عاش شينيه إبان الثورة الفرنسية وقد هفت النفوس إلى الحرية تلتمس فيها غذاء يصلح من فسادها ، فتتفتح لمعاني الخير والحق والجمال ؛ وولد لأب فرنسي وأم اغريقية ، فاجتمع إليه إحساس بجمال الطبيعة ، ويسر في فن الشعر ، وورث شينيه عن القرن الثامن عشر إيمانا بالعقل يحكمه فيما يعرض له ، فاذا بغير واحدة من قصائده عرض لفكرة او افكار في اسلوب سهل يصوغه صورا فيوقظ تفكيرنا كما يستثير خيالنا ويمتع منا الحواس
و " الحرية " قصيدة جميلة ساذجة ، تبصرنا بما ينزل الرق بالنفوس من خراب ، وما تنفث فيها الحرية من قبل ، في حوار شعري رائع ، بين راعي معز وراعي غنم . أولها حر ، فهو سمح الخلق هادي النفس كريم الطبع يهتز للحياة فتطرب حواسه بما في آيات الطبيعة من حال . وثانيهما عبد قد ذهب الرق والظلم مما في نفسه من خير ؛ فلا الجمال يحركه ولا الأريحية تعرف إلى قلبه سبيلا ؛ وما ذنبه وقد سلبه القضاء أعز ما يملك البشر سلبه الحرية التي تهب الحياة قيمتها ، كما سلبه كل ما على الأرض من خيرات يسخر في القيام عليها ، ثم يذهب جناها لسواه ، وكيف نطلب من نفس حرمت كل خير ان تمنح الخير غيرها او تتمناه لسواها ، واني لنفس غشيها الظلم ان تبصر ما في الوجود من جمال ، او تستشعر ما في الحياة من نعيم ؟ وهل يربطها بالوجود شئ وقد سيقت إليه كمناع يزجي ؟
وما يقول الشاعر عن الرق يصح على ما سواه من أنواع الظلم التي تحطم النفوس فتهدر كل القيم ، وتنتكر
للوطن إن لم تتنكر للوجود كافة
قال الشاعر : راعي المعز : أيها الراعي ، كيف انت وما بك ، ما هذه لشعور السوداء الق نشرتها الآلهة فوق بصرك ؟
راعي الغنم : هيه ! نعم وأما أنت فذو شعر عجيل اصفر ، اهذا ما تريد أن اعلم ! هيه ؛ نعم : جبينك اوضح من جبيني ، ونظراتك ارق من نظراتى . أليس كذلك ؟
راعي المعز : قل لي إذا ، أمن هذه الجبال الموحشة اتيت ، من حيث لا تلقي أحدا سواك والسبيل وعرة مخيفة ؟
راعي الغنم : وأما أنت فتنعم بلا ريب بالمروج والغابات . وذلك في متناولك ، لك أن تجلس بين الحشائش المزهرة ، أما انا فمأواي الكهوف المقفرة حيث يطيب لي ان اجلس على الصخر حتى ينصرم ضوء النهار .
راعي المعز : ولكن إلهة الخصب " سيريس " قد آنزلت بتلك الصخور لعنتها ، فهنالك تتدفق السيول حصباء حاملة قاتم الموج ، وقد احرق لهيب الشمس اديم الصخر يكوي ارجل عابري السبيل الذين يخفون عنها وقد عربت عن جميل الزهر وحلو الفاكهة ، فلا نجد بها البلابل من الظلال الوارفة ما تأوي إليه ، إلا ان تكون اشجار الزيتون المنتثرة على مسافات بعيدة ، وفي منظرها الجاف وقلة ما تعطيه من خيرات ما يزيد الجدب المحزن وضوحا . كيف تستطيع إذا ان نجد بين تلك الصخور من الحشائش ما تغذي به غنمك الجائعة ؟
راعي الغنم : وماذا يعنيني من أمر الغنم ؟ أهي لي ؟ ما أنا إلا عبد .
