الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 316الرجوع إلى "الرسالة"

التاريخ فى سير أبطالة, أحمد عرابي

Share

أما آن للتاريخ أن ينصف هذا المصرى الفلاح وأن يحدد له مكانه بين قواد حركتنا القومية ؟

اختلفت الآراء في هذه المؤامرة الجركسية من حيث تدبيرها ومن هذه الآراء ما يذكره مستر بلنت في كتابه حيث يعزوها إلى الخديو إسماعيل، الذى وكل بها رجلاً عرف بعداوته القاسية للحركة الوطنية ووجوهها يدعى راتي باشا . وكان إسماعيل يطمع أن يصل بهذه المؤامرة إلى العودة إلى عرشه للقضاء على القلاقل والفتن المزعومة التي عجز توفيق عن القضاء عليها كل العجز ؛ وكان يعنى نفسه بأن توافق انجلترة على ذلك متقنع تركيا به أو تجبرها عليه

ويؤكد مستر بلنت هذا الرأى قائلاً إنه عرفه من جملة مصادر منها إبراهيم بك المويلحي سكرتير إسماعيل ؛ ولقد أيد الشيخ محمد عبده هذا الرأى بما جاء في خطابه إلى بلنت عن هذه المؤامرة

قال : « هذا ، وبخصوص المؤامرة الجركسية لاغتيال عرابي أخبركم أنها ليست بذات خطر فإن الخديو إسماعيل قد مضت عليه مدة طويلة وهو يضع الألغام لكي يدمر حكومتنا وهو يعتقد أن هذا السمل ترجعه إلى مصر )

ولقد بدأت المؤامرة بتذمر الضباط الجراكسة في الجيش مما اتخذه وزير الحربية الجديد أحمد عرابي باشا من إجراءات الترقية ، زاعمين أنها إجراءات ظالمة تنطوى على الكيد لهم والانتقام منهم ، لا عن جريرة ارتكبوها ، ولكن لأنهم ليسوا مصریين

والذى يقف على أساليب السياسة الإنجليزية الماكرة في تفكير كل جو ترى مصلحتها في تفكيره لا يستبعد أن يكون للانجليز الذين كانوا يقيمون في مصر يومئذ أثر كبير في الإيحاء إلى هؤلاء الجراكسة بهذه الآراء لكى تشيع فيهم الفتنة ثم تجاوزهم إلى المصريين فلا تصيب الذين ظلموا خاصة

ومما يجعلنا تميل إلى الاعتقاد فى صحة هذا الذى نقول فضلاً عما نشير إليه من سوابق السياسة الإنجليزية مارى به الوزارة الوطنية الإنجليز على ألسنة سحقهم ومندوبيهم في مصر من الهم وبخاصة ما ذكروه من الإفك حول الجيش وسيطرته على كل شيء والواقع أنه لم يكن فيها فعل عرابي إلا ما يقتضيه تطبيق القوانين العسكرية الجديدة التى وافقت الحكومة السالفة عليها ، فإن تلك القوانين تنص على وجوب إحالة المرضى والذين بلغوا سناً معينة على الاستيداع . ولقد دافعت الوزارة عن عملها بهذا ولكن الخراصين المناوئين لم يحملوا هذا العمل إلا على الكيد والانتقام ...

وإذا نحن جارينا هؤلاء الكائدين لمصر وحركتها فيما زعموه من أن الوزارة متهمة فلا تصدق فيها تقول دفاعاً عن عملها ، فإن فيما كتبه الشيخ محمد عبده إلى صديقه مستر بلنت في خطابه السالف ذكره لأقوى دليل على براءة عرابي والوزارة السامية مما اتهمت به ، وذلك لأن الإمام رحمه الله كان رجل صدق وفطنة فلا يقول إلا ما يعتقده عن تحر وتمحيص قال : لا أما عن ترقية الموظفين التي تلغط فيها الصحف الأوربية فاسمحوا لي بأن أوضح الحقائق فأقول : أولاً إن هذه الترقيات لم تعمل بناء على أمر

