مترجمة عن الإنجليزية
كانت المرأة تسير في طريقها إلى منزلها وهي تتمتم : " الصفح ! الصفح ! ماذا يفيد كلام القس عن الصفح ؟ كيف يمكننى أن أصفح ؟ إن هذا يعني أن المرء قد فقد عقله ، وان الذاكرة لا تعي حوادث الماضي ولا تحمل من ذكرياته شيئا ، إن هذا لا يكون بغير عقل جديد ، كيف يكون الصفح ممكنا إذا كان النسيان مستحيلا ؟ " كانت والدة بيرو - هكذا كانوا يدعونها في القرية ، وكانت هي فخورا بذلك - عائدة من الكنيسة ، وقد اعترفت للقس في الصباح انها كلما رات مرجريت أرملة سكرتير المجلس المحلى ، تولاها شعور غريب وملكها الغيظ ، كانت تشعر برغبة جنونية في الفتك بها ، عقابا على ما انزلته بها من مصائب في الماضي
أبدي القس دهشته في ألم ، وعجب للعداء المستحكم بين المرأتين ، ألا زالت تذكر ذلك الماضي البعيد ؟ ألا تزال مشاحنات الطفولة مع بنات جنسها عالقة بذهنها افلا تقنع نفسها بالنسيان والصفح عن غريمتها القديمة بدلا من التحدث من كيف أفسدت عليها حياتها ؟ كان الاحري بها ان تنسي وتصفح ولكن والدة بيرو أحست أنها لم تقدر على هذا . إنها لم تكن مجرد مشاحنة بين البنات اصبحت في حكم النسبة كما يقول القس ، لقد أفسدت عليها حياتها إلي الأبد
كان حلما بالحب كتمته طويلا ، وتحقق حلمها ، كانت القرية كلها تعرف مقدار سعادتها ، وكانوا يحسدونها على تلك السعادة . وتبددت كل الشكوك ؛ لم يكن حبهما تشوبه شائبة ؛ كانت الحياة رائعة ، والشمس دافئة ، والربيع غني بزهوره ، والطيور تفرد على اغصانها
ونسيم الليل هاديء عليل . كان إيمانها بالحياة وبما بعد الحياة غيره الآن . إنها تذكر ذلك الوقت ، ويخيل إليها انها كانت في عالم آخر . ثم ما لبثت مرجريت أن قلبت أمالها رأسا على عقب ، ماذا فعلت مع خطيب زميلتها في الطفولة ؟ بأي وسيلة امكنها أن تجذبه إليها بتلك السرعة ، وتستبقية لنفسها مدى الحياة ؟ كيف جعلته يتنحي عن وعده ويهجر الفتاة التي اقسم على حبها إلي الأبد ؟ أصبح الخجل المؤلم والشعور بالذلة ملازمين المسكينة ؛ إنها تذكر كل شئ ، كان الأمر لم يعد ابن البارحة.
ولقد مرت بها تجارب كثيرة بعد ذلك فذاقت مرارة الحياة ، ولكن الله حباها أمومة سعيدة . كان ولدها بيرو الذكي المجد يرفه عنها ويجلب لها السرور دائما ، ومع ذلك لم يكن هناك من شئ ليسد تلك الثلمة او يخفف من شعورها بالذلة والألم الممض
لقد أصبحت مرجريت أرملة ، ومع ذلك لم يكن هذا في نظر والدة بيرو عقابا كافيا ، كانت تشعر أن مرجريت لم تحب الرجل الذي تنازعتا من أجله كما كانت تحبه هي لو كان لها ولما مات الرجل لم تكن فجيعة مرجريت فيه لتعادل الصدمة التى تلقتها والدة بيرو عندما فقدت حبه . وعلى هذا تري ماذا كان شعورها عندما مرنعش الرجل الذي لو كان لها لأحبته إلى الأبد ؛ هل اغرورقت عيناها بالدموع ، هل تولاها الفزع والهلع ؟ إنها كانت تنظر من النافذة بعيون جافة ، لم ترتعش ، ولم تقشعر ؛ والواقع انها كانت مسرورة وهذه حقيقة لا تعترف بها حتى لنفسها ، لتعلم انه قد مات ، وانتزع من بين يدى عدوتها . وتجهمت لها الحياة مرة اخرى ؛ ولعل القدر أبي إلا معاقبتها على أفكارها الآثمة ، فانتزع منها أكثر مما انتزع من الأخرى ، إن مرجريت فقدت زوجا لم تكن
لتحبة . اما هي ، فها هو القدر يسطو علي ابنها العزيز بيرو ، إنه ذاهب إلى النار ، إلى الحرب . إن وحيدها ذاهب إلى ميدان القتال . اما الاخري فيسبب انها أرملة فهي تنعم بقرب ابنها .
مرت والدة بيرو على منزل مرجريت ، كما تفعل كل يوم في طريقها من الكنيسة إلى المنزل . وفي القري الصغيرة تعلق الذكريات بحياة الناس اكثر من المدن : فالحياة تسير على وتيرة واحدة لا سبيل إلي تجنبها ، وهذا لا يساعد على اندمال الجرح بفعل النسيان . إن العين تقع على الشئ أكثر من مرة ، والفكر بتكرر ، كل يوم يمر يزداد الشعور بالحب أو بالكراهية .
ألقت والدة بيرو نظرة سريعة على باب غريمتها . كانت هناك حركة غير عادية في حجرة الدور الأرضي لقد كانت مرجريت مشغولة بترتيب بعض الثياب في حقيبة ، ومضت والدة بيرو في طريقها كمن لا يعنيها الأمر ؛ ولكن الواقع أنها ألقت نظرة سريعة ، بدافع من فضولها لتعرف من الذاهب . لقد كان من الجلى أن هناك من يستعد للرحيل . وبعد قليل اكتشفت الأمر : إنها سمعت الصيدلي يخير الحلاق أنه في مساء اليوم السابق وصلت الاوامر بالتلغراف لابن مرجريت بأن يقدم نفسه في الحال للسلطة العسكرية المحلية . قال الحلاق وقد أدهشه الخبر : " حتى ولو كان الابن الوحيد لأرملة ؟ " فأجاب الصيدلي باقتضاب : " الأحوال الاستثنائية تستلزم إجراآت استثنائية " . لم تعارب والدة بيرو لسماع تلك الأخبار . قد يكون هذا بتأثير كلمات القس ، لقد بدأت تشعر بأثر تلك الكلمات ولو انها لم تكن ترغب في سماعها . ولأول مرة من يوم أن طلع نجمها السئ ، أمكنها أن تشعر نحو غريمتها شعورا غير الحقد والمرارة . فهتفت : يا لها من مسكينة إنه حزن رهيب يثير عطف كل من
قاساه بنفسه ، وهي تعرف ذلك جيدا . إنه اشد الاحزان جميعا ؛ خوف مروع ، وشكوك معذبه والهلع الشديد من تصور ما قد يحدث بسبب الألم ، وكأنما النكبة قد وقعت فعلا
وكان ان رحل ابن مرجريت ، وخدعت امه نفسها يتصورها انه إنما ذهب للكشف عليه فقط . انتظرت أياما دون جدوي ، ثم جاءتها الأخبار بأن ابنها قد التحق بفرقته . وبعد مضي ثلاثة اسابيع تسلمت والدة بيرو خطابا من ابنها يقول فيه : " إن ابن مرجريت قد التحق بنفس الفرقة التي هو فيها ، ولما كانا ابني قرية واحدة فان الصداقة قد توطدت بينهما .
ذهبت المراة للقس وقدمت له الخطاب ، وطلبت منه ان يطلع مرجريت عليه . تأثر القس وابتسم . لقد بدأت نفسي ، ومن ثم تصفح . ولم تصدق مرجريت والدة بيرو ، ولكنها لما قرات الخطاب وضح لها كل شئ . ابنان نشأت بينهما الصداقة وهما في خطر متماثل ، وأمان تقاطعتا لتنافسهما في حب رجل واحد . سألها القس : هل لديك ما اقوله لها ؟ " فأجابت : " بلغها جزيل شكري وليبارك الله الابنين " .
ومن ذلك اليوم زالت الكراهة من نفس الغريمتين . لم تكن الواحدة لتحيي الآخر إذا قابلتها مصادفة في الطريق ، ولكنها كانت تسألها عن اخبار ابنها ، وتقابل إجابتها بالشكر . وكانتا ترتقبان اليوم ، ولم يكن ببعيد ، حين يعود ابناهما لقضاء الأجازة . كانتا تشعران أنهما ستتصافحان يوما ما ، بفضل ولديهما ، في شعور واحد بالألم والشك ، وتلتقي الأيدي التي طالما حاربت في الصغر لاقتطاف زهرة السعادة . كانتنا تنتظران هذا ، ولكن لم تتحدثا عنه كانت الواحدة تشعر أنها تدنو من الأخرى ، ولكنها لم تقدم - بسبب شعور غريب بالخجل - مع
أنها تعلم أنها ستفعله فيما بعد ولكن الولدين لم يحضرا . لقد اوقفت كل الاجازات بالنسبة للحالة الحربية ، لم يكن من الممكن ان يغادر رجل خندقه قبل أن تنجلي المعركة .
