يتسع المقام لتفصيل أسباب هذه الانقسامات ، وحسبنا أن تذكرها ليعرف القارئ أهميتها . ففى العراق شيعة وسنيون وأ كراد وعرب ، وفى الشام دروز
وإسماعيلية ؛ ولكل طائفة من هؤلاء خصائصها وتقاليدها . وفى جزيرة العرب نفسها بقية من الخوارج ، وفيها الوهابيون ، وفى بعض البلاد الاسلامية أقليات أخرى مسيحية ويهودية . ولهذه الفروق الدينية والمذهبية والجنسية أثرها فى المشكلات السياسية والاجتماعية التى تواجه البلاد العربية فى الوقت الحاضر . نعم إن فى هذه البلاد شعورا حقيقيا موحدا نحو المسائل السياسية الخارجية ، ولكن هذا الشعور الموحد لا يكون له إلا أثر ثانوى غير قوى فى المسائل الداخلية . وقد تكون الاختلافات الدينية فى هذه الحال أقل شأنا من التقاليد الموروثة ، والعادات التى تمتاز بها كل فئة من هذه الفئات المختلفة ؛ وحسبنا هذا عن البلاد العربية بوجه عام . ولنقل بعد ذلك كلمة عن كل بلد من هذه البلاد على حدة :
مصر :
لمصر فى أسرة البلاد العربية مكانة الأخ الأكبر . وأهلها لا يقلون كثيرا من حيث عددهم عن سكان البلاد الآخرى مجتمعين . وقد فاقت سائر أخوانها فى رقيها الاقتصادى والاجتماعى والثقافى ، مع أنها لم تكن فى أول القرن التاسع عشر إلا بلدا مضطربا فقيرا لا يزيد سكانه على ثلاثة ملايين . وأهم العوامل التى ساعدت على هذا الرقي سبقها إلى الاستقلال فى شئونها الداخلية عن الدولة العثمانية ، واستعانتها برءوس الأموال الأوربية والنشاط الأوربى فى استثمار مواردها . ولم تعن مصر - إلا أخيرا - باستثمار مواردها المعدنية والزراعية فى الصناعة . وسيكون هذا المورد الجديد من موارد الثروة أكبر ما تعتمد عليه فى المستقبل لحل مشكلة سكانها المتزايدين . وهنا لابد أن نشير إلى مشكلة أخرى سيكون لها شأن أيما شأن فى المستقبل ؛ تلك هى مشكلة رءوس الأموال الأجنبية . لقد كانت
هذه الأموال عماد رقى مصر الاقتصادى فى العهد الأخير ، ولكنها قد اقترن بها فى عقول المصريين وغيرهم من أهل البلاد العربية معنى مشئوم ، ولذلك صاروا ينتظرون من الحكومة أن تدبر هى رءوس الأموال اللازمة الحفى فى هذا الرقى الصناعى . وقد تفلح الحكومة فى ذلك إلى حد ما ، وقد تجد الصناعة بعض حاجتها فى رءوس الأموال المصرية كما وجدته فى العهد الأخير ؛ لكن رقى البلاد فى المستقبل لابد أن يتأثر بوجود التعاون الغربى أو عدم وجوده فى المسائل الاقتصادية الكبرى .
ولم يكن رقى مصر العلمى بأقل من رقيها المادى ؛ وقد سار هذا الرقى أيضا على نفس الخطة السالفة الذكر ، فلم تقطع مصر صلتها بماضيها الثقافى ، بل بنت على أساسه وعدلته بما ادخلت عليه من الآراء والنظم الأوربية . وسرعان ما أصبحت مصر زعيمة العالم العربى غير منازعة فيه ، سواء كان ذلك فى الثقافة الاسلامية القديمة ، أو فى الثقافة الأدبية والعلمية الحديثة . وقد احتفظت بهذه الزعامة وزاد استمساكها بها بعد عام ١٩١٨ ، وكان من أكبر دعائمها صحافها العربية الواسعة الانتشار فى جميع البلاد العربية والاسلامية .
وقد كان من آثار هذا الرقى المستمر واعتمادها المتزايد على نفسها أن قويت فيها الروح القومية بين المصريين ، وتوحدت صفوفهم أمام كل ضغط خارجى ، وإن اختلفوا فيما بينهم فى الشئون الداخلية .
وقد بدأت حركتهم الوطنية منذ عام ١٨٧٨ ، وما زالت تقوى حتى تغلبت على المقاومة البريطانية فى عام ١٩٢٢ ، وانتهى الآمر بتسوية النزاع القائم بين الدولتين بمعاهدة التحالف التى عقدت فى عام ١٩٣٦ .
ومجمل القول أن رقى مصر قد قام على عوامل ثلاثة هى : تجديد قواها الاقتصادية تجديدا مستمرا بمساعدة رءوس الأموال الأجنبية ، وتسامحها الكبير فى شئون التربية
والثقافة الذهنية تسامحا كان من آثارها أن نشأت طبقة وسطى مستنيرة متعلمة . والعامل الثالث هو نمو الروح الوطنية فى جميع أهلها على اختلاف طبقاتها . وجدير بنا أن نلاحظ هنا أن مصر كانت تمتاز من هذه الناحية على غيرها من البلاد العربية ؛ فقد بدأت تقدمها وهى وحدة متجانسة من النواحى الطبيعية والثقافية والاقتصادية . نعم إن فيها أقلية صغيرة من الأقباط المسيحيين ، ولكن لا شك فى أن الأقباط والمسلمين متحدون فى المصالح والأغراض وأن الاحتكاك بينهم ضئيل لا يستحق الذكر ، وأن وحدة الأمة فى الحقيقة لا تقبل الانفصام .
على أن هذه الميزات التى تتمتع بها مصر ، وهى وحدتها وكفايتها الذاتية ، ونهضتها الأدبية والمادية ، كل هذه قد أوجدت فيها نزعة تختلف كثيرا عن نزعة غيرها من البلاد العربية .
ذلك أن أكبر ما يهتم به المصريون هو شئون مصر نفسها ؛ فهم ينظرون إليها على أنها وحدة مستقلة منفصلة عن سائر البلاد العربية ، وإن كانوا لا ينكرون ما بينها وبين هذه البلاد من صلات القرابة التى تبعث فيهم الاهتمام بما يصيب هذه البلاد من خير أو شر ؛ وفى المصريين طائفة كبيرة تهتم بإحياء مصر وإعادة مجدها أكثر مما تهتم بذكريات الدولة العربية ، وترى مجد مسيس لا يقل شأنا عن مجد العرب القديم ؛ فهما فى نظرهم عنصران متساويان على الأقل فى تراث مصر القديم .
وقد تعدل هذه النزعة تعديلا كبيرا فى أثناء الصراع العالى القائم فى هذا الوقت . ومهما تكن نتيجة هذا التعديل فان العلاقة التى ستنشأ بين القومية المصرية والقومية العربية ستكون من العوامل الحاسمة فى مستقبل الشرق الأدنى والشرق الأوسط .