عرابي باشا وحده ، ولم تكن بمثابة الرشوة للضباط لاكتساب عطفهم نحو عرابى . كلا فالواقع أن هذه الترقيات عملت بنـــاء على القانون الحربى الجديد الذي يأمر بإحالة الضباط الذين يبلغون سناً معينة أو يمرضون ويصابون بعاهة على المعاش ؛ وقد نفذ هذا القانون فى عهد شريف باشا ، وأحيل على المعاش ثمانية و خمسون وخمسمائة ضابط ثم أرسل ستة وتسعون إلى حدود الحبشة وزيلع وأماكن أخرى ، بينها قد أخرج من الجيش نحو مائة ضابط توظفوا في الوظائف المدنية . فعدد جميع هؤلاء أربعة وخمسون وسبعمائة ضابط ، فكان إذا من الطبيعي أن تحصل ترقيات لملء الوظائف الخالية . ولا نزال في الجيش خمسون وظيفة قد حفظت الخريجي المدرسة الحربية )

هذا ما ذكره الشيخ محمد عبده ، ومنه يتبين الحق في هذه المسألة. على أننا لو فرضنا أن عرابيا قد آثر المصريين بالترقيات وتخطي بذلك الجراكسة في الجيش ، فلن يكون فيما نرى حتى فى هذا العمل مخطئاً، فحسب هؤلاء الجراكسة ما قالوه من حظوة طوال العهود السابقة وبخاصة في عهد رفتى ، وذلك على ما كانوا يضمرونه من حقد وكراهة لمصر والمصريين ، وحسب المصريين وهم أبناء البلاد الذين تجي منهم الضرائب ما ذاقوا من هوان ومذلة على يد هؤلاء السادة الذين استنزفوا دماءهم، واتخذوا منهم عبيداً وإماء

وماذا كان ينتظر من عرابي غير أن يطبق القانون وهذا أقل ما يفعله رجل هو زعيم ثورة كان هذا القانون ثمرة من ثمارها ؟ ماذا كان ينتظر من ذلك الذي ظل طول عمره ناقماً على الجراكسة في الجيش ، فلم يكف عن الشعب عليهم وهو لم يزل بعد جاويشاً لا حول له ولا قوة ، ولم ين عن مقاومتهم ومصاولهم في كل خطرة خطاها فى مسلك الجيش حتى انتهت إليه زعامته ؟

أجل ، ماذا كان ينتظر من ذلك الرجل ، وما كان حقده على هؤلاء فى يوم ما صادرا عن أنانية أو عن صغار ، وإنما كان مبعثه ما يحس في أعماق نفسه من حماسة وطنية ، وغيرة قومية هما في مقدمة ما يتصف به ذوو الكرامة والعزة من الرجال

أجل ، ماذا كان ينتظر من ذلك الرجل ، وما كان حقده على هؤلاء فى يوم ما صادرا عن أنانية أو عن صغار ، وإنما كان مبعثه ما يحس في أعماق نفسه من حماسة وطنية ، وغيرة قومية هما في مقدمة ما يتصف به ذوو الكرامة والعزة من الرجال

هؤلاء أن عرابياً وصاحبيه قد ألقى عليهم القبض من قبل لمجرد أنهم تقدموا ليرفعوا شكواهم إلى أولى الأمر مما كانوا يحسونه من إجحاف بحقوقهم ؟ وكيف لا يستحى دعاة الاستعمار أن يلوموا ذلك الرجل بالأمس ويتهموه بالفوضى لأنه شكا أمره إلى رؤسائه حتى إذا ألق عليه القبض عدوا ذلك من الحكومة عين الصواب ثم يعودون اليوم فينددون به ويستصرخ عليه بعضهم بدا لأنه يقدم إلى المحاكمة فريقاً يتآمرون على قتله ؟!