وأخيرا جاء إلي مرجريت خطاب من ابنها جاء فيه : " لقد حانت ساعة العمل . إما ان يحركونا او نحركهم ، لقد تعاهدت انا وبيرو علي ان تظل سويا مهما حدث . لا تقلقي ، تبع هذا الخطاب صمت قاتل ، صمت تعرفه النفوس التي مر بها مثل هذا الألم الصامت . كيف تستفسران ؟ كيف تعرفان مجري الحوادث ؟ شعرنا انهما أمام تمثال صامت ، عبثا محاولان ان نفوزا منه بشئ ، حتى بصدي أصواتهما المتوسلة
أصبحت المرأتان متلازمتين ، كانت الواحدة تجري وراء الأخرى . لم تكونا سوى شك واحد في قلبين ، آلام واحدة في جسمين ، اشباح لا روح فيها كان الحاضر المرعب ماثلا أمامهما ، اكثر غموضا من المستقبل الذي لم ينبثق فجره بعد . هل لقي الولدان حتفهما ؟ هل سيظل مكانهما على المائدة خاليا إلي الأبد ؟ او هل تفاجأ الأم المعذبة بصوت جميل ينادي : أماه ! أماه !
وصلتهما برقيتان : بيرو مفقود ، وابن مرجريت مفقود ، وهكذا تحدد الشك القاتل . الأمان شريكتان في الحزن ، وهكذا اصبحنا صديقتين . أما سكان القرية فقد بداوا ينسون ، وكان الولدان في اعتقادهم في عداد الأموات . وما فائدة القلق بالأمل الكاذب ؟ لقد مرت شهور ، ولو كان الابنان على قيد الحياة ما شقي عليهما ان يرسلا اخبارهما حتى عن طريق الاسري والجرحى . على ان الامين لم تنفقا الامل ، ولم يكن في إمكانهما ان تستسلما اليأس طالما كانتا على قيد الحياة ، وكانت الواحدة تنقص على الأخرى قصصا غريبة عن اختفاء رجال اعتبروا في عداد
الأموات ، ولكنهم ظهروا فجأة . وكانت الأخرى تصدق ، ولم تكن لتقوي على عدم التصديق .
ولكن كل أم كانت حزينة على نفسها أكثر من الأخرى . عندما تفكر في عودة ابن زميلتها دون ابنها ، تنبعث من اعماق قلبها غيرة قاتلة . ولولا أن فاجعتهما كانت واحدة ، لتولدت البغضاء بينهما من جديد . وبرغم انهما انقطعنا عن عد السنين والشهور ، إلا انهما انتظرتا . واخيرا انتهت الحرب ، وعاد الجنود والأسري ، وانبعث الامل في صدري المراتين مرة اخرى . وتجدد الشك وتجدد الاستفسار دون جدوي . واخيرا تجدد الصمت القاتل مرة اخري.
انبثثق شعاع جديد من الامل . حمل جثمان الجندي المجهول بكل إجلال واحترام إلي العاصمة . كل أم لم تعرف مصير ابنها ، عرفت في الجندي المجهول ولدها كانت كل ام تحمل في قلبها اليقين ان الجندي الذي مات تلك الموتة الشريفة ، لا بد ان يكون ابيها ، وفي هذا تخفيف الحصاب
كانت كل أم تشعر أن الجندي المجهول ، وهو يحمل إلي مقره الأخير بفخار ، لابد ان يكون ابنها ، وكانت تعتقد أن الأخري تقاسي آلام الوهم .
كانت تري ابنها في شخص الجندي المجهول ، يحتفل به احتفالا شعبيا ، فكانت تعزي الآخرى في ابنها المفقود كانت تعطف على الآخرى إلي أقصى حد لم تذرفا الدمع لحزنهما المشترك ، كانت تعتقد أن مصاب زميلتها لن يعوض ، بينما مصابها هي قد خفف فيها ، ولم تفكر في غير تعزية الأخرى .
وهكذا فرق بينهما التنافس في الحب ، ثم جمع بينهما الحزن المشترك ، ولعب الخيال دوره في تعزيز الصداقة بينهما . .

