لم يكن للدعاية شأن ما فى السياسة الدولية منذ ثلاثين عاما ، بل إن اسمها لم يكن من الألفاظ التى تجرى على ألسنة الساسة فى ذلك الوقت . أما الآن فكلمة الدعاية أوسع الكلمات انتشارا فى الصحف والكتب والأحاديث التى تبحث فى الشئون الدولية ، والناس كلهم يقرون بعظم شأنها ، سواء رضوا عنها أو كرهوها ، وقد أخذت كل حكومات العالم تهتم بها اهتماما آخذا فى الازدياد على مر الأيام .
والدعاية هى الأداة الحديثة للسيطرة على الآراء ، وهذه السيطرة من ضرورات الحكم لازمة له لزوم السيطرة على القوة الحربية والقوة الاقتصادية . وكان عدد الذين يهتم رجال الحكم والزعماء السياسيون فى الماضى القريب بالسيطرة على آرائهم أو التأثير فيها قليلا ، وكانوا
فى الغالب طائفة بلغت من الثقافة والعلم درجة كبيرة ، وكانت تربطهم برجال الحكم والزعماء روابط المصلحة ، وكذلك كانت وسائل إقناعهم أو السيطرة على آرائهم قليلة محدودة .
أما الآن فللرأى العام شأن عظيم فى جميع الحكومات وقد اتسعت دائرة هذا الرأى العام فى البلاد المتمدنة حتى صار يشمل معظم السكان ؛ ومن هنا كان اهتمام الحكومات بإقناعه وتوجيهه والسيطرة عليه ؛ والحكومات الدمقراطية والدكتاتورية كلها فى ذلك سواء .
لكن موقف الحكومات الدمقراطية من الرأى العام ، وموقف الحكومات الدكتاتورية منه يختلفان من الوجهة النظرية على الأقل كل الاختلاف . فالدمقراطيات من الوجهة النظرية تسير وراء الرأى العام ، فهو مرشدها
وهاديها . أما الدكتاتوريات فتضع له ما تشاء من عقائد وآراء ، ثم تلزمه باعتناقها . على أن الفرق ليس واضحا هذا الوضوح كله من الوجهة العملية ؛ فالدمقراطيات أو الجماعات التى تسيطر على الحكم فيها ليست مبرأة من الوسائل التى تصوغ بها آراء الجماهير وتوجهها ، ولذلك ترى الدعاة والاشتراكيين - سواء منهم الشيوعيون والفاشيون - يسخرون على الدوام من ذلك المظهر الخادع ، مظهر حرية الرأى المزعومة فى البلاد الدمقراطية ؛ ومهما يكن من صحة هذا الادعاء أو كذبه فإن ثمة فارقا أساسيا بين موقف الحكومات الدمقراطية وموقف الحكومات الدكتاتورية من الرأى العام ؛ وقد يكون هذا الفارق الأساسى عاملا عظيم الخطر فى أوقات الأزمات . على أن النوعين متفقان فيما للرأى العام من أهمية عظمى وأثر كبير .
وكانت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية التى رفعت من خطر الرأى العام هى نفسها التى أوجدت الوسائل الحديثة ذات الأثر البالغ الواسع المدى التى تمكن الحكومات من تشكيله وتوجيهه ؛ والتعليم العام أقدم هذه الوسائل كلها ، وقد يكون أقواها حتى الآن ، رغم هذا القدم ؛ ذلك أن الحكومات التى تعلم الشعب هى التى تعين له بطبيعة الحال ما يجب أن يتعلمه ؛ وما من دولة تسمح لأبنائها أن يتلقوا على يدها تعليما يناقض المبادىء التى يقوم عليها كيانها ؛ فالطفل فى الدمقراطيات يتعلم كيف يقدر الحريات الدمقراطية ، وهو فى الدول الدكتاتورية يتعلم كيف يعجب بقوة الدكتاتوريات وحسن نظامها ، وهو فى كلتيهما يلقن احترام تقاليد بلاده وعقائدها ونظمها ، والإيمان بأن هذه البلاد خير بلاد العالم على الإطلاق ؛ ولهذا التعليم الأول أثر بالغ فى تشكيل نفوس أبناء الأمة ؛ وكل بلد فى العالم يدرك الآن ماله من خطر عظيم فى إدماج طوائف الأمة بعضها ببعض وجعلها كلها جماعة واحدة متجانسة .
ذلك هو شأن التعليم . ولكننا إذا ذكرنا الدعاية فى هذه الأيام ذكرنا معها أولا تلك الوسائل الأخرى التى يقف وجودها على التعليم ، ونعنى بها الاذاعة والخيالة والصحافة ، وهى الوسائل التى أوجدت الدعاية فى شكلها الحاضر .
الدعاية سلاح من أسلحة الحرب :
لم تتخذ الدعاية سلاحا من أسلحة الحرب والسياسة الخارجية ، ولم تستخدم فى هذين الغرضين استخداما منظما إلا فى الثلاثة العقود الأخيرة . وإن كان فى وسعنا مع ذلك أن نجد قبل عام ١٩١٤ حالات فردية استخدمت فيها الحكومات الدعاية فى العلاقات الدولية .
فلما قامت الحرب الكبرى فى عام ١٩١٤ أدرك المتحاربون من فورهم أن الحرب النفسية يجب أن تسير إلى جانب الحرب الاقتصادية والعسكرية ، وأن من أراد الانتصار فى الميدان العسكرى والميدان الاقتصادى وجب عليه أن يحتفظ بقوة شعبه المعنوية ، وأن يقضى على القوة المعنوية لخصومه ؛ وكانت الدعاية هى الوسيلة التى استعين بها على تحقيق هذين الغرضين ، فكانت النشرات تكتب وتلقى فوق صفوف الجند تحرضهم على التمرد ؛ وقد عد هذا العمل أول الأمر مخالفا للقانون الدولى ، كما يعد كل سلاح جديد يستخدم فى الحرب لأول مرة .
ولكن الطرفين المتحاربين لم يلبثا أن استخدما الدعاية استخداما واسع المدى . وكانت الدعاية التى قام بها الحلفاء فى أواخر أيام الحرب من أقوى العوامل فى هزيمة الألمان ، حتى ليقال إن الحلفاء قد كسبوا الحرب فى سنة ١٩١٨ لأنهم أحسنوا التوفيق بين قوة الدعاية والقوتين الحربية والاقتصادية .
ولكن على الرغم من اعتراف الدول كلها بما كان للدعاية من شأن فى الحرب الماضية ، فانها دون استثناء كانت تعدها سلاحا لا يليق استخدامه إلا فى أوقات الحروب ؛
وما كادت الحرب تضع أوزارها حتى ألغيت وزارات الدعاية وسرح رجالها ؛ ولكنها لم تلبث أن عادت بعدئذ إلى أقوى مما كانت عليه ، وأنشئت فى كل دولة هيئة رسمية أو شبه رسمية للتأثير فى الرأى العام فى داخل البلاد وخارجها .
الاتفاقات الدولية الخاصة بالدعاية :
لما عظم شأن الدعاية ورأت الدول ما لها من أثر فعال فى السياسة القومية والدولية ، وجدت الحكومات أنه لابد من تقييدها ، والنص على هذه القيود فيما يعقد بينهن من اتفاقات . وكان أول الاتفاقات التى نص فيها على هذه القيود هو الاتفاق التجارى الذى عقد بين الحكومة البريطانية وحكومة السفييت الروسية فى عام ١٩٢١ ، وتعهد فيه كل من الطرفين أن يمتنع عن القيام بكل دعاية رسمية ظاهرة أو مقنعة خارج حدود بلاده ضد الطرف الآخر . وتعددت بعد ذلك الاتفاقات بين الدول الأوبية المختلفة لتقييد الإذاعة ووقف الدعاية المعادية ونحو ذلك ؛ وكان من المحاولات التى بذلت فى هذا السبيل الاقتراح الذى تقدمت به حكومة بولندا إلى مؤتمر نزع السلاح ، تطلب إليه أن يضع ميثاقا لنزع السلاح الأدبى ؛ ولكن الاقتراح لم يصب من النجاح أكثر مما أصاب اقتراح نزع السلاح الحربى ، وإن يكن الأعضاء الباقون فى عصبة الأمم فى عام ١٩٣٦ قد وقعوا اتفاقا تعهدوا فيه بألا يستخدموا الاذاعة فى " التحريض على الحرب " .
والاتفاقات التى تبرم لتقييد الدعاية تخلق أمام الدمقراطيات مشكلة صعبة الحل . فالحكومات الدمقراطية لا تعنى فى وقت السلم بتقييد حرية الآراء فى الشئون الدولية والتعبير عنها بكافة الطرق المشروعة ؛ وهى لذلك لا تستطيع أن تمنع نشر الدعاية من بلادها ضد البلاد الأخرى ؛ فاذا ما احتجت إحدى الدول لدى حكومة من الحكومات الدمقراطية على ما تنشره صحافتها أو إذاعتها
من الأقوال غير الودية ، فان هذه الحكومة تجيب على الدوام بأن لا شأن لها بما تنشره صحفها أو تذيعه محطات إذاعتها ، ولكنها فى أغلب الأحيان تبلغ هذه الاحتجاجات لمن يقصد تبليغها إليهم ، ويؤدى هذا التبليغ دائما إلى النتيجة المرغوبة .
تنظيم الدعاية ؛
من أغرب الأشياء أن تكون روسيا السفيتية الدولة الوحيدة من دول الدرجة الأولى الأوربية التى لا توجد فيها مصلحة حكومية للدعاية . وقد يكون سبب هذا التناقض الغريب أن الروس - وهم أول من اتخذوا الدعاية أداة من أدوات السياسة الخارجية - قد تملكتهم روحها وسرت فى جميع إداراتهم الحكومية ، حتى أصبحوا فى غير حاجة إلى هيئة مستقلة تختص بأداء هذا الغرض ، وقد يكون سببه أن الحزب الشيوعى الروسى و " الدولية الشيوعية " يمكن أن يعدا أداتى الدعاية فى روسيا السفيتية : أولاهما فى داخل البلاد ، وثانيتهما فى خارجها .
أما ألمانيا ففيها وزارة " لتنوير أذهان الشعب والدعاية " تسيطر على الصحف والاذاعة والخيالة والمسرح والنشر بكافة أنواعه والموسيقى والفنون الجميلة ؛ وتشتمل على قسم " لمقاومة الأكاذيب السياسية الخارجية " .
ولايطاليا وزارة للدعاية استبدل باسمها القديم فى هذه الأيام اسم " وزارة الثقافة الشعبية " ولا تختلف وظيفتها عن وظيفة أختها الألمانية .
وكان أول ما أنشىء من هيئات الدعاية فى بريطانيا العظمى أيام السلم (المجلس البريطانى) The British Council الذى أسس فى عام ١٩٣٤ ، وهو هيئة شبه رسمية ينفق عليها من أموال الدولة " لزيادة معلومات الناس خارج بريطانيا عن حياة الشعوب الأمبراطورية وأفكارها " ، ولكن نشاط هذه الهيئة ظل إلى وقت قريب ضيق المجال لقلة ما كان مخصصا لها من المال وفى يونيه من عام ١٩٣٩
أنشئت فى وزارة الخارجية البريطانية إدارة جديدة للنشر لم تلبث أن ضمت إلى وزارة الاستعلامات عند ما أنشئت هذه الوزارة عقب إعلان الحرب مباشرة .
وأنشئت فى غير انجلترا من البلاد الدمقراطية مثل هذه الادارات الحكومية والوزارات . أما الولايات المتحدة فان لها على الآراء إشرافا غير رسمى لا يقل عن إشرافها على المسائل الاقتصادية ، ولكنها لا تزال قوية من الوجهة الحربية وبعيدة بعدا كافيا عن مراكز الاضطراب العالمى ، ولهذا كله كان ما احتفظت به من تقاليد مذهب الحريات الاقتصادية والفكرية الذى كان سائدا فى القرن التاسع عشر أكثر مما احتفظت به الدول الأوربية ، على أن من الخطأ مع ذلك أن نقول إن الدوائر الرسمية فى واشنجتن ليس لها مع ذلك أثر فى أدوات التعبير عن الآراء العامة الأمريكية فى المسائل الدولية .
بقى أن نقول إن ثمة فرقا بين الدعاية الثقافية والدعاية السياسية ، وإن كان يصعب على الدوام فصل إحدى الدعايتين عن الأخرى فى كثير من البلاد . على أننا نستطيع أن نقول إجمالا : إن من النوع الأول المدارس التى أنشأتها الحكومات الفرنسية والألمانية والايطالية فى البلاد التى يوجد فيها جاليات من أهل هذه الدول ، أو التى لها فيها مصالح سياسية هامة . وأنشأت الحكومة الايطالية فى عام ١٩٢٧ مصلحة حكومية فى رومه لتكون أداة الاتصال بين الايطاليين فى الخارج وبين بلادهم ، ولاستخدامهم فى تقوية المصالح السياسية الايطالية . وكانت الحكومة الألمانية بعد الحرب الماضية تساعد المعاهد الثقافية القائمة فى البلاد التى تسكنها أقليات ألمانية ، ثم أنشئت لهذه الغاية فى عام ١٩٣٣ هيئة كبيرة تابعة للحزب الاشتراكى الوطنى الذى يهيمن على نشاط الألمان المقيمين فى خارج بلادهم ، والذى ينظر إليه كثير من البلاد الأجنبية نظرة الريبة والحذر .
وقد ذكرنا من قبل المجلس البريطانى ومهمته الثقافية
الخالصة ؛ ولكن جميع أنواع الدعاية دون استثناء توجه فى وقت الحرب إلى غاية واحدة وتسير كلها على سنة واحدة . والاذاعة الآن أوسع أدوات الدعاية انتشارا ، وأسهلها استخداما لبث الدعاية فى البلاد الأجنبية .
وكانت روسيا السوفيتية أولى الدول التى استخدمت المذياع لهذا الغرض ، فقد استخدمته محطة موسكو لاذاعة أحاديث بلغات العالم المهمة ؛ وكان الغرض منها أولا الدعوة إلى الثورة العالمية ؛ ثم استخدمته بعد ذلك لكسب الأنصار فى الدول الأجنبية لسياسة السفيت الخارجية . ولم تحذ الدول الأخرى حذو روسيا وتستخدم المذياع لهذا الغرض إلا بعد ذلك بزمن طويل ، ففى عام ١٩٣٦ أساء الحكومة الايطالية موقف بريطانيا منها فى المسألة الحبشية ، فأخذت تذيع من محطة بارى سلسلة أحاديث باللغة العربية ، كان غرضها الصريح من إذاعتها بث روح العداء لبريطانيا العظمى فى البلاد العربية ، وظلت نقابة الاذاعة البريطانية العامة لا ترد على هذه الهجمات باذاعة عربية من لندن حتى عام ١٩٣٨ ؛ ومنذ ذلك الحين تعددت الاذاعات باللغات الأجنبية من جميع بلاد العالم ، حتى إذا كان شهر سبتمبر من عام ١٩٣٨ أذاعت نقابة الاذاعة البريطانية لأول مرة أخبار العالم باللغات الفرنسية والألمانية والايطالية ؛ وأصبحت هذه الاذاعة بعدئذ جزءا أساسيا من منهجها ؛ ويقال إن الناس يصغون إليها فى كثير من الأقطار ، ولا سيما فى ألمانيا ؛ وتبذل كل دولة فى هذه الأيام جهودا جنونية للاتصال بالرأى العام فى بلاد أعدائها ، وفى البلاد المحايدة عن طريق الاذاعة . وأكبر الظن أن هذه " الحرب الأثيرية " سيعظم شأنها فى مستقبل الأيام .
