الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 123الرجوع إلى "الثقافة"

التعليم الأولى، بين وزارة المعارف ومجالس المديريات

Share

مقياس عزيمتنا :

تظهر أهمية التعليم الأولى بظهوره بارزا في قانون البلاد الأساسى منذ سنة  ١٨٨٣. ولكن تطبيق هذا القانون النظامى على نطاق عملى واسع لم يظهر إلا بعد تعديل القانون النظامى ، المرة الثانية ، سنة ١٩١٣. فمنذ ذلك الحين أخذت مجالس المديريات تتوسع فى إنشاء المدارس الأولية ، وفى إعانة المكاتب الأهلية ، وكان مورد المجالس الرئيسى - وهو رسوم تفرض بنسب أقلها عشرة فى المائة وأكثرها ١٦ % من ضريبة الأراضى الزراعية - مخصصا فى الأصل للتعليم الأولى . وأجاز القانون إنفاق ٣٠ % على ما عدا هذه المرحلة من مراحل التعليم .

ولكن بعد مضى نحو أربع سنين على تعديل القانون النظامى ، لاحظ وزير المعارف سنة ١٩١٧ أننا لم نخط بعد خطوات تذكر فى سبيل تعميم التعليم. فأعد مذكرة بمشروع يقضى على أمية الذكور فى عشر سنين، كما يقضى عليها فى نصف عدد الاناث . ولا أدرى لهذه التفرقة سببا ؟ لكن من الأدلة التى ساقها الوزير حينذاك لدعم رأيه أن كل إصلاح اجتماعى يتعذر مع بقاء الأمية فاشية فى البلاد .

ثم صدر القانون الأساسى الحالى أو القانون الدستورى سنة ١٩٢٣، وفيه نص صريح على أن التعليم الأولى إلزامى بالمجان للذكور والاناث على السواء .     وفى سنة ١٩٢٥ لم يكن صدر قانون بتنظيم التعليم الأولى العام وترتيب أمر تنفيذ القانون الدستورى . فشكل وزير المعارف وقتئذ لجنة لوضع القانون ، على أن تعمم هذه المرحلة الضرورية من مراحل الثقافة القومية ، فتقضى على أمية الناشئين فى عشر سنين أيضا . ولم تنتظر وزارة المعارف حتى يتم وضع القانون ، بل شرعت فى نفس العام تنفذ الفكرة مشركة معها مجالس المديريات فى النفقة وفى الادارة ، على أساس أن تكون الادارة محلية ، وأن يكون التعليم على نظام نصف اليوم ، لكل من الذكور والاناث فترة من النهار .

ولم يقتصر الأمر على هذا ، بل شملت العجلة إعداد المدرسين . فقد كان عدد المعلمين أقل من أن يماشى سرعة تعميم التعليم العام فى الفترة المحددة . فأنشئت أقسام خاصة لإعداد المعلمين . وزيد عدد مدارس المعلمين والمعلمات . وتحمست وزارة المعارف وشاطرتها مجالس المديريات هذه الحماسة .

لكن وزير المعارف ، صاحب الحركة ، ترك الوزارة ، ففترت دون علة ظاهرة . واستمرت مدارس المعلمين تخرج المعلمين والمعلمات حتى زادوا ، وبلغ المتعطلون منهم

آلافا ، ونقص عدد المكاتب التى كان مقررا إنشاؤها فى كل عام ، بل لم يصل قط حده الأدنى السنوى وهو ٨٢١ مكتبا .

وبلغ بنا التاريخ سنة ١٩٣٥، ولكن لم يحقق ما قيل سنة ١٩٢٥ بل لم يبدأ بتنفيذ قانون التعليم الذى صدر سنة ١٩٣٣. وظل هذا القانون بغير تنفيذ كامل حتى خريف سنة ١٩٣٦، مع أنه نص على إلزام وزير المعارف بتنفيذه بمجرد نشره بالجريدة الرسمية . وقد نشر بها فى يونيو سنة ١٩٣٣.

وتكلم قانون التعليم عن اختصاص كل من مجالس المديريات ووزارة المعارف فى المادتين ١٨ و ٢٤ منه .

والنص فى صدر أولى المادتين ، وتعريف اختصاص وزارة المعارف فى ثانيتهما ، يشعران بأن مجالس المديريات هى التى تدير التعليم الأولى بالأقاليم مسترشدة بتوجيه وزارة المعارف الفنى . وبأن هذه الوزارة لا تغفل عن هذا التوجيه ولو لم تطلبه إليها المجالس . لكن النص فى المادة (١٨) على أن تكون إدارة مجالس المديريات مقيدة بتعليمات وزارة المعارف ، دون أن تقيد مدى هذه التعليمات ، أدى إلى تنازع وزارتى الداخلية والمعارف عند التطبيق ، وإلى تغلب وزارة المعارف بسبب حاجة مجالس المديريات إلى المال للقيام بالتزاماتها ، وهذا المال لا يأتيها إلا عن طريق وزارة المعارف . وهكذا انقلب العمل اللامركزى بطبيعته إلى عمل مركزى بغموض القانون ، مضافا إلى النزعة المركزية التى نشكو منها جميعا ، وأصبحت مجالس المديريات المطالبة بكفالة التعليم الأولى وإدارته مغلولة الأيدى نتيجة تفسير الفريق الأقوى تفسيرا مشربا بالروح المركزية . وكان هذا من أسباب تأخرنا بدلا من تقدمنا فى مرحلة التعليم العام .

هل درست المسألة المالية عند وضع القانون :

نص القانون على أن ينفق على التعليم الأولى بالأقاليم

من موردين رئيسيين : الأول ٦٦ % من قيمة الرسوم الإضافية التى تقررها مجالس المديريات على الضرائب المحلية ، والثانى ١ % من إيرادات المجالس المحلية والقروية . ولكن لا شئ يدل على أن هذه الموارد حسبت ، بل يظهر أنها لم تقدر تقديرا صحيحا أو قريبا من الصحيح ، بدليل أن الشارع افترض زيادة هذه الموارد عن نفقات التعليم الاولى بالأقاليم، بعد أن تتولى وزارة المعارف ما عداه . وأنه قد يبقى بعد ذلك وفر يستخدم فى إنشاء مبان المكاتب العامة . ولكن الواقع أن الموردين المذكورين لا يكفيان لتغطية نفقات خمسين فى المائة من المدارس الأولية والمكاتب العامة التى كانت قائمة بالفعل وقت صدور القانون سنة ١٩٣٣.

ونجم عن هذا أن وزارتى المعارف والداخلية اتفقنا على أن تدفع الأولى لمجالس المديريات مقدار عجز الموارد المخصصة للتعليم عن نفقاته . وقامت بهذا فترة من الزمن . فلما عظم الفرق رأت اللجنة المالية بوزارة المالية أن لدى المجالس أموالا احتياطية تقرب من ستمائة ألف جنيه ، وأن الخزانة العامة لا تدفع الفرق إلا عندما ينفد مال المجالس الاحتياطى ، وأقرها مجلس الوزراء على هذا سنة ١٩٣٧.

وفات القوم أن قانون التعليم لسنة ١٩٣٣ وقانون مجالس المديريات لسنة ١٩٣٤ قسما موارد المجالس بين التعليم وغير التعليم . فالأخذ برأى اللجنة المالية مخالفة للقانون . ونتيجته غل أيدى المجالس من أعمال الاصلاح الأخرى . ولا مندوحة عن علاج هذا الأمر.

نظام نصف اليوم:

نص القانون على تناوب الذكور والاناث اليوم المدرسى . ونشأ من تطبيق هذا النص أن قل عدد أفراد أحد الجنسين فى فترته وزاد فى الأخرى ؛ فكان عدد التلاميذ أكثر مما ينبغي أحيانا وأقل مما ينبغى أحيانا أخرى . وترتب عليه أن يكون عدد التلاميذ بالفصل الواحد أحيانا

أربعة تلاميذ ، وأحيانا أقل . ولتلافى مضار هذا العيب أشارت وزارة المعارف بأن تخصص مدارس للبنين وأخرى للبنات فى كل بلدة يتعدد فيها عدد المكاتب ، وأن يشغل الجنس الواحد الفترتين . واستقام الأمر بمخالفة القانون !

وفى سنة ١٩٣٥ أزعج وزير المعارف ضعف الإقبال وقلة التحصيل بالمكاتب العامة ، فأشار على مجالس المديريات بتحويل بعض المكاتب إلى نظام اليوم الكامل مع تحصيل رسوم مدرسية لتجربة ما إذا كان هذا يعالج النقص أو لا يعالجه . وأخذت المجالس بالمشورة ، وزاد الاقبال وزاد التحصيل بطبيعة الحال . واستقام أمر هذه المدارس بمخالفة القانون أيضا !

