الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 159 الرجوع إلى "الثقافة"

الحرب فى الشرق الاقصى، وصداها فى مصر

Share

تضطرم الحرب في الشرق الأقصي قبل اضطرامها في الغرب ببضعة أعوام ؛ ولكنها كانت تتخذ يومئذ صورة نضال عنيف يطئ بين القوتين الآسيويتين العظيمتين : وهما اليابان المتوتية إلى الفتح والتوسع ، والصين المجاهدة في سبيل حرياتها واستقلالها ؛ وكان انحصارها في هذا المسرح الثاني يكاد يجعلها بمعزل عن سير الحوادث في الغرب ؛ وكانت الدول الغربية ذات المصالح في الشرق الأقصى أكثر اشتغالا بالأزمات العصيبة التي نواجهها . فلم تحاول ان تتدخل في الحرب اليابانية الصينية بطريق مباشر . ولما نشبت الحرب في أوربا في اواخر سنة ١٩٣٩ ، كانت اليابان قد قطعت شوطاً بعيداً فى سبيل تحقيق برنامجها الاستعماري ، واستولت على معظم الأقطار

الصينية الساحلية والوسطى ، وأخذت ترقب سير الحرب الأوربية ، استعدادا للقيام بوثبتها التالية .

وسنحت الفرصة لليابان في صيف سنة ١٩٤٠ حينما انهارت فرنسا وشغلت بريطانيا العظمي بمواجهة خطر الغزو الداهم ؛ فاحتلت جزيرة هينان في أقصى جنوبي الصين ، وشددت الضغط على الهند الصينية الفرنسية ، واستطاعت ان محتل ثغورها وقواعدها العسكرية بموافقة حكومة فيشي ، ثم اعقبت ذلك بالضغط على تايلاند ( سيام ) لتفوز منها بمثل ما فازت به في الهند الفرنسية ، واخذت عندئذ خطتها تتضح شيئاً فشيئا من الزحف نحو البحار الجنوبية ، والركن الحنوبي الغربي في المحيط الهادئ .

وفي هذه المياه الاسيوية الجنوبية تقع جزائر اندونسيا

او جزائر الهند الشرقية الهولندية الغنية ، وهي سومطره وجاوه وسلبيز وبورنيو ، كما تقع شبه جزيرة الملايو البريطانية وقاعدتها المنيعة سنغافورة ، وتقع في الشمال الشرقي لهذه المجموعة جزائر الفلبين الأمريكية ، وفي الجنوب الشرقى تقع استر اليا ، وزيلندة الجديدة .

ولما غزت ألمانيا روسيا في أوائل الصيف المنصرم ، وشغلت روسيا برد هذا الاعتداء . أيقنت اليابان ان روسيا ، وهي جارتها المباشرة ومنافستها القوية في الشرق الأقصي ، لن تستطيع تدخلا في شئونها في مثل هذا الظرف العصيب ، وعقدت بالفعل مع روسيا ميثاق حياة لمدة خمسة أعوام ؛ فلم يبق أمامها إلا أن تقدم مطمئنة على تنفيذ برنامجها في الزحف نحو المياه الجنوبية ، حيث تصطدم مع بريطانيا العظمي وأمريكا منافستيها في السيادة على المحيط الهادي .

           - ٢ - وفي السابع من ديسمبر رفعت اليابان القناع فجأة ،  وقامت باعتدائها العنيف المبيت على ثغر بيرل في جزر هاواي الأمريكية ، ونشبت الحرب في الحال بين اليابان وبين امريكا وبريطانيا العظمي من جهة ، وبين امريكا وبين المانيا وإيطاليا من جهة اخري ، كما اعلنت بين بريطانيا وامريكا وحلفائهما وبين جميع الدول الأخرى المنتمية إلي المحور ، وتحولت الحرب الأوربية بذلك إلي حرب عالمية ، تعم جميع القارات والمحيطات .

وهنا تنعقد الصلة قوية بين ميدان الحرب في الشرق الأقصى ، وبين سائر الميادين الأخرى . فالحرب في روسيا ، والحرب في لوبية ، ومعركة الاطلنطيق ، تصبح كلها إلي جانب الحرب في المحيط الهادئ ، حلقات متصلة متفاعلة تتأثر كل منها بسير الحوادث في الاخري .

ونحن نعرف أن اليابان ترتبط مع دولتي المحور إيطاليا وألمانيا بميثاق مكافحه الشيوعية ، وميثاق التحالف الثلاثي الذي عقد بينها في سبتمبر سنة ١٩٤٠ ، واعترفت اليابان

فيه بحق دولتي المحور في وضع نظام جديد لأوربا ، مقابل اعترافهما لليابان بمثل هذا الحق في وضع نظام جديد للشرق الأقصي ؛ وتعهدت ان تدخل الحرب إلي جانب دولتى المحور إذا دخلتها ضدهما دولة غير أوربية ، أو بعبارة أخرى إذا دخلتها أمريكا ؛ وقد كانت أمريكا بما تقدمه لبريطانيا العظمي ثم لروسيا من المعاونات القيمة من المواد الحربية الزاخرة ، بمقتضي قانون الاعارة والتأجير ، تعتبر بالفعل في حالة حرب مع دولتي المحور قبل أن تشهر اليابان الحرب عليها ، فدخول اليابان الحرب ضد أمريكا من شأنه أن يستغرق قسطاً من إنتاج أمريكا الحربي المخصص لمعاونة بريطانيا وروسيا ، وهو ظرف قد تفيد منه دولتا المحور ، وإن كان الرئيس روزفلت قد أكد أن تدخل اليابان لن يكون له أثر في جهود أمريكا لمعاونة حلفائها .

بيد أنه من الواضح أن المحيط الهادئ لم يبق طريقا أميناً لإرسال الامدادات الأمريكية ، ولابد أن تعتمد أمريكا على طريق الاطلنطيق وجنوبى افريقية لإمداد الصين وروسيا ، وجبهة الحلفاء في الشرق الأدنى ، مما تستطيع من العتاد الحربي والذخائر . ولاريب أن أمريكا وبريطانيا لن تدخرا جهداً في إمداد روسيا بنوع خاص بما تحتاج إليه من العتاد والذخائر ، خصوصاً بعد ان تطور سير الحرب في روسيا ، وأخذت الحيوش الألمانية تتراجع أمام هجمات الروس العنيفة في منطقتى موسكو والقرم ، وانقشع خطر الغزو الألماني عن القوفاز مؤقتا على الأقل ، وخف بذلك الضغط عن جبهة الشرق الأوسط ، وهو ما يمكن القيادة البريطانية من أن توجه هدايتها إلي الشرق الأقصي .

                 - ٣ -        ونستطيع من جهة اخري أن نفس الصلة قوية بين سير الحرب في الشرق الاقصي ، وبين سير الحرب في لوبية ؛ فقد وقع الهجوم الياباني علي شبه جزيرة الملايو

وسنغافورة في الوقت الذي شغلت فيه القوات الامبراطورية وفي مقدمتها القوات الاسترالية والنيوزيلندية بمقاتلة قوات المحور في الصحراء الغربية ، وشغل الأسطول البريطاني في البحر الأبيض المتوسط بمعاونة الحملة البرية من الشاطئ ومطاردة قوافل المحور البحرية ومنع الامدادات الألمانية والإيطالية من أن تصل إلي لوبية ؛ وما زالت قوات المحور في لوبية تطاول القوات الامبراطورية ، وتشغلها ما استطاعت ، وهي بذلك تمكن اليابانيين من تشديد الضغط على القوات البريطانية في شبه جزيرة الملايو ؛ ولو أتبح للقوات الامبراطورية أن تتم مهمتها بسرعة في الفضاء على قوات المحور في لوبية ، وتأمين حدود مصر الغربية بصورة قاطعة ، لاستطاعت القيادة البريطانية أن تنقل جانبا منها إلي الشرق الأقصي لتعزيز الدفاع عن سنفافورة ، ولأمكنها في نفس الوقت أن تنقل بعض الوحدات البحرية إلي الشرق الأقصى تعزيزاً للأسطول البريطاني هناك ، بعد الذي أصابه من الضعف بفقد بارجتيه الكبيرتين " برنس أوف ويلز " و " رببالص " في بداية الهجوم الياباني .

وفضلا عن هذا الارتباط الوثيق بين سير الحرب في لوبية وميدان الشرق الأقصي ، فإنه قد ترتبت على نشوب الحرب بين أمريكا وبريطانيا وبين البابان ودولتي المحور بالنسبة لمصر من الوجهتين السياسية والاقتصادية آثار هامة ؛ ذلك أن مصر قطعت علاتقها الدبلوماسية مع اليابان اقتداءً بحليفتها انكلترا ، وانقطع التبادل التجاري بينها وبين اليابان ؛ وقد كان هذا التبادل يشغل من تجارة مصر الخارجية حيزاً لا بأس به . فالصادرات المصرية إلى اليابان تبلغ ماقيمته نحو مليونين ونصف مليون من الجنيهات ، وأهمها القطن والفوسفات والملح الطبيعي ، وتبلغ قيمة ما تصدره مصر من القطن وحده إلي اليابان نحو مليوني جنيه . وتستورد مصر من اليابان عادة ما قيمته نحو مليون ونصف مليون جنيه ؛ وتشمل هذه الواردات الزيوت والشحوم وورق التبغ والمنسوجات القطنية

والحرير الصناعي والمصنوعات المنزلية ولعب الاولاد ؛ وكان الميزان التجاري دائما في صالح مصر بما قيمته نحو مليون جنية أو أ كثر ؛ وكانت البضائع اليابانية الرخيصة تسد حاجات كثير من ابناء الطبقات الفقيرة ؛ فالأن تقضي الحرب في المحيط الهادي على هذا التبادل ، وتضطر مصر إلي البحث عن اسواق جديدة لتعويض هذا النقص في تجارتها الخارجية .

وأما العلائق التجارية بين مصر وأمريكا فهي باقية على حالها ، غير أنه يجب علينا أن نتوقع إزاء اضطراب المواصلات البحرية ، واضطرار البحريتين البريطانية والأمريكية إلي أن تخصصا أعظم قدر مستطاع من الفراغ لنقل المواد الحربية ، أن يضطرب سير التبادل التجاري بين مصر وأمريكا مدي حين على الأقل ، وتبلغ قيمة الصادرات المصرية إلي أمريكا نحو مليونين وستمائة ألف جنيه ؛ وهي تشمل القطن والصوف وزيت بذرة القطن والبصل والجلود والخامات المعدنية ، والسبائك الذهبية ؛ وتبلغ قيمة ما تستورده مصر من الولايات المتحدة في الأوقات العادية نحو مليوني جنيه ؛ وتشمل السيارات وهي أهمها ، والآلات الكهربائية والأدوات الطبية والأسمدة والمعادن الخام والملابس والمنسوجات والفاكهة والأغذية المحفوظة ؛ وقد زاد ما تستورده مصر من أمريكا منذ قيام الحرب الحاضرة زيادة كبيرة ، لانقطاع الوارد من الأصناف المماثلة من جهات أخري ؛ غير أنه يخشى كما قدمنا أن يتعذر نقل الواردات الأمريكية إلى مصر بالسرعة اللازمة بعد نشوب الحرب بين اليابان وأمريكا ، وتغلب الضرورات الحربية علي الاعتبارات التجارية ، سواء في الانتاج أو النقل البحري ؛ وهذه ظروف يخشى أن تعانى مصر منها الشئ الكثير ، ولا سيما فيما يتعلق باستيراد بعض المواد الجوهرية التي تحتاج إليها مثل الحبوب والأسمدة

وقطع السيارات والورق وغيرها .

      ولا ريب أن اتساع مدى الحرب على هذا النحو بدخول اليابان وامريكا فيها مما يطيل أجلها ، وقد سمعنا مستر تشرشل يتحدث في خطابه الأخير في واشنطون عن استعداد الحلفاء المنتظر في سنة ١٩٤٣ ، وسمعنا الرئيس روزفلت يبسط لمجلس الامة برنامج الانتاج الحربي في سنة ١٩٤٣ ؛ وتدل جميع الدلائل علي ترجيح هذا الفرض ، ما لم تقع حوادث مفاجئة ليست اليوم في حسبان أحد ، كأن تقع ثورة داخلية في ألمانيا ، أو تنهار قوتها العسكرية على أثر هزيمة ساحقة تصيبها في الميدان الروسي  وهذه افتراضات لا يمكن ان يمتد بها اليوم بالرغم مما قد لوح في الأفق من نذرها البعيدة .

اشترك في نشرتنا البريدية