الصدق والفضيلة فى الدعاية :
أمران تقف عليهما قوة الدعاية ، أى السيطرة على الآراء : أولهما مقدار ما فى الدعاية من مطابقة للحقائق ،
وإذا انعدم هذا الشرط كانت الدعاية ضعيفة قليلة الأثر . ويعيب هتلر نفسه على الدعاية الألمانية فى الحرب الماضية أنها كانت منصرفة إلى السخرية من أعداء ألمانيا وتصويرهم بأنهم قوم سخفاء ومحتقرون . والواقع أن الدعاية الألمانية فى الحرب الماضية فشلت لأنها كانت مسرفة فى الكذب ، كما تبين الجند الألمان فى خنادقهم بعد قليل . ذلك أنه مهما بذلت هيئات الدعاية من جهد ، ومهما بلغت من حذق ، فانها لا تستطيع أن تريك الأسود أبيض ، وثمة دائما خطر شديد فى أن الحقيقة سوف تتسرب إلى الخارج ، وبخاصة فى هذا العصر الذى بلغت فيه المنافسة بين الدعايات المتعارضة غايتها ، وهذا الخطر نفسه يضعف السيطرة على الأفكار ؛ والتعليم أيضا وهو من أقوى وسائل السيطرة على الآراء يبعث فى النفس الميل إلى البحث المستقل ؛ وهذا الميل فى ذاته من أقوى الأسباب التى تمنع النفوس من قبول هذه السيطرة ؛ ولذلك فان الدعاية التى تلوى الوقائع ليا وتفسرها بما يلائم غرضا خاصا دعاية ضعيفة بطبيعتها .
وأما ثانى الأمرين اللذين يحدان من قوة السيطرة على الآراء ، فهو ما فى الطبيعة البشرية من نزعة إلى المثل العليا الروحية ؛ ومن أجل هذا فان الدعاية المسخرة لخدمة القوة الحربية والاقتصادية تحفز العقل إلى التمرد على تلك القوة ، وإن الطبيعة البشرية فى آخر الأمر لترفض المبدأ القائل بأن الحق هو القوة ، وكثيرا ما تكون القوة الغاشمة سببا فى تقوية إرادة ضحاياها وشحذ قوة ذكائهم . وليس من الحقائق العامة المقررة إذا أن صاحب السلطة القوية يستطيع على الدوام أن يصوغ آراء الناس ويخضعها أسلحته بضروب الدعاية الماهرة ؛ وفى ذلك يقول الهر هتلر فى كفاحى : " كل اضطهاد لا يستند إلى أساس روحى يولد فى الناس شعورا يدفعهم إلى أن يقاوموا بالعنف كل محاولة ترمى إلى القضاء على الرأى بالقوة الغاشمة ؛ ولذلك فان كل اضطهاد لا يستند إلى أساس روحى عند
المضطهدين سوف يثير فيهم هذا الشعور الكامن " . ولهذا فاننا لا نقدر الدعاية حق قدرها إذا اعتبرناها أداة من أدوات السياسة ، وعونا من أعوان القوة الحربية والاقتصادية ، ثم اكتفينا بذلك وأهملنا شأن محتوياتها وأساسها الروحى .