راعي المعز : لا أقل إذا من أنك وجدت في ناي الغاب ما تؤنس به وحشتك وسط جدب الصخور ، خذ . أما تريد هذا الناي ، لقد صنعته بيدي ، خذه ،
ولترسل أنفاسك في غابه ، وغابه عذب الأغاني ولتسمعنا من النغمات ما تحاكى به تغريد الطيور
راعي الغنم : لا ، احتفظ بعطائك ، ما أريد أن أسمع إلا طيور الظلام من يوم وعقبان ، وفي نعيها بالفناء ما يكفيني ؛ وما أريد أن أحاكي غير أنانيها . . وأما نابك فأنا محطمه محت أقدامي ، إني لأبغض كل مسراتكم ، وقبي لا يخفق لجمال الزهر ولا لرقة الندى ولا لزفرات البلابل العذبة . لقد أغلقت حواسي دون ذلك كله . ألست عبدا ؟
راعي المعز : واحسرتاه ؛ إنك لجدير بالرحمة ، نعم ما اقسي الرق ؛ نعم ، لكل حي ان يخشى نبره ، ونيره ثقيل الحمل ، ما أتعس أن تعيش لغيرنا وقد سلبنا ذلك الغير كل شئ ايتها الحرية ، أيتها الحرية العزيزة . أبسطى فوقي جناحيك ، يا أم الفضائل يا أم الوطن
راعي الغنم : أغرب عني ، ما الفضائل وما الوطن إلا كلمات خاوية ، ثم إن في حديثك ما يجرحني ، وفي سعادتك المدعاة ما يحزنني ويثير حفيظتي ، بودى أن لو كنت مثلي عبدا .
راعي المعز : وأما أنا فأود أن أراك مثلى حرا سعيدا ؛ ولكن اما عند الالهة من دواء لبلواك ؟ لدينا بلاسم عذبة ومياه صافية تسكن بها جراح النفوس ، لدينا من سحر الأغاني ما يجفف دمع الجفون .
راعي الغنم : لكم ذلك . وأما أنا فلا . ليس لي إلا الآلام . لقد حكم القضاء ان اكون عبدا ، ولا بد من نفاذ حكمه ، وإلى جواري كلبي استرقه بدوري حتى اترعده إشارتي ، وما لدى غيره ينقم منه ياسي الصامت ما ينزل بي من آلام .
راعي المعز : وتلك الأرض التي عنها صدرنا ، وخصبها العذب ، أما تستطيع أن تشفي من آلامك ؟ انظر إلى جمالها المشرق . انظر إلي الصيف البهيج يغدق
نعمه وقد أقبل تسوقه أشعمة الشمس ، يحنو على المروج فيباين من رداء الربيع الأخضر ، انظر إلى حبات المشمش وقد أخذت عذوبتها تزكو ولونها يصفو كمل النحل ، انظر إلى زهر الخوخ البنفسجي وقد زين أشجاره معلنا ما سوف يتبعه من حلو الفاكهة . انظر إلى حقول الغلال وقد تكاثفت سنابلها في غابات صفراء منتظرة مناجل الحصاد ؛ إن في ذلك لحفلا نبيلا من آلهة الطبيعة . ها هي إلهة السلام وإلهة الخصب الصافيتا النظرات الهادئتا اللحاظ تخفان إلينا ، وبجنبيهما سنابل وبأيديهما سنابل . وقد تبعثا اثار إله الامل لتسكبا من القرن الذهبى مشرق الخيرات .
راعي الغنم : لا شك أنها تظهرك على مواقع أقدامها . أما أنا فما استطيع أن أراها وعيناي عينا رق ، أرسل الطرف فلا أرى إلا أرضا مجدية مهلكة حملتها كارها على أن تدر الخير على غيري . تحت الشمس المحرقة أكدح لأحص ما يتغذي به غيري وأنا أتضور جوعا ، وذلك كل ما اعرف عن تلك الأرض ، حتى لكانها لم تكن لي اما كما كانت لكم ، بل زوجة اب ، بل والطبيعة كلها ليست اشد وقفا على بصري والما لنفسي من وادي الموت الذي تراه هنا والذي يملأك رعبا
راعي المعز : ومهام غنمك وهمس ثغائها الرقيق الهاديء ، أما في ذلك ما يدخل السرور على نفسك الجامدة ؟ اما تطربك رؤية حملانك الوارعة النظرات ، كما تطربني مداعبة صغار معزي ، وقد اخذت تمرح وتجري مرسلة في الهواء اصواتها الرقيقة ؛ لكم من مرة اراها تهرول فوق الندى ولامع الحشائش إلى جوار أمهاتها ، فأقفز معها فرحا طروبا
راعي الغنم : المعز معزك ، وأما أنا فنصيبي من الحياة غير نصيبك ، فتلك الغنم هي مصدر يلواي ، اسرح بها مرتين في النهار ، وكلما عدت وجدت سيدي في انتظاري
والظنون تساوره وقد عز رضاه لم يتم صوفها ، لقد ضوت اجسامها وتثافلت خطاها و و فلا شئ يروقه ، إذا سقط بها ذئب واختطف واحدة منها موليا إلى الغابة ، فالذنب ذنبي ؛ لقد كان على أن أغالب أنيابه الماضية ؛ بل من واجبي أن استأنس الذئاب ثم ينهال على صياحا وتهديدا وسبابا وقسوة مبرحة يسميها عقابا .
راعي المعز : لقد عهدت الآلهة رءوفة بالبريء ، فلم تهجر رحابها وفي رحابها نصر للمستضعفين ، لم لا تأتي إلى مذابحها وقد حلتها الزهور فترقص معنا حولها وقد حملت إليها متواضع الهدايا ، قليلا من حشائش المروج وزهر الغابات ، وانت بذلك نائل عطف زيس وعرائس الطبيعة الرحيمة .
راعي الغنم : لا ؛ إن قلبي الحزين لا يعرف رقص الرعاة ولا العابهم ولا مسراتهم ، كل ذلك غريب عني . وقيم حديثك عن الالهة وهداياهم ، او عن عرائس الطبيعة ، وما عندي للا لهة ورد ولا ريحان ؟ إني أخشي الهتك وقد رايت رعدهم وبريقهم ، وهم الذين وضعوا بيدي الأصفاد .
راعي المعز : هه ، ولم لا تحب ؟ وأي الم مر يقوي على ابتسامة عذبة تيسمها عذراء يهواها القلب . . لقد اثبت أول امس إلي حبيبتي مهديا باكورة ما أنتجت معزي هذا العام ، ماعزا صغيرا . . تلفته وقد استحالت نظراتها رقة وجمالا ومحبة ، وأخذ صوتها نيرة لا أزال أحس بوقعها الجميل في نفسى
راعي الغنم : وأي عذراء تقبل أن تنظر إلي ، أعندي من المعز ما استطيع ان اقدم منه هدية مثلك ؟ وكل يوم سيدي الفظ الغليظ حملانه في حرص بشع حتى ليثلج بعد قلبي عندما لا يطالبني بأكثر مما أعطاني . . تميزيس إلهة الانتقام اقسم ان لو اصبحت يوما سيدا لاكونن قاسيا فظا غليظا ، ولانزلن الويل والثبور بأرقائي كما انزل بي هذا الرجل .
راعي المعز : وأما انا فأستشهدكم آلهتي ان اكون رفيقا حلما يخدي المخلصين ، وأن أرضى أمانى نفوسهم ، حتى يشعروا بالسعادة ، فيحبوا سيدهم ، وحتى يرضوا عن الحياة ، فيباركوا يوم ولدوا .
راعي الغنم : وأما انا فأصب اللعنة على تلك الساعة المشئومة التي أتيت فيها إلي هذه الحياة لأشقي بها لاكون تحت إمرة اخر يأمرني وينهاني ، وقد جردت من كل شئ ، واستحال على ان اروق لأي إنسان ، والجوع يضويني ، وقد انصرف كدى وألمي إلى آخر يشبع به بطالته وكبرياءه .
راعي المعز : أيها الراعي البائس ، إن في حزنك الشاكي ما يحمل الآسي إلى قلبي . انظر إلي هذه الماعز وولديها ، وفي بياضهما ما يشبه ما ادخرت لهما من لبن هي لك ، خذها ، وإلى عناية الله ؛ ولنسأله ان يجعل في هذا القليل الذي امنحك ما يمحو من ذا كرتك آثار آلامك ، وأن تجد في العناية بها ما يصرفك عن بلواك .
راعي الغنم : هاتها وعليك اللعنة ، وأنا أعلم أن في هديتك ما سينغص حياتي ، فسوف ينظر إليها سيدي شزرا منكرا ان يمنحني إياها مانح وهو الخبيث الحسود ، سيقول إني اختلست منه ثمن الأم وثمن ولديها وسيتذرع بتلك الدعوي ليسلبني إياها ، وعهدي به متلمسا للظلم كل عذر .
ومن عجب أن يحدثنا التاريخ عن موت هذا الشاعر العذب النغمات وهو في ريعان الشباب ( في سن الثانية والثلاثين ( ضحية لنفس الظلم ، إذ قاده زعماء عهد الارهاب اثناء الثورة إلى المقصلة قبل انقضاء ذلك العهد بيومين اثنين ؛ وما شفع له دفاع عن الحرية ؛ ولا حرص على العدل ؛ فمات صائحا ويمينه على جبينه :
" آه : سأموت وما تزال هنا أشياء " .

