الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 125الرجوع إلى "الثقافة"

الحديد بين الأمم

Share

إن المدنية الحاضرة ، وكل مدنية لاحقة أو غابرة ، لابد لها فى سلمها وحربها من شيئين : القوة ، وما تتجسد فيه هذه القوة من المواد . أما القوة فقد وجدها الانسان الأول فى عضله ، وفيما يخرج الفرع الأخضر إذا هو تيبس من نار . ثم تدرج فوجدها فيما اختزنت الأرض على الحقب الطويلة من الفحم الحجرى ، ومن الزيت الصخرى ؛ ومرد هذه القوى والطاقات جميعا آخر الأمر إلى الشمس أم الكون وراعيته . وقد يتدرج العلم والفن بالإنسان ، عندما تنفد هذه الصور الحاضرة من مخازن القوى ، بل قبل أن تنفد ، إلى استدرار هذه الطاقات من أصلها الأول ومعدتها الأوحد ، دون حاجة إلى زرع الزارع أو

خزن الصخور - أعنى من الشمس مباشرة . ولكن الطاقات والقوى لا تنفع إلا بوعاء مادى يحملها . وقد وجد الانسان هذا الوعاء أول الأمر فى أحجار الجبال ، وفى الخشب الميت من أخشاب الأشجار . ولكن هذه تعوزها الصلابة الكافية ، ويعوزها التشكل إلا أن يكون نحتا . فاهتدى الانسان بالمصادفة ، أو بالسليقة ، أو وفق خطط مرسومة من الأزل ينحدر فى شعابها بنو آدم إلى غاية معلومة - اهتدى إلى استخراج معادن فى الأرض أكثر انصياعا فى يد الرجال عند تشكيلها ، وأصلب مسا وأكثر تماسكا إذا هم حملوها بالقوى والطاقات ، أو إذا هم صدموها بالقوى والضغوط ، وتبلغ

من ذلك الغاية فلا تتفتت دونها كما يتفتت الحجر أو تتشقق كما تتشقق الأخشاب . فكان من هذا استخراج النحاس ، واستخراج الحديد ، واستخراج القصدير والذهب والفضة وسائر تلك المواد التى يسميها الكيميائيون بالفلزات ويسميها العامة بالمعادن . وحكم الأدهار الطويلة وخبرة الانسان الشديدة المتواصلة بهذه المعادن قضيا بتفوق الحديد . وقد تأيد هذا الحكم استثناء وزاد ثبوتا فى عصرنا هذا . ونظرة عابرة إلى بعض الجداول التى تتضمن مقادير الصلابة فى هذه المعادن تكشف لنا حيثية واحدة من حيثيات هذا الحكم وهى كثيرة عديدة :

المعدن                 صلابته النسبية بالتقريب وفى المتوسط الرصاص                                 ٦ القصدير                               ٢٠ الألومنيوم                              ٢٥ الزنك                                 ٣٢ النحاس                               ٤٥ الفضة                                ٥٥ الحديد الخالص                       ٧٧

وتزيد صلابة الحديد بالخلط والمعالجة ، فتبلغ صلابة الفولاذ ما بين ٩٠ و ٧٠٠ .

وتتضمن هذه الحيثيات أمورا أخرى تتعلق بالمتانة ، وهى غير الصلابة ، وبالمرونة ، وبالتطرق صفائح والتمطط أسلاكا ، وبصفات طبيعية أخرى لها خطرها جميعا فى شتيت ما يستخدم فيه الحديد . وبعض هذه الصفات طبيعية فى الحديد ، وبعضها مستحدث فيه ، استحدثته فنون رائعة وعلم فخم مجهد

فعصرنا الحاضر لاشك عصر الحديد ، ومدنيتنا الحاضرة مدنية حديد : حديد فى الحقل ، فى حرثه وحصاده ، وحفر ترعه وضبط مياهه . حديد فى المبانى العمائر . حديد فى الشوارع ، فكل ترام من حديد ،