عول المتذمرون من الضباط على قتل عرابي وأصحابه من كبار رجال الحركة الوطنية، وقد عمل الدساسون من عصابة راتب على دفعهم في هذه السبيل الوعرة وزينوا لهم الفعلة وهونوا شأنها في قلوبهم ، ولكن ضابطاً جركسياً يدعى راشد أنور أفندى قوت على المتآمرين قصدهم إذ كان قد خالفهم لأمر ما فبادر إلى عرابي وأفضى إليه بما يعلم

وفى اليوم الثانى عشر من إبريل عام ١٨٨٢ قبض على تسعة عشر ضابطاً وسيقوا إلى المجلس المسكرى ، وبعد ذلك بعشرة أيام بلع عدد المقبوض عليهم ثمانية وأربعين ، وكان من ينهم عثمان رفتى باشا نفسه ؛ وقضى المجلس بإدانة أربعين رجلاً منهم رفتى هذا فحكم بتجريدهم جميعاً من ألقابهم ونفيهم إلى أعالى النيل الأبيض في ربوع السودان

واتت الفرصة كلفن وماليت وهيهات أن تواتى الإنجليز فرصة فيضيعوها ؛ لذلك ما كان أسرعهم إلى استغلال الحادث فبدأوا أولاً يذكرون التعصب الأعمى ثم انتقلوا إلى الفوضى الحكومية واعتبروا ترقية الوطنيين مظهراً من مظاهر الرشوة التي أريد بها التأثير فى رجال الجيش كي يكونوا على استعداد عند أول صيحة ؛ ثم رأوا في محاكمة الجراكة مظهراً من مظاهر الظلم والاستبداد الغاشم قائلين في منطق عجيب إن المؤامرة وهمية لم توجد إلا فى رأس عرابي، وإن الغرض منها لم يكن سوى التخلص من الجراكسة بأية وسيلة ، وإن المحكمة العسكرية التي فصلت في الأمر كانت جلساتها سرية فكانت تعمل بما يشير عرابي لذلك جاء حكمها في منتهى الفسوة بحيث لا يقل عن الإعدام. ولم يكفهم ذلك فبلغ من جرأتهم وإينالهم فى الفحة أن ادعوا أن عرابياً كان يذهب إلى السجن فيعذب هؤلاء الجراكسة أيام المحاكمة ويشفي غليل نفسه بمنظر ذلتهم وخضوعهم :

ولقد جعل المستعمرون هذه المحاكمة من أكبر سوءات ذلك العهد ومن كبائر خطيئات عرابي ؛ وحذا المؤرخون من الإنجليز جذو الساسة في موقفهم من هذه المسألة، ومن هؤلاء كرومر ، وهو رجل كان بحكم صلته برجال ذلك العهد جميعاً يسلم حقيقة الأمر ، ومع ذلك طاوعه ضميره في أن يقول في كتابه : « لم يظهر دليل جدير بالتصديق ولا ظل دليل على أن تهمة المؤامرة كانت تهمة حقيقية ؛ وكان حكم المحكمة العسكرية وثيقة وحشية تحمل طابع المظاهرة السياسية أكثر مما تحمل طابع الحكم القضائي ؛ وكان عرابي كثير الفلن شأنه في ذلك شأن كل جاهل من الرجال ، ولم تعش المؤامرة على قتله إلا في خياله هو فحسب » .

وأخذ فريق من المصريين هذا الكلام كما أرسل على عواهنه وشايعوا الإنجليز والأسفاء في رأيهم هذا في عرابي كما شايموهم في غير هذا من الآراء، الأمر الذى يؤلمنا أشد الألم ! فليس يعنينا ما يقول خصوم الوطن وخصوم عرابي ، ولكننا نضيق كل الضيق أن تجوز الأباطيل على المصريين في رجل منهم جدير بأن يفتخروا كل الفخر أن كان ينتمى إليهم ، ومن هنا ضاع تاريخ عرابي وأنكره بنو قومه ، فأضافوا إلى عيب خضوعهم للدخيل فضيحة مشايعته فيما يسبهم به فى شخص رجل من رجالاتهم .

