الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 158الرجوع إلى "الثقافة"

الحضارة البتراء

Share

بحث الاستاذ ريشة في كتابه ( العالم ) عن خصائص العلم والعلماء فوصف اخلاق العلماء ، وتكلم على فضائلهم وعيوبهم ، وقد قال في جملة ما قاله فيهم إنهم جبلوا من الطينة التي جبل منها البشر ، فهم مثل الخليفة كلها ، فهم من وفر حظه من العقل ، ومنهم من عرف بالبلاهة ، وفيهم جماعة بخلاء ، وفيهم جماعة يميلون إلى التبذير ، ومنهم اصحاب عفة في سيرتهم ، ومنهم من انحرف عن هذه الصفة ، وفيهم طائفة طائشة ، وفيهم طائفة هادئة ، ومنهم الثرثار ، ومنهم السكيت ، ومن العلماء من غلبت عليهم الكابة ، ومنهم من ملأهم الفرح والسرور .

والفصل الذي أفاض فيه " ريشة " هذه الإفاضة ، ودقق فيه هذا التدقيق اشبع فيه الكلام على فضائل العلماء وعيوبهم ، وأبرز هذه الفضائل توحي الحقيقة فقد اشربت قلوبهم محبة الحقيقة التى تشتمل عليها الأشياء ، وهذا ما يفصل بينهم وبين البشر ، ويجعلهم فوق الناس درجات ؛ فالتجرد والحد في العمل والاستقلال بالفكر والاستقامة من جملة فضائلهم ، ولكن إلى جنب ضياء هذه الفضائل تشتد ظلمة بعض العيوب ، كالحسد مثلا ، فانهم بشر مثل كثير من البشر ، فهم لا يستطيعون أن يرتاحوا إلي رؤية طائفة من النمم يغرق فيها رفقاؤهم ، فالفلكي يحسد الفلكي ، ولكن حسده للتباني أقل

إلا أنهم على الرغم من هذه العيوب يمثلون - علي نحو ما قال " ريشة " في خاتمة الفصل - أشرف شئ في النوع البشري . إنهم ليسوا بآلهة ، بيد أنهم يحبون محاسن الأمور ، ويتوخون أصدقها ، وينقبون عن حقائقها .

خطرت بيالي وأنا أقرأ هذا الفصل فكرة شاعت فينا كثيرا ، فقد نظن أن العلم يبدل من أخلاقنا ؛ ولكن الثابت من عصور الكهوف والغيران إلى عصرنا هذا ان العلم لم يهذب العواطف كل التهذيب ؛ فإذا كانت طبقة العلماء ، وهم في نظر " ريشة اشرف طبقة في النوع البشري ، قد استفاض فيها الحسد ونظيره من العيوب ، ولم يستطع علمهم ان ينزع هذا الحسد من قلوبهم ، فان طبقات الناس الباقية أعجز عن نزع هذا الحسد وأشكاله ؛ وما يقال في هذه الطبقات يقال في الأمم ، فان ما يتناهي إلينا في أيامنا هذه من وبلات التقتيل والتدمير ، والتحريق والتغريق ، أصح دليل على أن أخلاقنا لم يؤثر فيها العلم .

وإذا انحدرنا عن هذا الأفق ، أفق الويلات التي استنبطها العلم ، فتغلفلنا في عامة الناس ، وراقبنا ما شاع في هذه العامة ، من طمع لا ينقطع ، وتكالب على المادة لم يقع له مثيل في أيام السلم ، وانصراف إلى الغش لا نعرف له نظيرا - إذا راقبنا هذا كله فانا نخلص إلي نتيجة ثابتة ، أشد إيلاما من النتيجة الأولى . فإذا كان العلم لا زال ضعيف التأثير في تهذيب العواطف ، فان أكثر العامة لا تزال بعيدة عن الاستعداد للارتداع عما يردعها عنه الدين . على ان اكثر الذين بشتد طمعهم في مثل هذه الأيام ، أيام البؤس والشقاوة ، ويعظم ميلهم إلى الغش أو إلى الإفراط في طلب الربح ، يصلون ويصومون ويحجون ، ولكن صلاتهم لم تخفف من طمعهم ، وصيامهم لم يكفهم عن الغش ، وحجهم لم يدخل على قلوبهم يسيرا من الرحمة . فهل نستطيع بعد هذه الملاحظات الآلمة أن نقول : هل نفعنا العلم في أخلاقنا وغرائزنا ؟

لقد تولي الجواب عن هذا السؤال كاتب فرنسي ستر اسمه ، فقد نشر هذا الكاتب مقالا في جريدة