وما يجرى عليه الترام من حديد ، وكل سيارة تمر من حديد . والمياه فى أرض الشوارع تحمل إلى المنازل ، وتحمل عنها بالحديد . والمواصلات جميعها بين بلد وبلد ، وقطر وقطر ، على يبس الأرض ، وفى لجة الماء ، وعلى متن الهواء من حديد . فعلى الأرض كانت السكك الحديدية فى مثل هذه السنوات من القرن الماضى لا تكاد تذكر طولا ، فبلغت فى هذا القرن أرقاما لا تناسب بينها وبين أرقامها الماضية . ففى انجلترا ، مولد البخار والطرق البخارية ، بلغ طول السكك الحديدية فى عام ١٨٢٥ نحوا من ٢٦ ميلا ؛ فبلغ طولها فى عام ١٩٢٦ فوق ال ٢٠٠٠٠ من الأميال ، وبلغ فى أوربا ٢٣٧٦٦٤ من الأميال ، وبلغ فى أمريكا الشمالية ٣١٦٦٥٢ من الأميال ، وفى آسيا ٨١٢٩٣ من الأميال ، وفى أفريقيا ٣٦٤٥٧ من الأميال . فهذه السكك جميعها من حديد ، وما يتصل بها من القناطر والكبارى من حديد ، وما يجرى عليها من قاطرات وعربات من حديد .

وفى البحار كانت السفن من عهد غير بعيد ، تصنع من الخشب وتساق بالشراع . ثم صار الشراع بخارا والخشب حديدا ؛ فتضاعفت أحجامها وأوزانها وسرعتها وأعدادها أضعافا مضاعفة . كانت أوزانها مئات الأطنان ، أو إن هى زادت ففوق الألف الواحدة ، فصارت بفضل الحديد خمسين ألفا . بل ليس بعد الحديد لعائمة على الماء من حد لحجمها ووزنها ، إلا أن تضيق الموانىء بها فى خروجها ودخولها . وكانت حمولة سفن العالم عام ١٨٢٠ نحوا من أربعة ملايين من الأطنان ، فصارت فى عام ١٩٢٧ نحوا من ٦٥ مليونا ، لبريطانيا منها نحو من ٢٠ مليونا ، وللولايات المتحدة نحو من ١٤ مليونا ؛ ثم يلى ذلك اليابان وفرنسا ، وإيطاليا وألمانيا ، وحمولة ما لدى الواحدة منها شئ يتراوح بين الثلاثة الملايين والأربعة . وما يقال فى مواصلات الأرض والماء ، يقال فى مواصلات السماء . ولكن من العسير الحصول على

إحصاآت تدل على ما لدى الأمم منها ، ومع هذا نستطيع أن نقول إن الطائرة التى انسلخت عنها الحرب الماضية ، وهى تصنع من خشب خالص ، أو من مزيج من الخشب والحديد ، قد طواها الزمن طيا لا نشر بعده ، وإن كل الصعوبات الفنية التى كانت تحول دون بناء الطائرات من الفولاذ قد ذللت جميعها ، وكذلك الصعوبات الاقتصادية فى سبيل بنائها ، قد أمحت ، أو كادت بعد أن تحفزت الأمم جميعا لبناء الطائرات بهذه الألوف العديدة فى هذه الحرب الحاضرة . ويقينى بعد انقضاء هذه الحرب أن هذه الطائرات ستحتل فى مواصلات الناس مثل المكان الذى احتلته السيارات بعد الحرب الماضية ، فتصبح أيسر وسائل الانتقال ، وأكثرها شيوعا بين بلدة وبلدة ، وبين قطر وأقطار ، إن لم نقل بين أجزاء المدينة الواحدة فى العواصم الكبرى .

وبعد المواصلات فى تعديد فتوحات الحديد تأتى الصناعات . فهذه كانت تقوم بها أصابع الناس فصارت تقوم بها أصابع من حديد ، وكانت تدور فيها أذرع الرجال فصارت تدور فيها أذرع من حديد . حتى عقل الانسان فى هذه الصناعات استبدلوا به عقلا من حديد يسيطر على أجزاء الآلات بأضبط مما تسيطر عليها عقول الرجال . ونحن إذا قلنا الصناعات فقد أجملنا المدنية الحاضرة فى لفظة ، وهذه اللفظة مبناها ومعناها من حديد . فمدنية الأمم تقاس بالحديد ، وراحة الأمم ورفاهيتها تقاس بالحديد ، واستقلال الأمم وعزها يقاسان بالحديد . والحرب الحاضرة ستكسب أو تخسر بالحديد .

