الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 159الرجوع إلى "الثقافة"

الخشب

Share

                      - ١ - من الناس من يقسم النباتات من حيث شكلها الخارجي إلى أقسام ثلاثة : هي الأشجار والشجيرات والأعشاب ، وتعتبر الأشجار المصدر الرئيسي لجميع الأخشاب المستعملة في الصناعة .

لذلك كان طبيعيا أن تلعب الأشجار دوراً هاماً في الحياة العامة ، بغاير ذلك الذي تقوم به الأعشاب والنباتات الأخرى التي تستعمل غالبا كخضراوات .

ولعلنا جميعا نعرف هذه الطبقات الخشبية التي نراها فيما نستعمله من أثاث وما تراه من أخشاب أو فروع من أشجار . فقد تكونت هذه الطبقات طبقة بعد طبقة أو حلقة بعد أخري . وتدل الوسطى منها على حال الشجرة عندما كانت بادرة صغيرة أو شجيرة ضئيلة . ثم توالت عليها الأعوام التي تدل عليها هذه الحلقات . ولو تصورنا إمكان فصل بعضها عن بعض لحصلنا على حلقات تكاد تكون منتظمة سمكا ، ولكنها تتسع كلما بعدنا عن المركز ، أي أن قطرها بزداد كلما قربنا من المحيط الخارجي ( شكل ١)

وهي تقل عددا كلما قربنا من قمة الشجرة أو الفرع ، فكان الخشب يضاف كل عام في دوائر مركزية تكاد

تكون منتظمة ، ولكنها بالنسبة لطول الشجرة تمثل مخروطاً رأسه عند قمة الشجرة ( شكل ٢).

     فإذا فحصنا قطاعا عرضيا في جذع شجرة عمرها مائة عام مثلا ، فاننا نجد بها حلقات عددها مائة ، ويكون عمر الحلقة المركزية مائة عام ، أما الحلقة التالية فقد عمرت تسعة وتسعين عاما ، وهكذا ؛ أما الأفرع الطرفية

فأنها صغيرة . وتنتج الشجرة أجيالاً متعاقبة من الأوراق ، هي التي يهئ لها الغذاء ، وتمدها به لتكون منه الأنسجة والخلايا الجديدة التي يعتبر الخشب من أهمها ، حيث هو الموصل الرئيس الماء والأملاح وفي بعض الأشجار يفقد الخشب المركزي وظيفته في نقل العصارة ، حيث تمتلئ أوعيته بمواد صمغية وراتنجية وغيرها تسبب سدها . ويسمى مثل هذا الخشب بالخشب " الصميمي " ويكون لونه أدكن أقتم بالنسبة للخشب الذي يحيط به من الخارج والذي يحتفظ بوظيفته ، ويسمى بالخشب " الرخو " ( شكل ٣)

   ويعتبر الخشب الصميمي أشد متانة وصلابة وأكثر قوة ؛ وذلك لأنه مكون أغلب الأمر من أوعية وألياف مصمتة وفي كثير من الحالات لا يمكن التمييز بين الخشب

الصميمي والرخو ، فيكون الخشب كله آشذ رخواً

ويحيط بالخشب طبقة أو ( طبقات ) من خلايا إنشائية حية ، تحتفظ بحيويتها ونشاطها دائمة الانقسام ، هي التي تزيد في سمك الشجرة سنة بعد أخري ؛ ويلي ذلك اللحاء ويختص بنقل العصارة التي تجهزها الأوراق لتغذية الأعضاء والأجزاء المختلفة . و تخترق الطبقات الخشبية في اتجاه نصف القطر صفوف من خلايا رقيقة  الجدر تسمى بالأشعة النخاعية ، وظيفتها نقل عناصر التغذية في هذا الاتجاه ويحيط بذلك كله ما تراه من " قلف " يتكون من خلايا جدرها مبطنة بمواد فلينية غير منفذه تحمي الطبقات الداخلية جميعا وتمنع تبخر الماء.

وتكون خلايا الخشب في أول الأمر ذات جدر سليلوزية عادية ، إلا أنه سرعان ما تترسب عليها مواد أخري مثل " اللجنين " نضيف إلي قوتها ومتانتها ، ولكنها تبقي عاملة على رفع العصارة وتوصيلها بين أجزاء النبات وكلما ابتعدنا عن الغلف تضائلت قدرة خلايا الخشب علي توصيل الماء وامتصاص جدرها له . ويضاف الخشب عادة في موسمين : هما الربيع والصيف .

وعند تقطيع الشجرة إلي ألواح طويلة ، يكون اللوح الخارجي عبارة عن قشرة القلف المقوسة ، بداخلها قليل من الخشب الرخو ، ويكون اللوح الذي يليه عبارة عن شريط من الخشب الصميمي علي جانبيه الخشب الرخو . ويزيد هذا الجزء من الخشب الصميمي كلما قربنا من مركز جذع الشجرة . كما أننا نلاحظ أن الخطوط التي تميز مخروطاً عن آخر هي الحلقات السنوية ، وهي تبدو متوازية كلما بعدنا عن القمة .

ولذلك فان القطاعات المختلفة الاتجاه تعطى للخشب تعريفاً وتجزيعاً مختلفاً حسب اتجاه القطاع وترتيب الحلقات السنوية والأشعة النخاعية . فالقطاع الطولي المركزي

( القطري ) يختلف عن القطاع الطولي الجانبي ، وهما يغايران بطبيعة الحال القطاع العرضي ( شكل ٤).

وتنجلى هذه الحقيقة بوضوح بالتأمل في القطاعات ( شكل 5 ) في خشب البلوط ، فالأول ( أ ) قطاع عرضي في جذع الشجرة ، والثاني ( ب ) قطاع طولي مار بالمركز والثالث ( ج ) قطاع طولي جانبي .

وينذر أن يتشابه أو يتماثل لوحان من الخشب تمام التماثل في التجزيع ،، وذلك لكثرة العوامل التي تؤثر في شكله وترتيبه.

كذلك لا ينبغي أن ننسى أثر الجو والبيئة في شكل الخشب وتركيبه ، وذلك لما لهذين من أثر في تكوين الحلقات السنوية ، ونشاط الطبقة الإنشائية ، وتكوين الخشبين الربيعي والصيفي.

ومن الصفات الهامة التي تتفاضل بها الأخشاب المختلفة ، سمك الحلقة السنوية ، أى كمية الخشب التي تضيفها الشجرة كل سنة ، ففي بعض الأشجار تكون هذه الأضافة طفيفة لا تكاد تبين . إذ أنها قد لا تجاوز المليمتر الواحد سنوياً في بعض الأشجار ، على حين أنها تجاوز الاثني عشر مليمتراً في أشجار أخري . وقد تكون الشجرتان من فصيلة واحدة ، بل ومن جنس واحد ، ومع ذلك فان سمك الحلقة السنوية يتباين فيهما إلي هذا الحد الذي ذكرت .

وهناك صفة أخري لا تقل عن سابقتها أهمية واعتباراً . وهي تتخذ لتمييز أنواع الخشب بعضها من بعض ؛ تلك هي الحد الفاصل بين حلقة وأخرى ، فقد يكون هذا الحد منتظما أو متعرجاً أو مسفناً أو متموجاً . وقد يكون عبارة عن طبقة رقيقة من الخشب الصيفى ذي العناصر الضيقة المتكائفة .

وفي بعض الأشجار كما في الصنوبر يكون التمييز بين خشب الصيف الداكن وخشب الربيع الفاتح واضحاً جداً ؛ وذلك للفرق الكبير في اللون والمظهر والتركيب وفي بعض الأحوال لا يكاد يوجد هذا الفاصل المميز . وعلى كل فان هذه الصفة أساسية جداً لمعرفة الأنواع المختلفة من الخشب . بل إن بعض العلماء والإخصائيين يتخذ من هذه الصفة قاعدته التي لا تخيب في تمييز أصناف الخشب .

ومن الأخشاب الجميلة نوع يسمي " هوبوبالى " (١) من الفصيلة البقولية تنمو أشجاره في غيانا البريطانية . به هذه الحلقات الداكنة متموجة على صورة بديعة ، حيث تتعشق

قمة الموجة في واحدة مع بطن موجة أخري في الحلقة التي تليها ، فتتلاقى الحلقات وتتباعد على صورة آية في الإبداع .

وفي نوع من خشب الكافور يوجد مثل هذا التعرق الجميل ، الذي يكسب الخشب رونقاً أخاذاً ، ولكنه في هذه الحالة نتيجة ترتيب الحلقات السنوية الخشبية نفسها .

و بدراسة قطاعات مختلفة في الشجرة ، يمكن معرفة كل صفات الخشب ومميزاته ؛ ويعتبر القطاع الطولى المار بمركز الشجرة من أهم القطاعات التي تجب دراستها .

فهو يوضح الصفات التي قد تخفى في القطاعات الأخرى ؛ ويسمى تعرق الألواح المركزية بالتعرق الفضى ، فهو يعطي تموجات جميلة ، وتكون الألواح المركزية ثمينة غالية ، يعتز بها التاجر ، ويشدد في طلبها الهاوى ، وفيها يكون توزيع الاشعة النخاعية منتظما ، مما يزيد في رونق الخشب وجماله .

ومن الصفات الأخري ذات الأهمية في تمييز أنواع الخشب هذه الخلايا الرقيقة التي تكون محيطة بأوعيته . فالمعروف أن الأوعية تكون كثيرة متسعة في الخشب الربيعى ، وهي قليلة ضيقة في الخشب الصيفى ؛ وفي كلتا

الحالتين تتجمع حول الوعاء بصور مختلفة هذه الخلايا الرقيقة الجدر فقد تكون مغزلية او مخروطية الشكل ، مما يجعل لتوزيعها أثرا واضحاً على تعرف الخشب و تجزيعه ، إذ أنها تكون متميزة الشكل وسط الألياف الخشبية .

وكلما تقدمت الشجرة في العمر ازدادت حجوم خلاياها وأوعيتها ؛ فهي تكبر حلقة بعد أخرى ، أي سنة بعد سنة ؛ فتكون الأوعية والخلايا الضيقة بالقرب من مركز الشجرة ، كما تكون تلك التى تقرب من الغلف واسعة ، فهي تتدرج في الاتساع من المركز إلي السطح الخارجى . وعلي ذلك فإن اللوح الخشبى الواحد يكون واسع التعرق في بعض أجزائه ، ضيقه في بعضه الآخر . وإذا كان اللوح غير مار بالمركز ولكنه جانبى قريب من السطح فان تعرقه يكون منتظما إلى حد كبير

على أن هذا الاطراد في الزيادة في حجم وسعة الخلايا والأوعية يقف عند سن معينة ؛ كما أن هذه الزيادة تكون واضحة جداً في بعض الأشجار دون غيرها كما في البلوط . وعندما تقف هذه الزيادة عند حد يقال للشجرة إنها قد نضجت ويكون الخشب الناتج قوى الاحتمال شديد التماسك ؛ وهي صفات تهم التاجر والصانع ، لأن الأوعية والخلايا إن هي إلا ثقوب بالنسبة للجدر الخشبية التي تحوطها ، فكلما زادت حجوم هذه الثقوب وازداد عددها ، نقصت كمية الخشب ، وبالتالي قل وزنه وتضائلت قوة احتماله .

ففي الشجرة الحديثة العمر تكون نسبة الأوعية إلي الآلياف الخشبية كبيرة نسبياً ؛ أما في الشجرة الكبيرة الناضجة فإن نسبة الألياف الخشبية تزيد كثيراً جداً على الثقوب التي تحتل مساحة ضيقة . وكلما قلت هذه المساحة حسن نوع الخشب ، وزادت كثافته النوعية ، وكان أكثر صلابة ومتانة . وفي أخشاب الصنوبر حيث لا تكاد توجد هذه الأوعية ( الثقوب ) تكون عناصر الخشب ضيقة متماسكة متكاتفة .