ومجمل القول أن الدعاية كلما اقتربت من الحقيقة كان ذلك خيرا لها وأجدى لأصحابها . ونقول " كلما اقتربت من الحقيقة " لأن هذا الاقتراب هو أقصى ما تستطيع أن تصبو الدعاية إليه . فليست هى بحثا علميا عن الحقيقة ، ولسنا نستطيع أن نتطلب من الداعية أن يعرض علينا موضوعا متزنا ، فيه كل الحجج التى تؤيده والحجج التى تفنده ، كما لا نتوقع من صاحب متجر أن يعلن مزايا بضاعة له وإلى جانبها مزايا بضاعة أخرى من نوعها ؛ لكن قلب الحقائق شر أنواع الدعاية ، ما فى ذلك شك . ولقد كانت أسوا دعاية قام بها الحلفاء فى الحرب الماضية وأفشلها ما أذاعوه وكرروا إذاعته فى فترة من الزمن ، وهو أن الألمان كانوا يغلون أجسام الموتى ليستخرجوا منها الدهن اللازم للمفرقعات لما اشتدت حاجتهم إليه بسبب الحضار . كذلك كان من أكبر الأضرار التى حاقت بالدعاية الألمانية فى السنين الأخيرة إنكار الحكومة النازية فى أوائل الحرب الأهلية الاسبانية أنها كانت تقدم المعونة إلى الجنرال فرانكو ، وإصرارها على هذا الانكار ، ثم جهر هتلر بعد ذلك بمقدار ما أسداه إلى الجنرال فرانكو من مساعدة ، وإعجابه بما أظهره الجنود الألمان من ضروب البسالة ، وما قاموا به من أعمال مجيدة فى أسبانيا .
وليس صدق الدعاية مقصورا على قربها من الواقع فيما يختص بالحقائق الماضية والحاضرة وحدهما ، بل إنه يتعدى الماضى والحاضر إلى الوعود التى تبذل للمستقبل . ذلك أن الدول التى تبذل الوعود ثم لا تفى بها تقضى بنفسها على قوة دعايتها المستقبلة وتستنفد ما يمكن أن نسميه " رأس مال الأمة الروحى " .
ومما يساعد على نجاح الدعاية أيضا التجاؤها إلى
مبادىء الأخلاق العامة والضمير العام التى يعترف الناس جميعا بنبلها وقيمتها ؛ ومن أجل هذا نرى الدعاية القومية تستتر على الدوام بستار المبادىء العامة . فكانت الدعاية الألمانية تهاجم معاهدة فرساى بإظهار ما فيها من مخالفة لمبادىء العدالة والانصاف ؛ ولهذا السبب عينه تعلن كل أمة أن سياستها قائمة على أسس من الفضيلة والخير العام ، مع أنها لا تجد أحيانا أساسا للفضائل أو للخير العام أصدق من قولها : " إن رسالتها التاريخية تحتم عليها أن تحكم الشعوب الضعيفة لخير هذه الشعوب نفسها " ! ومهما تكن حقيقة المبادىء التى تسترشد بها الدول فى سياستها الخارجية فانها بوجه عام تشعر بحاجتها إلى أن تستتر وراء المبادئ الانسانية العامة .
لكن هذا الفعل بسم الدعاية على الدوام بسمة الرياء ؛ وليس أدل على هذا من أن دول الأرض كلها فى هذه الأيام تعلن أنها تؤدى رسالة أخلاقية علمية بعثت لتنشرها
بين أمم الأرض قاطبة ، وأن ساستها لا ينفكون ينشرون بين الناس ما فى سياسة بلادهم من خير ، وما فى سياسة غيرهم من شر وأنانية ، مع أنه لا توجد بين الدول كلها دولة واحدة ذات سياسة خارجية منزهة عن الهوى والغرض والمصلحة الخاصة ؛ وليس منهن واحدة تستطيع أن تدعى بحق أنها تعمل لخير العالم كله أو بعضه . وكل ما فى الأمر أن بعضها حين تسعى لإدراك أغراضها الخاصة تظهر من العناية بمصالح غيرها من دول العالم وحقوقها أكثر مما يظهره غيرها ؛ وكلما قربت دولة من هذا المبدأ أكثر من دولة أخرى حق لها أن تدعى أن سياستها أكثر انطباقا من سياسة غيرها على الخلق الطيب والفضيلة ، وإذا قامت دعايتها على هذا الأساس كانت أقوى أثرا من دعاية الدول المنافسة لها . (ملخصة عن الانجليزية)