ويجدر بنا أن نضع تحت تینی القارئ ما كتبه الشيخ  محمد عبده تعليقاً على المؤامرة ليقارن بين كلامه وكلام كرومر . قال في كتابه إلى بلنت : ( وكانت الوزارة تعرف منذ زمن شيئاً عن هذه الحركات . فمنذ مجيء راتب باشا إلى مصر كان محمود سامى رئيس الوزراء الآن - وزيراً للحربية - قطلب من شريف باشا أن ينفيه إلى خارج القطر. ولكن شريف على الرغم من تحذير محمود سامى رفض أن يأمر بنقيه ، وسبب ذلك أن راتبا تزوج ابنة شريف باشا ، والبعض يظن أن الاثنين متواطئان على رجوع إسماعيل». ثم قال : ( وقد أحدثت هذه الحادثة قليلاً من التهيج بين العامة ، والجميع يعرفون أن حياة عرابي مثل حياة أي إنسان آخر ، وليس بين الناس أحد مهما كان عظيماً يستطيع أن يجذب إليه قلوب الجميع دون أن يكون ينهم من يريده بسوء ، ولكننا جميعاً نضحك إذا قيل لنا إن انجلترا على وشك الفوضى لأن أحد المجانين قد حاول قتل الملكة ، ...

وليت هؤلاء الكاذبين المغرضين قد اقتصر أمرهم على الكذب

والاتهام ولم يخطوا بعد ذلك تلك الخطوة النكراء التي أكدت القطيعة بين الخديو والوزراء وعجلت الكارثة للبلاد ! وما كانت ادعاءاتهم إلا مقدمة بدأوا بها ما كانوا ينتوونه من المكر السي. يقول في ذلك مستر بلغت : ( وفي أثناء ذلك دخلت المسألة المصرية في طور خطير وذلك بسبب المؤامرة الجركسية التي وصلت أخبارها إلى لندن في الأسبوع الثالث من شهر ابريل ، ولم أعن العناية الكبيرة بهذه المسألة عند أول ظهور أخبارها معتقداً بأنها إحدى المفتريات التي تنشر عن مصر ، ولكن الأحوال أثبتت أنها خطيرة تستدعى الالتفات ، ولم تكن خطورتها متوقفة على حدوثها من حيث هي بل من حيث إنها كانت فرصة لحكومتنا ترقبها لكي توقع الخلاف بين الخديو ووزرائه ، وكان ماليت قد خضع تمام الخضوع لكلفن في هذا الوقت وصار ينتصيح بنصحه ويسير على هواه »

عرض قرار المحكمة العسكرية على الخديو فأسقط في يده أيوافق على هذا الحكم فيظهر أمام الإنجليز أنه يظاهر وزراءه فيخسر الذين يظاهرونه هو ، أم يرفض التصديق عليه فيرضى الانجليز ويقضى على كل أمل في إرضاء عواطف الوطنيين ؟

وكان ماليت قد أشار عليه يرفض هذا الحكم الذي ينطوى على القسوة والظلم ؛ وللقارئ أن يقدر مبلغ ما في هذا التدخل من تطفل وقحة ! ما شأن الانجليز وحكما كهذا مهما كان ظالماً كما يزعمون ؟ وإنهم ليعلمون أن جلسات المحاكم العسكرية كانت سرية حتى فى عهد المراقبة ، وأن الخديو لا يملك رفض أحكامها ، وكل ما له فى هذا الصدد هو تخفيف تلك الأحكام بعض الشيء بعد التصديق عليها

حار توفيق واشتدت حيرته ورأى الأمن جد خطير ؛ وأى شيء أخطر من أن يتحدى وزراءه في غير حق وفي موقف كهذا تحيط فيه بهم الدسائس من كل جانب وتعترض طريقهم الصعاب التي يتطلب تايلها جهوداً متواصلة . لذلك وقف الخديو أول الأمر موقفاً مهماً ، وسرعان ما شاعت الشائعات عنه من جهة وعن الوزارة من الجهة الأخرى ، وكلما مر يوم ازدادت ريبة الوطنيين وتعاظم غيظهم وغضبهم ، ووجدت الدسائس الجو الصالح لنجاحها قنشطت نشاطاً كبيراً، ولازم ماليت الخديو يوحى إليه ويوسوس له

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية