الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 313الرجوع إلى "الرسالة"

الحب العذري في الإسلام

Share

- ٢ -

قال ابن الكلبي: لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه،  وفدت إليه الشعراء، كما كانت تفد إلى الخلفاء قبله، فأقاموا ببابه  أياما لا يأذن لهم بالدخول، حتى قدم عدي بن أرطاة على عمر  ابن عبد العزيز، وكانت له منه مكانة، فقال جرير:

يأيها الرجل المزجى مطيته    هذا زمانك إني قد مضى زمني

أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه   أني لدى الباب كالمصفود في قرن

وحش المكانة من أهلي ومن ولدي  

نائي المحلة عن داري وعن وطني

قال: نعم أبا حزرة ونعمى عين. فلما دخل على عمر قال: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك، وأقوالهم باقية، وسنانهم  مسنونة، قال: يا عدي، مالي وللشعراء! قال: يا أمير المؤمنين،  إن النبي صلى الله عليه وسلم قد مدح وأعطى، وفيه أسوة لكل  مسلم. قال ومن مدحه؟ قال: عباس بن مرداس، فكساه حلة  قطع بها لسانه، قال: وتروي قوله؟ قال نعم:

رأيتك يا خير البرية كلها    نشرت كتابا جاء بالحق معلما

ونورت بالبرهان أمرا مدمسا    وأطفأت بالبرهان نارا مضرما

فمن مبلغ عني النبي محمدا    وكل امرئ يجزي بما قد تكلما

تعالى علوا فوق عرش إلهنا    وكان مكان الله أعلى وأعظما

قال: صدقت، فمن بالباب منهم؟ قال: ابن عمك عمر بن  أبي ربيعة قال: لا قرب الله قرابته، ولا حيا وجهه، أليس  هو القائل:

ألا ليت أني يوم حانت منيتى   شمست الذي ما بين عينيك والفم

وليت طهوري كان ريقك كله    وليت حنوطي من مشاشك والدم

ويا ليت سلمى في القبور ضجيعتي   هنالك أو في جنة أو جهنم

فليته والله تمنى لقاءها في الدنيا، ويعمل عملا صالحا، والله  لا دخل علي أبدا، فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: جميل  ابن معمر العذري، قال: هو الذي يقول:

ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت

يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها

فما أنا في طول الحياة براغب   إذ قيل قد سوى عليها صفيحها

أظل نهاري لا أراها ويلتقي   مع الليل روحي في المنام وروحها

أعزب به، فوالله لا دخل علي أبدا. فمن بالباب غير من ذكرت؟

قال: كثير عزة، قال: هو الذي يقول:

رهبان مدين والذين عهدتهم    يبكون من حذر العذاب قعودا

لو يسمعون كما سمعت حديثها    خر والعزة راكعين سجودا

أعزب به. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قال: الأحوص  الأنصاري، قال: أبعده الله وأمحقه، أليس هو القائل وقد أفسد  على رجل من أهل المدينة جارية هربت منه:

الله بيني وبين سيدها    يفر عني بها وأتبع

أعزب به. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قال: همام بن غالب

الفرزدق، قال: أليس هو القائل يفخر بالزنا:

هما دلتاني من ثمانين قامة    كما انقض باز أقتم الريش كاسره

فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا

أحي يرجى أم قتيل نحاذره

وأصبحتُ في القوم الجلوس وأصبحت

مغلقة دوني عليها دساكره

فقلت ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا

ووليت في أعقاب ليل أبادره

أعزب به. فوالله لا دخل علي أبدا. فمن بالباب غير من  ذكرت؟ قلت: الأخطل التغلبي، قال: أليس هو القائل:

فلست بصائم رمضان عمري    ولست بآكل لحم الأضاحي

ولست بزاجر عنسا بكورا    إلى بطحاء مكة للنجاح

ولست بقائم كالعير يدعو    قبيل الصبح حي على الفلاح

ولكني سأشربها شمولا    وأسجد عند منبلج الصباح

أعزب به. فوالله لا وطئ لي بساطا أبدا وهو كافر. فمن  بالباب غير من ذكرت؟ قلت: جرير بن الخطفي، قال: أليس  هو القائل:

لولا مراقبة العيون أريننا    مقل المها وسوالف الآرام

هل ينهينك أن قتلن مرقشا    أو ما فعلن بعروة بن حزام

ذم المنازل بعد منزلة اللوى    والعيش بعد أولئك الأيام

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا    وقت الزيارة فارجعي بسلام

فإن كان ولا بد فهذا. فأذن له، فخرجت إليه فقلت: أدخل  أبا حزرة، فدخل وهو يقول:

إن الذي بعث النبي محمدا    جعل الخلافة في إمام عادل

وسع الخلائق عدله ووفاؤه    حتى أرعوي وأقام ميل المائل

والله أنزل في القرآن فضيلة    لابن السبيل وللفقير العائل

إني لأرجو منك خيرا عاجلا    والنفس مولعة بحب العاجل

فلما مثل بين يديه قال: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقا،  فأنشأ يقول:

كم باليمامة من شعثاء أرملة     ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر

من يعدك تكفي فقد والده    كالفرخ في العيش لم ينهض ولم يطر

يدعوك دعوة ملهوف كأن به    خبلا من الجن أو مسا من البشر

خليفة الله ماذا تأمرن بنا    لسنا إليكم ولا في دار منتظر

ما زلت بعدك في هم يؤرقنى

قد طال في الحي إصعادي ومنحدري

لا ينفع الحاضر المجهود بادينا    ولا يعود لنا باد على حضر

إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا    من الخليفة ما نرجو من المطر

أتى الخلافة إذ كانت له قدرا    كما أتى ربه موسى على قدر

هذى الأرامل قد قضيت حاجتها    فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر

فقال: يا جرير، والله لقد وليت هذا الأمر وما أملك  إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله؛  يا غلام، أعطه المائة الباقية. فقال: يا أمير المؤمنين، إنها لأحب  مال كسبته إلى. ثم خرج، فقالوا له: ما وراءك؟ قال:  مايسوؤكم، خرجت من عند أمير المؤمنين يعطي الفقراء ويمنع  الشعراء وإني عنه لراض. ثم أنشأ يقول:

رأيت رقي الشيطان لا يستفزه    وقد كان شيطاني من الجن راقيا ولا شك أن وجهة عمر رضي الله عنه ظاهرة في منع ابن أبي ربيعة  لأنه كان لا يتورع في شعره عن التشبيب بالنساء من يعرفها  ومن لا يعرفها، ويتعرض للمحصنات المتعففات ويترقب خروجهن  للطواف والسعي، ويصفهن وهن محرمات حتى صرن يخفن  الخروج إلى الحج. وقد نفاه عمر بسبب هذا إلى دهلك،

وهي جزيرة ببحر القلزم أمام مدينة مصوع. أما أبياته المذكورة  فهي وإن كانت محمولة على المبالغة لا تليق برجل يحافظ على أمور  دينه لأن فيها شيئا من الاستهتار بعذاب الله، وما كان لمثل عمر  رضي الله عنه أن يقبل هذا منه وأن تنسيه رقته الشعرية ناحيته  الدينية، كما أنست قبله عمه عبد الملك بن مروان وقد اجتمع ببابه  ابن أبي ربيعة وكثير عزة وجميل بثينة، فقال لهم:  أنشدوني أرق ما قلتم في الغواني، فأنشده جميل:

حلفت يمينا يا بثينة صادقا    فإن كنت فيها كاذبا فعميت

إذا كان جلد غير جلدك مسني    وباشرني دون الشعار شريت

ولو أن راقي الموت يرقي جنازتي    بمنطقها في الناطقين حييت

وأنشد كثير: بأبي وأمي أنت من مظلومة   طبن العدو لها فغير حالها لو أن عزة خاصمت شمس الضحى  في الحسن عند موفق لقضى لها وسعى إلى بصرم عزة نسوة   جعل المليك خدودهن نعالها

وأنشد ابن أبي ربيعة:

ألا ليت قبري يوم تقضى منيتي    بتلك التي من بين عينيك والفم

وليت طهوري كان ريقك كله    وليت حنوطي من مشاشك والدم

ألا ليت أم الفضل كانت قرينتي    هنا أو هنا في جنة أو جهنم

فقال عبد الملك لحاجبه: أعط كل واحد منهم ألفين، وأعط  صاحب جهنم عشرة آلاف

وكذلك الأمر في منع عمر رضي الله عنه الأحوص والفرزدق  والأخطل من الدخول عليه، فأما جميل وكثير فالأمر في منعهما  غير ظاهر، لأنهما كانا من أصحاب ذلك الحب العذري السابق،  ولم يكونا مثل ابن أبي ربيعة والأحوص والفرزدق والأخطل،  وإن كان في بيت كثير ما يمكن أن يؤخذ عليه من الناحية الدينية  ولكنها مؤاخذة ضعيفة لا يلتفت إليها، لأنه أسند السجود لعزة  إلى أولئك الرهبان، وهم يدينون بعبادة الأيقونات والتماثيل،  فلو أنهم سجدوا لعزة إذا رأوها لكان لهم في هذا شأنهم، ونحن  لا نسأل في ديننا عن شأن غيرنا، وهذا إلى أن الأمر محمول على  المبالغة، والمبالغة ضرب من التجوز

وهذا ليس له محمل عندي إلا أن عمر رضي الله عنه كان

لا يرى التساهل في شأن ذلك الحب العذري، وإن كان أخف  ضررا من الحب المستهتر، فهو في ذلك يأخذ جميلا وكثيرا  بحب واقع قد شغلا به، وأمعنا فيه، وملآ بذكره أشعارهما،  وصرحا فيها للناس باسم محبوبتهما، ومثل هذا لا يقبله أدب  الإسلام وإن كان يحمد لأصحابه ما يأخذون به أنفسهم من العفاف

أما جرير فكان يتعاطى الغزل في الشعر قضاء لحق الصناعة  الشعرية، ولم يكن يشتغل بالحب كما اشتغل به ابن أبي ربيعة وغيره  من فساق الشعراء، ولا كما اشتغل به جميل وغيره من العشاق  العذريين، ولا شيء أصلا في تعاطي ذلك الغزل على ذلك النحو  الصناعي، كما يفعل الآن في الروايات الغرامية، بشرط ألا يكون  في ذلك شيء من الفحش الذي لا يبيحه دين ولا خلق. وقد  مدح النبي صلى الله عليه وسلم بالشعر وفيه كثير من ذلك الغزل  ومن ذلك غزل كعب بن زهير في قصيدته (بانت سعاد) وقد بلغ  من أمره أن يقول فيها:

هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة    لا يشتكى قصر منها ولا طول

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت

كأنه منهل بالراح معلول

وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم من كعب ذلك الغزل على  ما فيه من ذكر الأعجاز، والتشبيه بالخمر المعلول، لأن كعبا قال  ذلك قضاء لحق الصناعة، ولم يصف فيه أمرا واقعا، ولم يتحدث  عن اشتغاله بالنساء أو بالخمر على مثل ما تحدث به الشعراء الفساق

وكذلك لا حرج في رواية ذلك الشعر بالغا أمره ما بلغ،  لأنه قد يكون في حفظه وروايته فوائد لغوية أو تاريخية، ومهما  بلغ أمره فإنه لا يبلغ ما أجازه الإسلام من حكاية الكفر على طريق  النقل؛ إذ حكم بأن ناقل الكفر ليس بكافر، وقد كان أبن عباس  رضي الله عنه يروي شعر عمر بن أبي ربيعة على ما فيه من ذلك  الحب الفاجر، والفسق الظاهر، ولا يعبأ بانتقاد الخوارج المتشددين  في الدين عليه، لأن دين الله يسر ولا عسر، واعتدال محمود بين  الجمود والتفريط

وإني أرى في الحب العذري رأي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه  فهو عندي من الأمور التي لا ينبغي الاشتغال بها، ولكن لا بأس  به إذا كان يراد لغاية حميدة كالزواج، فإذا لم يظفر صاحبه بزواج من

يحبها فليقلع عن ذلك الحب، وليشتغل بما يفيده في هذه الحياة لأنه  لم يخلق لذلك العبث الضاربة في نفسه، والضار بالمجتمع في أخلاقه  وصيانة أعراضه، وإنما خلق للعمل النافع، وإيثار مصلحة الجماعة  على مصلحة الفرد؛ فإذا لم يمكنه أن يتغلب على نفسه في حبها،  فليكتم فيها ذاك الحب، وليحفظها عن آثامه، وليصبر على تلك  البلوى صبرا جميلا ولو أدى به ذلك إلى إهلاك النفس، لينال  في أخراه من الأجر ما يعوض عليه ذلك الحرمان في الدنيا،  ولا يكون جزاؤه الحرمان فيهما معا.

أما الذي قد يقترن بذلك الحب من شكوى الصبابة والتصريح  باسم المحبوبة والخلوة بها وغير ذلك مما يفعله العشاق العذريون  ولا يصل بهم إلى مجاوزة حد العفاف، فقد تساهل فيه بعض  العلماء كما سبق ولم ير فيه بأسا. ومن ذلك ما يحكي أن ابن سحنون  دخل على مالك فقال: يا إمام، اجعلني في حل من أبيات قلتها  فيك، فقال وقد ظن أنه هجاه: أنت في حل من ذلك، فأنشده  هذه الأبيات بين يديه:

سلوا مالك المفتي عن اللهو والغنا  

وحب الحسان المعجبات الفوارك

ينبئكم أني مصاب وإنما   أسلي هموم النفس عني بذلك

فهل في محب يكتم الحب والهوى  

أثام وهل في ضمة المتهالك

فضحك وقال: لا إن شاء الله

وإني أشك في صحة هذه القصة، ولعلها كانت مع مالك  من غير ابن سحنون، أو كانت مع غير مالك منه، لأن ابن  سحنون لم يدرك مالكا، وأبوه سحنون هو الذي أدركه، ولكنه  لم يجتمع به، وكان قد نشأ بالقيروان وأخذ عن علمائها، ثم رحل  إلى مصر وسمع من ابن القاسم وابن وهب وأشهب وغيرهم، ثم  رحل إلى المدينة ولقي علماءها بعد وفاة مالك رضي الله عنه.

والحق أن بعض تلك الأمور كالخلوة مما لا يصح التساهل فيه  أيضاً، لأنها تعد من وسائل الزنا، ومن حام حول الحمى يوشك  أن يقع فيه، ولكنها لا تصل في الحرمة إلى حد الزنا، لأنه من  الكبائر، أما هي فمن الصغائر. نعم قد تنفع عفة أولئك  العشاق في تكفير تلك الصغائر عنهم، لأنه قد ورد أن اجتناب

الكبائر مما يكفر الصغائر، كما قال تعالى (إن تجتنبوا كبائر  ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما)،  ولعل هذا هو مراد من أفتى برفع الحرج عن تلك الأمور،  فيكون مرادها أن إثمها يكفر عنهم، لا أنه لا إثم فيها، وفرق  كبير بين الأمرين، لأن في رفع الإثم عنها إذنا بفعلها،  أما تكفيرها بذلك فيبقيها على حرمتها، وليس فيه إذن بذلك  الفعل، لأنه لا يصح لأحد أن يفعل ما حرم عليه اعتمادا على  الوعد بتكفيره، وهذا إلى أن الإصرار على الصغائر قد يجعلها  من الكبائر، فلا ينفع فيها ذلك التكفير، ولا يفيد فيها  إلا التوبة عنها

وهذا هو رأيي في ذلك الحب العذري، وإذا كان فيه بعض  القسوة على أولئك العشاق، فهو غاية ما يمكن أن يتساهل فيه  معهم. وإني أرى أن هناك قوما قد يقع ما يكون في ذلك الحب  من الإثم عليهم أكثر مما يقع على ذلك العشاق أنفسهم، وهم  الآباء أو الاخوة الذين يرون في زواج أولئك العشاق فضيحة  أو عاراً، فيحولون بين زواجهم، ويعملون على إذكاء نار الحب  بذلك المنع، وعلى وجود الفضيحة والعار من حيث يريدون الفرار  منهما. وقد كان زواج أولئك العشاق هو السبيل إلى إطفاء نار  ذلك العشق، وصيانة المجتمع من الاشتغال بأخباره وأحاديثه،  وما فيها من هتك العرض، والاستهتار بتلك الصغائر. وإني أرى  أن ما كانوا يفعلونه من ذلك ليس إلا من بقايا عوائدهم في الجاهلية  فلا يقره الإسلام، ولا يأذن بتلك القسوة التي يدعو إليها الجهل،  بل يندب إلى ذلك الزواج، ويثيب كل من يعمل على إنصاف  أولئك العشاق، وهذه هي أصوله وفروعه بيننا، وليس فيها ما يمكن  أن يستند عليه في تلك العادة الآثمة؛ ومما يؤيد رأينا في ذلك  ما نسوقه من هذه الرواية

روى المسعودي أنه كان بالمدينة فتى من بني أمية من ولد عثمان  وكان طريفاً يختلف إلى قينة لبعض قريش، وكانت الجارية تحبه  ولا يعلم، ويحبها ولا تعلم، ولم تكن محبة القوم إذ ذاك لريبة  ولا فاحشة، فأراد يوما أن يبلو ذلك، فقال لبعض من عنده:  امض بنا إليها، فانطلقا، ووافاهما وجوه أهل المدينة من قريش  والأنصار وغيرهما، وما كان فيهم فتى يجد بها وجده،  ولا تجد بواحد منهم وجدها بالأموي، فلما أخذ الناس مواضعهم  قال لها الفتى، أتحسنين أن تقولي:

أحبكم حبا بكل جوارحي    فهل عندكم علم بما لكم عندي

أتجزون بالود المضاعف مثله    فإن كريما من جزى الود بالود

قالت: نعم، وأحسن أحسن منه. وقالت:

للذي ودنا المودة بالضع   ف وفضل البادي به لا يجازى

لو بدا ما بنا لكم ملأ الأر   ض وأقطار شامها والحجازا

فعجب الفتى من حذقها وحسن جوابها وجودة حفظها،  فازداد كلفا بها وقال:

أنت عذر الفتى إذا هتك الس    تر وإن كان يوسف المعصوما

فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فاشتراها بعشر حدائق،  ووهبها له بما يصلحها، فأقامت عنده حولا ثم ماتت، فرثاها،  وقضى في حاله تلك، فدفنا معا، وكان من مرثيته لها قوله:

قد تمنيت جنة الخلد للخل   د فأدخلتها بلا استئهال

ثم أخرجت إذ تطمعت بالنع    مة منها والموت أحمد حال

فقال أشعب الطامع: هذا سيد شهيد الهوى، انحروا على  قبره سبعين بدنة، وقال أبو حازم الأعرج المدني: أما محب  لله يبلغ هذا؟ وأنا أقول: جزى الله عمر بن عبد العزيز عن ذينك المحبين  خير الجزاء

اشترك في نشرتنا البريدية