الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 311الرجوع إلى "الرسالة"

الخرافة وأثرها في حياة العالم - عن محاضرة للورد، بونسونبي

Share

كل إنسان في هذه الحياة عرضة للخرافات والأوهام تلعب  دورها معه. ولا غرابة في ذلك فمنذ خرج من عالم الحيوان نظر  إلى ما حوله فنسب كل ما لا يستطيع فهمه إلى قوة خفية خارقة.  ويقال أن الإنسان ما زال على فطرته الأولى فهو يتعلق بالخيالات  ويتعشق الأوهام

ويبدو هذا صحيحاً إذا اعتبرنا ما يسود العالم من الخرافات  الآن. وقد اعتمدت الدعاية في العصر الحديث على خداع الإنسان  بمختلف الوسائل، ولم يخطئها النجاح إذ أن الإنسان بطبيعته  ميال عن الحق

وما زلنا نرى بين الناس من يعتقدون بالحسد ومن يعتقدون  بفكرة الجن والعفاريت. وقد رأيت في الفلاحين من يتشاءمون  من زراعة بعض النباتات. ويتشاءم كثير من الناس بكسر  المرآة أو بالمشي تحت السلم أو بجلوس ثلاثة عشر على المائدة.  وقد أصيب طفلي مرة بسعال ديكي مما يعتري الأطفال عادة،  وقد حاولت عجوز أن تشفيه من هذا المرض، فأحضرت ثلاث  شعرات من ذيل أتان وخاطتها في كيس ثم ربطتها في عنق الطفل

ومن حسن الحظ أنه شفى بعد ذلك

أما مسألة الحظوظ فلها دور كبير في حياتنا. ويلجأ المقامرون  إلى طرق غريبة لمطاردة الحظ السيئ. ويتشاءم الكثيرون لبعثرة  الملح، ولا يزول الحظ السيئ الذي يترتب على ذلك إلا إذا رميت  قليلاً من الملح من وراء كتفيك. وإذا ولد طفل يجب أن يصعد  به إلى أعلى السلم في الحال حتى يسير قدماً في الحياة ويرتقي معارج  الرقي والفلاح

وقد عرفنا في التاريخ كيف كان القساوسة ورجال الطب  يستغلون عقائد الإنسان التي من هذا القبيل، لاكتساب النفوذ  والقوة، وإذا كان سلطانهم قد ضعف في هذه الأيام، فمرجع  ذلك إلى انتشار العلم. على أن الإنسان ما زال ميالاً إلى أن يخدع  ويغرر به على الدوام

ولم يكن حظنا في بلاد الغرب في التخلص من تلك الخرافات  بأكثر من حظ الشرقيين، وقد ظهرت عقائد كثيرة في الولايات  المتحدة. وما زالت الأفكار الروحانية تلاقي نجاحاً في بلادنا.  على الرغم من الاضطراب والحيرة اللذين يسودان العالم

وقد اعترف لي طبيب فرنسي بأنه كان يعطي مرضاه حبوباً  مصنوعة من مادة الخبز وكانوا ينالون الشفاء باستعمالها لمجرد الاعتقاد.  ويقول بعض الأطباء إن بعض القرويين يتأثرون لغياب الدواء  عنهم فيعطيهم الطبيب ماء ملوناً، فيقبلون عليه في غالب الأحيان  ولو أنه لا يجديهم شيئاً

وقد انتشرت الميول الروحية بعد الحرب العظمى لما نال العالم  من الأشجان والآلام بسببها فهي تتجر بعواطف الإنسان ومخاوفه  والأحزان التي تخامر فؤاده على من فقد من الأهل والخلان

إنني أتنبأ بما سيكون للمذياع من الأثر في إخضاع الأمم  فإذا ظهرت أزمة سياسية فسوف تقهر على سماع ناحية واحدة من  نواحي الموضوع. وأنت موقن بأنه لا يوجد شر محض كما لا يوجد  خير محض؛ ولكن رجال السياسة يمزجون الحق بالباطل لينالوا  قوة الإقناع. وهم لا يحتاجون إلى كثير من العناء، ليحرزوا  الفوز في ذلك الميدان الذي تعبد وتوطد مع التاريخ، فيسيرون  قدماً في طريقهم لإقناعنا بأشياء لا قاعدة ولا أصل لها. ولا جرم  فقوتهم مستمدة من الضعف الكامن في نفوسنا

إن مثل هذه الأمور لا تدرك بازدياد الثقافة، ولكنها تفهم  بنمو الذكاء

اشترك في نشرتنا البريدية