الوضع الحالى لمسألة التعليم الأولى :

تقرأ فى مناسبات مختلفة إحصاء عن الشوط الذى قطعناه فى مرحلة التعليم الأولى . ويؤخذ من الإحصاء الرسمى أن المقيدين بالمكاتب العامة كاد يستغرق من هم فى سن التعليم الالزامى من ٧ سنين إلى ١٢ سنة . ولكن الواقع المؤلم أن هذه مجرد أرقام ، وأن جل من اقتصروا على التعليم فى المكاتب العامة يتركونها بعد تمام الثانية عشرة من عمرهم شبه أميين ، وأنهم بعد تركهم المكاتب لا يلبثون أن ينسوا القليل الذى تعلموه ؛ هذا ما يعرفه كل القائمين على أمر التعليم بوزارة المعارف وبمجالس المديريات .

تبذير وتقتير :

ولقد كان من أسباب هذا الوضع الغريب أن المال المخصص للتعليم الأولى أقل مما يكفى لتعميمه على نظام اليوم الكامل . وأننا نحوم حول المشكلة ولا نستطيع حلها ، لأن أهم وسائل هذا الحل فى توافر المال المخصص للتعليم وهو غير متوافر .

وهناك حقيقة عجيبة ! وهى أننا نسرف ونقتر فى آن واحد ، ومن الممكن اجتناب الأمرين لحد كبير بانتهاج سبيل القصد التى سأشير إليها .

فمن الاسراف أننا أكثرنا من تعديد المكاتب بالبلدة أو القرية الواحدة، ومن الممكن اجتناب هذا ؛ ففى بعض المدن التى يبلغ عدد سكانها ثلاثين ألفا أنشأنا أحد عشر مكتبا ؛ وفى بعض القرى التى لا يتجاوز عدم سكانها خمسة آلاف يقوم مكتبان أو ثلاثة ، ويرجع هذا إلى أننا لا نبنى مكاتب فسيحة تتسع لمن هم فى سن التعليم . ولا نجد مكانا واحدا فى القرى ولا مكانين أو ثلاثة فى المدن الكبرى تتسع لمن هم فى سن التعليم . فنضطر إلى تعديد المكاتب وتعديد فصول الفرقة الواحدة ، لضيق المبانى ولضيق حجرات الدراسة ، وفى مجلس واحد من مجالس المديريات نحو مائه بلدة فى كل منها مكاتب متعددة تتراوح بين أحد عشر مكتبا ومكتبين اثنين . وفى كثير من هذه المكاتب تتعدد فصول الفرقة الواحدة بسبب ضيق الحجرات . ومن الممكن توفير خمسين رئيسا ومثلهم من المدرسين ، واقتصاد مرتباتهم، وهى لا تقل عن ستة آلاف جنيه فى العام ، إذا نحن أعددنا نظاما دقيقا لانشاء هذه المدارس . ومن الممكن فى كثير من الحالات الاستعاضة عن المكاتب العامة بتشجيع إنشاء مكاتب أهلية تقدم إليها الجهة المختصة المعونة المالية والارشاد الفنى . وبهذا تهبط نفقة المكتب الواحد من نحو ٣٠٠ جنيه إلى نحو ٥٠ جنيها فى العام .

ومن المستطاع تخفيض كثير من أثمان الكتب والأدوات ونفقات التأثيث بمراعاة البساطة والقصد . هذا كله مستطاع إذا لم نضن بالمال على الإنشاء وتركنا المجالس تتصرف بما تمليه حاجاتها وظروفها المحلية ، مع تقييدها بمبلغ إجمالى لا تتعداه . وليكن المال المخصص للبناء داخلا فى هذا المبلغ المحدد . فاذا ما تحقق هذا أمكن زيادة عدد المعلمين ، وجعل التفتيش الصحي فعالا لا صوريا كما هو الآن ، بسبب قلة عدد الأطباء . وإن الطبيب الواحد مكلف برعاية نحو مائتين وخمسين مكتبا ومدرسة تفصلها ، فى أكثر الحالات ، مسافات شاسعة ، فتكون النتيجة أنه يضطر إلى أن يمر بأكثرها ، مرا خاطفا ، مرة أو مرتين فى العام .

أما أجور المكاتب فإنها تستدعى أعظم الاهتمام ، فإن هناك مجلسا واحدا ينفق فى العام الواحد أكثر من عشرة آلاف جنيه فى أجور المكاتب التى يستأجرها، وذلك يكون قد انفق من سنة ١٩٢٥ للآن نحو ١٥٠ ألف جنيه فى هذا الباب . وهذا المبلغ كان كفيلا بسد حاجته ببناء دور المكاتب الفسيحة والاستفادة من سعتها ، والاستفادة بما ينشأ من ذلك من نقص نفقاته .

رأي جدير بالنظر :

من نحو عام لفت نظر رئيس مجلس الوزراء حينئذ ، وكان وزيرا للداخلية ، قصور النظام الحالى . فكتب إلى المجالس يدعوها إلى بحث الأمر على ضوء التجربة والظروف المحلية ، والادلاء بآرائها . وبحث أحد المجالس الموضوع ، وهداه بحثه إلى لمس الحقائق الآتية :

أولا - أن برنامح التعليم خال من العنصر العملى ، وأن هذا من شأنه إعداد الناشئين إعدادا ناقصا .

ثانيا - أن نظام نصف اليوم لا يدع للتلميذ بعد انقضاء خمس سنين إلا أقل من سنتين فى الواقع لاستيعاب المقرر دراسته فى أربع سنين على الأقل فى نظام اليوم الكامل. ونتيجة هذا أنه لا يحصل إلا القليل الذى يذهب أثره بعد عام أو عامين ، وأن الزمن المخصص للقراءة والكتابة لا يكفى لتثبيتها لدى الناشئين ، وأن كثيرا من الزمن ينفق عبثا فى تحصيل معارف عامة عسيرة الادراك على الناشئين ، وهم شبه أميين .

واقترح علاجا لهذا، أن يكون التعليم على نظام اليوم الكامل فى الفرق الثلاث الأولى مع إعداد كتب المطالعة تحوى المعارف العامة ، وإضافة الزمن المخصص لهذه المعارف العامة إلى الزمن المخصص للقراءة والكتابة ؛ وهذا يتيح للطفل المنقول إلى السنة الرابعة تفهم ما يلقى عليه . وفى الفرقتين الرابعة والخامسة يطبق نظام نصف اليوم ، على أن يكون النصف الآخر فى تعليم الحرف ، زراعية

أو صناعية ، بصورة منظمة لا تترك لذوى الطفل .

وفى الفرقتين الرابعة والخامسة يستطيع الطفل أن يدرك ما يلقى إليه من المعارف العامة ، ويحسن القراءة والكتابة والفهم ، فيرسخ فى ذهنه ما يلقى إليه . كما يستطيع أن يقرأ وأن يكتب فلا يتعرض لنسيان ما يلقن بالمكتب العام . ولكن وزارة المعارف لم تشجع ذلك الرأى .

خطأ شائع :

من الأخطاء الشائعة أن الناس لا يقبلون على المكاتب العامة بل يتفننون فى الهرب منها ، وذلك لبغضهم التعليم او لاضطرار فقرائهم إلى تأجير أولادهم وبنائهم للإقتيات من أجورهم .

والدليل الملموس على هذا الخطأ أن الناس يرسلون بأبنائهم وبناتهم إلى المكاتب الأهلية مختارين فرحين ويؤجرون أصحاب المكاتب عن تعليم أبنائهم . فليس زهدهم فى المكاتب زهدا فى تعليم الولد ، ولكنه ضن به عن العبث . أما من يرسلون بأولادهم إلى الخدمة مقابل أجر معلوم فقليل عددهم . وقد لا يبلغ خمسة فى المائة فى كل قرية . وهم إن صدوا أبناءهم عن التعليم بالمكاتب العامة فلانهم يعتقدون أن وقتا يقضى بها إنما يذهب ضياعا . وإذا كنا قد طاردنا المكاتب الأهلية وأغلقنا نحو خمسة وتسعين فى المائة منها فكيف نتهم الناس بأنهم راغبون عن العلم المنتج ، على ما به من عيوب ولم نعوضهم عنه شيئا ؟

ولعلاج هذا طريقان : الأول تطبيق قانون العمل على الأعمال الزراعية ، فلا يشتغل بها إلا من جاوزوا التاسعة . وحينئذ لا يجد الولى إلا إرسال ولده إلى المكتب . والثانى الافراج عن المكاتب الأولية الحرة ، فلا تقيد إلا بما يحفظ الصحة العامة ويكفل القدرة على التعليم .

اشترك في نشرتنا البريدية