" الطان" في باريز سنة ١٩٢٣ ، واحتفظت به في حينه ، وهذه ترجمة هذا المقال البليغ :

" جهز العالم بكل ما يتمم نقصه من الأدوات والآلات ، فقد انشأ البشر المعامل والمرافئ ، ودور الحرب والمحاط والملاهي ، وبنوا القصور الشامخة ، وجروا العجل ووضعوا المدافع ، وقذفوا القذائف التى من شأنها استهلاكهم ، ومدنوا المدائن ، ومصروا الأمصار ؛ ولكنهم ماذا عملوا من اجلي نموهم وسعادتهم ؟ فقد ضاعف البشر سلاحهم المبيد ، فهل سكنوا ثورة الناس في استعمال هذا السلاح ؟ فما هي النسبة بين البرق اللاسلكى وبين العدل ؟ أم ما هي النسبة بين دور السينما وبين الفضيلة ، أو بين الصناعات وبين الجمال ؟ فهل قلل المسدس من مقادير الجرائم ؟ لا شك في أن البشرية أنشأت لها دارا جميلة ، ولكنها نسيت مدخنة هذه الدار !

" لقد وصل الدكتور " غستاف لوبون " في كتابه ) اختلال توازن العالم ( إلي هذه النتيجة التي أذكرها بنصها التى سمت مدارك البشر ، وعظمت مقادير عقولهم وأحلامهم ، فانك لا تجد لعواطفهم تبديلا ؛ فما استحكم فيهم في قديم الدهر من الحب والحسد والبغضاء مجانس لما استحكم فيهم في حديث الدهر . إن ملاحظه هذه ملائمة للسؤال الذي لا أنفك أسأله وهذا هو : هل عن محدثون ؟ لأن هذه الملاحظة نوضح لنا الاختلاف البليغ بين العقل والاخلاق ، فان من طرائف الأدب المصرى - الذي لا طريقة فيه - أن يبحث الأديب في خفايا الرجل الممدن عن حقيقة الرجل الوحشي ، ولا يصعب علينا ان نبين في هذا الشأن أن الفن لا يزال يعمل عملا مخالفا لما يعمله العلم ؛ فالعلم يلفتنا إلي الآتى ، والفن يرجع بنا إلي الماضي . ومن خصائص التآليف في هذا اليوم

اشتمالها على الكلام على الغريزة الخالدة الوحشية . فلو كان العقل يقود حقا هذا الحيوان الذي عرفه الفيلسوف اليوناني علي الوجه الآتي : ) حيوان عاقل ( لتمهدت لنا السبيل إلي الاستضاءة بضياء مدنيتنا ، فالذي يقود البشر في الحقيقة عواطفهم وأهواؤهم ومعتقداتهم وأوهامهم فان عمل الحواس فينا أعظم من عمل العقل ؛ وهذا السبب الذي من أجله مجد جماعة من نوابغ البشر في حطة من الأخلاق ، ونري رجالا انضجهم العلم قد أحرقوا المكتبات في الحرب العظمي الأخيرة .

" لقد انشأ الاختلاف الواقع بين العواطف والعقل في نفوس بعض الناس شيئا من القلق والاضطراب ، حتى ألقى الدكتور " غستاف لوبون " هذا السؤال : ماذا حدث إذا استمر العقل على النمو ، وظلت العواطف ثابتة لا تتغير ؟ أجل لقد سأل " لوبون عن مصير البشر : ماذا يحدث إذا كان العقل لا ينفك يهدي الناس المشربين محبة الحروب إلى استنباط ادوات التهديم والتخريب . فقد اصبحت العواصم عرضة للخراب في طرفة عين ؟

" لا شك في أن في ذلك خطبا جليلا يتوقف عليه مستقبل البشر بأجمعه

" من عادتنا أن نبجل العلماء ، ولا نخطئ في ذلك ؟ ولكن فلنعترف بأنهم لم يعملوا حتى اليوم عملا عظيما ، فقد اعتنوا بالأشكال المصورة على أوراقهم ، واهتموا بحركات النجوم التي تدور في السماء أو بالأجرام التي تسقط على الأرض ، وقد شغفهم النظر في الضياء والكهرباء وتراكيب الكيمياء وفي الطبيعيات والرياضيات ؛ وعلى الجملة فقد درسوا كل شئ في العالم ، ما خلا الرجل فلم يدرسوه . لقد كشفوا لنا الغطاء عن اسرار السماء ، ولكنهم لم يكشفوا لنا الغطاء عن أسرار القلب ، فقد شرعوا في دراسة ما هو سهل وبسيط ، وأرجأوا النظر فيما

هو صعب ومركب ، أي انهم أرجأوا النظر في سيرة البشر ؛ فالذي يسير البشر الأديان وعلوم الأخلاق ، ولم يسيرهم العلم ، لأن علم الرجل ، اي علم النفس ، لم ينشأ إلا من قريب

" فالحضارة لا تستند إلا إلي المخترعات العلمية ، فإنها تنشأ عن تطبيق العلم على حاجات البشر ، وحضارتنا لم تستطع أن تستخدم إلا العلم الذي تعلمناه ، أي علم الطبيعة الذي وصفته . إن حضارتنا بنت المهندسين والصناع ، لقد استخدمت قوانين الطبيعة والكيمياء ، ولكنها ماذا فعلت في قوانين العواطف والأهواء ؟ قدر المهندسون على بناء الآلات والمعامل ، فهل قدر رجال الدول علي إنشاء التعاهد على السلم ، ماذا نقول في المهندس الذي عقد جسرا ثم تهدم جسره ؟ ماذا تقول في رجال السياسة الذين ينشئون أثارا ثم تتلاشي هذه الآثار ؟ فالأول عنده علم ثابت ، والآخرون يخبطون في الأمور خبطا . لاشك في أن حياة المدن والأمم تتعلق بالسياسة ، ولا بد في السياسة من وجود الأحزاب . فهل نجد أحزابا في الحكمة الطبيعية والكيمياء والميخانيك وما شابه ذلك ؟ فمعني هذا كله أنه ليس في أفكارنا السياسية إلا عواطف وأهواء وتفضيل ، فليتحقق عندنا أنه لو استفاض علم النفس كما استفاض علم الطبيعة لما كان من الصعب تهدئة أوربة والعالم ؛ كما أنه ليس من الصعب عمل محرك من غاز ، ولما أمكن الجدال في مبادئ سياستنا وأخلاقنا أكثر من الجدال في مبادئ توازن الأجرام ؛ لو كان عندنا كل ذلك لكان تسيير الشعب مشبها لتسيير آلة من الآلات ؛ فالبشرية لم تعمل بعد بحكمة سقراط القائل للانسان : " اعرف نفسك ، إن البشر لا يعرفون أنفسهم ، ولهذا فانهم ينجحون كل النجاح في كل ما لا يتعلق بهم ، ويسيرون سيرة الصبيان في الذي

يتعلق بهم ، كلا ، لا يمكننا أن نقول إنا ممدنون ، ولو بعض التمدن ، لأن الذي ينقصنا إنما هو الجوهر !

فإذا واظبنا على مخادعة أنفسنا بمبلغ حضارتنا فإنا نلقي بالبشر إلى أجسم الخطوب ، أي إلي الحروب والثورات والإزم الاقتصادية والخلقية ، أجل إنما نلقيهم إلي شئ من الاضطراب العصبي ، وربما قدناهم إلي الموت ، على نحو ما يعرض لأنواع الحيوانات التي لا تلائم بيئتها .

فلنعرض عن زخرف الصناعة التي لا تؤدي في أكثر الأحايين إلا إلي تبديل حاجات طبيعية بحاجات صنعية !

ولتحتفظ بذوق الحياة المعنوية ، لتحتفظ بالمثل الأعلي ؟ فهما اللذان يستطيعان أن يسدا مسد العلم والطريقة !

ولنحرص خاصة - في جملة ما يحرص عليه من تقاليد الشعوب القديمة المهذبة - على الميراث الخفي العزيز الذي أصلحته تجاريب الدهور حتى أصبح هذا الميراث في عصرنا الميخانيكي علم البشر الوحيد ؛ فان مستقبل النوع الذي يتعرض لكثير من الاخطار المادية والمعنوية متوقف على ذلك . فلننظر في اعماق نفوسنا ، وهنا نجد شيئا من هذه الحضارة الحقيقية التي تقصينا عن كل ادوات هذا العصر

يفرغ المرء من هذا المقال والشؤم يحيط بنفسه من كل جانب . أفليس عجيبا أن لا يكون لحضارة هذا العصر على روعتها اثر بليغ في صقل الأخلاق وتهذيب الطبائع ؟ . كلا ، ليس في هذا كله شئ من العجب ، لأن الحضارة بنت العلم ، ولا صلة لنمو العلم بنضج الأخلاق ، فان لتربية الأخلاق أساليب غير الأساليب التي يجري عليها علماء الكيمياء وأضرابهم . فهل تهتدي بعد هذه الحرب إلي مذاهب حديثة تنضج بها أخلاقنا ؟

) دمشق (

اشترك في نشرتنا البريدية