والآن فإلى ذكر ما لدى الأمم من المدنية ، من الرفه ، من العز والجبروت - من الحديد .

فأول أمم الأرض حظا من الحديد الولايات المتحدة ، ففى الشمال الغربى للولايات توجد بحيرة تسمى بحيرة سوبريور Lake Superior . ففى طبقات الأرض حول هذه البحيرة ، ما بين الولايات المتحدة وبين كندا ، توجد

أكثر بقاع الأرض إنتاجا لخامات الحديد . وتوجد بعض هذه الخامات هناك فى طبقات قريبة من سطح الأرض ، يكفى للوصول إليها شق هذا السطح ثم إعمال الغرف البخارى فيها . ولكن من تلك الطبقات طبقات تموخ فى الأرض حتى يبلغ عمقها ألف متر ، وفى هذا العمق تستنجم الخامة . وأكثر هذه الخامة هيماتيت ، وهو أكسيد النحاس الأحمر ، ونسبة ما تحتويه من الحديد الخالص تتراوح بين ٥١ و ٥٥ فى المائة . والولايات المتحدة تستخرج من الخامة ثلث ما تستخرجه الأمم جميعا . وهى تنتج فى المتوسط - أو كانت من نحو عشر سنوات تنتج فى المتوسط - ٣٧ مليون طن من الحديد الزهر ، و ٤٦ مليونا من الفولاذ . وفى عام ١٩٣٠ بلغ ما أنتجته من الحديد الزهر ٤٠% مما أنتجه العالم كله ، و ٦٠% مما أنتجه من الفولاذ .

ويلى منطقة البحيرة فى الولايات فى إنتاج خامات الحديد منطقة اللورين بفرنسا ، أو بألمانيا ، أو بهما معا . وهذه منطقة على خطورتها حديثة الاستغلال . فمنذ عهد قريب ، فى عام ١٨٩٧ ، لم تكن تنتج فى العام من الخامة غير ٨٣٠٠٠٠ طن ، ولكنها فى عام ١٩٢٩ أنتجت ٤٨ مليون طن  ، وقد بلغ ما أنتجته فى عام ١٩٢٣ ثلث الخامة التى استخرجتها الأمم كلها ، وطبقات الأرض التى تحمل هذه الخامة تمتد على حدود فرنسا وألمانيا ، أو ما كان حدود فرنسا وألمانيا قبل سبتمبر عام ١٩٣٩ . وهى تمتد شمالا إلى لكسمبرج وبلجيكا ، وعلى هذه الخامة تعتمد صناعة الحديد فى كل من هذه الأمم الأربع : فرنسا وألمانيا ولكسمبرج وبلجيكا .

وتشاء الطبيعة الخيرة أن تجعل الفحم فى المنطقة المجاورة ، منطقة السار Saar ، والحديد لا يستخرج من خامته بدون الفحم . وكل طن من الخامة يحتاج إلى نصف طن من فحم الكوك ؛ لذلك ازدهرت صناعة الحديد بفرنسا أى ازدهار ما بين عام ١٩٢٥ وعام ١٩٣٤ . ففى

عام ١٩٢٥ احتلت فرنسا أرض السار من ألمانيا لتضمن وفاء ألمانيا بالتزاماتها المالية التى نشأت عن الحرب الماضية ، أو هى بهذا احتجت . وكان لفرنسا فى هذا الوقت مقاطعة اللورين فجمعت بذلك بين الفحم والحديد . وفى عام ١٩٣٤ استردت ألمانيا منطقة السار عنوة ففرقت ما بين الحديد والفحم إلى حين . فهذا مثل رائع لتعاون وتآلف وإخاء فى بطن الأرض يصحبه اختلاف وتنافر على سطحها . فالطبيعة ربطت ما بين الحديد والفحم , فربطت ما بين اللورين والسار رباطا لا ينقطع أبدا . فنزولا على حكم الطبيعة - وحكم الطبيعة من حكم الله - يجب أن يمتزج اللورين بالسار ، وأن يظهر على أرضهما من التناسق مثل ما اتسق فى بطنها ، مهما اختلفت الألسن وتعددت الشعوب .

أما بريطانيا فقد كان لها سبق قديم فى استخراج الحديد وتجارته بسبب أن مناجم حديدها القديمة كانت تختلط بمناطق فحمها اختلاطا . ومعنى هذا من الوجهة الاقتصادية رخص كبير فى الأسعار . أما الآن فهى تستنجم حديدها من مناطقها الوسطى ، وهى تمتد من مقاطعة يورك York فى الشمال الشرقى عند بحر الشمال إلى مقاطعة

درست Dorset عند بحر المانش فى جنوبها الغربى . والخامة التى تستخرجها من هذه البقاع قليلة الحديد . فحديدها بلغ ٢٧% من الخامة ، وهى عدا هذا ليست من أخلص الخامات . ولكن بها من الأخلاط النافعة ما يتيسر به استخلاص الحديد منها . وأرض هذه الخامة ليست من الوجهة الجيولوجية غير امتداد لأرض اللورين . فطبقاتهما واحدة متواصلة ، أو كانت متواصلة ، ومن خلق عصور قديمة واحدة . ويوجد عدا هذا فى انجلترا خامة ذات نقاء كبير ، من الهيماتيت ، فى المقاطعات الساحلية الغربية ما بين ليفربول واسكتلندا ، إلا أنها قليلة .

ومع عظيم ما تستخرجه بريطانيا من الخامة فى أرضها فهو لا يكفى صناعة الحديد فيها . فهذه الصناعة تحتاج إلى عشرين مليون طن من الخامة ، يستخرج ثلثاها محليا ،

والثلث الآخر يستورد أكثره من أسبانيا والجزائر ، وأقله من أسوج . وخامة أسوج من أنقى خامات العالم ، وهى من أوكسيد الحديد المغناطيسى ، ولهذا تختصها انجلترا بصناعة فولاذ السكاكين والأسلحة الشهيرة بمدينة شيفلد Sheffield .

وقد بلغ ما صنعته بريطانيا من الحديد الزهر فى عام ١٩٣٤ نحوا من ستة ملايين من الأطنان ، ومن الفولاذ نحوا من تسعة ملايين .

بقى أسبانيا وأسوج (السويد) . أما أسبانيا فلديها خامة كثيرة من الحديد توجد فى مناطق ساحلية ضيقة فى الشمال على خليج بسكاى Biscay ، أقرب ما تكون من الشاطئ الفرنسى . وقد بلغ ما استخرجته من الخامة عام ١٩٢٩ نحوا من سبعة ملايين من الأطنان ، استخدمت منها فى صناعاتها المحلية مليونا ونصف المليون ، وما بقى صدرته إلى انجلترا وألمانيا . أما أسوج فخامتها فى مناطقها الشمالية ، وهى كتل خالصة ، أو تكاد تكون خالصة ، من أوكسيد الحديد المغناطيسى . ومع وجود هذه الخامة فى أسوج ، فإن مخرجها الطبيعى إلى البحر مرفأ نارفيك Narvik ببلاد النرويج . وذلك لأن مرافئ أسوج على بحر البلطيق تسدها الثلوج شتاء . وقد بلغ ما استخرجته أسوج من الخامة فى عام ١٩٢٩ نحوا من ١٢ مليون طن أما الأمم الأخرى فيما عدا ما ذكرنا فخاماتها إما قليلة ، وإما كثيرة ولكن لا يستغلها أحد لبعدها عن العمران ، ولما يتبع ذلك من فداحة النفقات . ومن هذه البرازيل وفيها خامات هائلة لم يضرب فيها معول حتى الساعة . ومن الأمم أمم أخذت تعنى بخاماتها وتخلق من هذه الخامات فى بلادها صناعات ناشئة للحديد والفولاذ . ومن هذه الأمم الهند وأوستراليا .

أما مصر فتستخرج من حديدها بمقدار ما فى رجالاتها من همم وما فى قادتها من وئام .

اشترك في نشرتنا البريدية