ويمكن تقدير عمر الشجرة عن طريق عد الحلقات

السنوية التى تبتدى في القطاع العرضى ولكن في حالات قليلة قد يكون عدد الحلقات أقل أو أكثر قليلا من العمر الحقيقى للشجرة . كما لو أصابت الشجرة آفة حشرية أزالت أوراقها فلا تتكون الحلقة . وفي بعض الأحيان قد يحدث ذلك بعد تكوين الحلقة السنوية ، ثم تتكون أوراق جديدة فتتكون حلقة اخري في نفس السنة ؛ وعلي ذلك تتكون حلقتان في سنة واحدة . وقد قدمنا أن هذا النظام الحلقى قد يكون أكثر وضوحا وتمييزاً في بعض الأشجار عنه في غيرها . كما أن التمييز إلي خشب صميمي وآخر رخو ليس واضحاً تماماً في جميع أنواع الأشجار ؛ فان منها ما لا يكاد الفرق بينهما بيين ، وذلك كما في الزان وغيره . وفي بعض الحالات يكون التمييز واضحاً بدرجة عظيمة كما في خشب الأبنوس ، وذلك حيث الخشب الرخو أبيض والصميمى أسود .

ولشكل النخاع تأثير كبير علي شكل الحلقات السنوية ؛ فالنخاع في البلوط مخمس الشكل أو ذو خمسة فصوص ، ولذلك فاننا نري الحلقات القريبة منه مخمسة هي الآخرى . ولابد أن يمضي غير قليل من السنين قبل أن تستدير الحلقات وتنتظم ، ولا تعود تتأثر بشكل النخاع .

وفي بعض الأنواع تحتفظ الحلقات السنوية بتعرجها تبعا لشكل النخاع ، بل إن هذا التعرج يزداد على الأيام والسنين بدلا من أن تنتظم الحلقات ، ويتلاشى ما بها من اعوجاج وانحناء . بل إن القلف نفسه ليتأثر تبعاً لشكل الحلقات ، وإن بدا أملس منتظما من الخارج . إلا أنه يكون متموجا مع الحلقات من الداخل ، فيغلظ عند بطن الموجة ، وبرق عند قمة الموجة في الحلقة .

وكثيراً ما تساعد صفات القلف على تعيين نوع الخشب ، بل إنها في بعض الحالات هي الحكم الفصل . فهناك نوعان من خشب الكافود ، لا يكاد يتميز أحدهما عن الآخر إلا بشكل الغلف ؛ فلأحدهما قلف جاف خشن متشقق وللآخر أدمة ناعمة ملساء ؛ ولن يستطيع

الفحص المجهري أن يحقق فارقا آخر بين الخشبين . علي أنه ينبغي أن نلاحظ أن شكل القلف ومظهره يختلف على الجذع عنه على الأفرع الحديثة ، حيث تتميز العديسات وهي منافذ التهوية . وكثير من الأشجار بتساقط قلفها ويغدو الخشب عاريا ، وفي بعض الحالات يبقى القلف لاصقا بالخشب ، وهو على أي حال يطبع على الخشب علامات كثيرا ما تساعد على تمييز نوعه وصنفه .

وقد تأوي الحشرات إلي قلف الأشجار لتضع بيضها وتربي يرقاتها ، وبعضها يثقب الخشب مكوناً حفراً مختلفة الأشكال والحجوم . وتري هذه الحفر واضحة في كثير من الأخشاب كالأبنوس وغيره وبعض

الحشرات لا يتعدى الطبقات السطحية الحديثة من الخشب ، وهي تلك التي تلي القلف . ولما كانت هذه الأجزاء التي تغزوها الحشرات محتفظة - ما تزال - بحيويتها ونشاطها ، فان هذه الثقوب تملأ بخلايا هشة سمراء ، وقد يكونها نسيج إنشائى جديدة . ومن الغريب أن هناك حالة من النوعية أو التآلف بين بعض الحشرات وبعض الأشجار ، أي أن من الحشرات ما يهاجم أشجارا بذاتها ، ويصنع بها ثقوبا ذات شكل خاص ؛ فيكون شكل الثقب ، مع وجود دور من أدوار الحشرة ، مرجحا - وفي بعض الحالات جازما - في الدلالة على نوع الخشب .

( له بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية