منذ عهد الثورة الفرنسية لم تلق الدمقراطية محنة كالتي قاستها في الفترة التالية للحرب الكبرى السالفة ؛ فقد تكاثر عليها الخصوم والأعداء ، وساءت بها الظنون ، ورماها الكثيرون بالعجز والتقصير والاضطراب والفوضي ؛ وكانت الدمقراطية تتلقي هذه الضربات صابرة محتسبة ، مقتدية بمن قال فيهم الشاعر :
كأن ربك لم يخلق لخشيته .. سواهم من جميع الناس إنسانا
وقرر بعض خصومها الذين امعنوا في الدرس ، وادعوا في العلم معرفة ، ان الدمقراطية فاشلة لا محالة ، لأن البحث العلمي والتحليل النفسي والفقه التاريخي قد أثبت بطريقة حاسمة أن الناس تتفاوت في القدرات والملكات ، ففيهم المجد العامل ، والخامل البليد ، وفيهم العبقري الفذ والفدم الغبي ) والدمقراطية ضلال وخطأ ، لأنها قائمة علي فكرة المساواة ، وما قيمة المساواة مع وجود هذه الفوارق الأصيلة والتفاوت الطبيعي بين الناس ؟
والمساواة إذا أسطورة زائفة ، ودعوي ملفقة ، ولو تحققت هذه المساواة المزعومة ، وهي أكبر أركان الدمقراطية ، لاستنزلت العالي الرفيع إلي مستوي السافل الوضيع ، وقد استخلص المفكرون الضاربون على هذه النغمة من مقدماتهم وفروضهم ان الدمقراطية قد اقترب يومها وحانت منيتها
ومن عجائب الحياة ان بعض الحقائق الواضحة البسيطة الملقاة في الطريق قد تخفى على عيون الفلاسفة المتعمقين والعلماء المتنطمين وقد غاب عن هؤلاء المفكرين الذين
يكرهون الدمقراطية لقيامها على فكرة المساواة ، ان الحركة الدمقراطية لم تكن حادثة عرضية أو تجربة عابرة موقوتة ، وإنما كانت حركة بعيدة الاعراق عميقة البواعث قوية الأسباب ، شاملة مستوعبة ، لها سوابق معروفة ونظائر مألوفة ، وهي في صميمها ثورة علي استئثار أقلية من الناس بالحكم ، وانفرادها بالبت في المصائر ، واستغلال الخيرات ، والاستمتاع بالامتيازات ؛ وقد تحسن مثل هذه الفئة القليلة صناعة الحكم في بادى الأمر ، ولكن سرعان ما يتبين أن مصلحتها الخاصة غير مرتبطة بسعادة المجتمع ، ولا موصولة بخير الأكثرية ؛ وقد اكتشف الناس مرات عدة في خلال التاريخ ان تفرد طبقة خاصة بالنفوذ والغلبة معناه حرمان الاكثرية وإذلالها وسومها بالهوان .
ولقد قال بسمارك : " إن خير الحكومات هي الحكومة المطلقة الخيرة الحازمة " ولكن التاريخ أصدق حكما ، وأثقب نظرا من رجل الدم والحديد ؟ فقد أثبت التاريخ أن الحكم المطلق لا يستطيع أن يظل طويلا خيرا ولا حازما ، وأصح من رأي بسمارك وأدل منه على سعة النظر والمعرفة بالطبيعة الانسانية قول المؤرخ الكبير اللورد اكتون : " القوة مفسدة ، والقوة المطلقة تفسد إفسادا مطلقا " وأي لون آخر من الوان الحكم غير الحكم الدمقراطي يعوق التمدد الطبيعي للروح الانسانية - كما يري الناقد الانجليزي الكبير ماثيو ارنولد - ويوقف نمو الحضارة ، ويرفع الأقلية علي حساب الأكثرية بأساليب لا يرضاها العقل ولا تقبلها العدالة ، فلا يجني المجد ثمرة اجتهاده ، ولا يثاب العامل على قدر إحسانه وتفوقه ، ومزية الدمقراطية هي أنها ترفع الناس إلي مستوي تتساوي فيه حقوقهم ، وتحترم شخصيتهم وتمكن كل إنسان من ان يشق طريقه ويبنى مستقبله .
ولكن الدمقراطية السياسية تدل علي المساواة
السياسية ، والمساواة السياسية لها قيمتها بلا ريب ، ولكنها ليست كل شئ . وإذا لم تتبعها المساواة الاقتصادية فصل لونها وضعفت منتها ؛ لأن السياسة لا تستغرق كل لحظة من لحظات حياتنا ، ولا تشمل كل جانب من جوانب وجودنا ؟ وتوزيع الثروة توزيعا جد بعيد عن المساواة ، يستتبع توزيع فرص التعليم والتثقيف توزيعاً غير متساو ، وقد عجزت الدمقراطية السياسية عجزاً بيناً عن تعديل عدم المساواة في البناء الاجتماعي ؛ وقد أثار ذلك الاستياء الخطير في كل مكان ، واغري بعض الناس باليأس من الدمقراطية والأرتماء في أحضان النظم التي تناوئها وتعمل على تقويضها ، وبدون تحقيق المساواة تضيق دائرة الحرية وتقل قيمتها ، وإذا زهد الناس في الحرية اقتربوا من السوائم والبهم
والحرية الحقيقية لا توجد إلا حيث يتساوي الناس ، وتتعادل الأقدار ؛ ولكن حيث يوجد غني وفقير ، وجاهل وعليم ، فلا بد من وجود سيد ومسود ، لان الغني قوة والعلم سطوة ، ومن عاش فقيرا أو ظل جاهلا ، عاش محدود الذهن ، مطموس الشخصية ، كالشجيرة النابتة في ظلال الدوحة الباسقة ، فإنها تظل ذاوية مستضعفة لاحتجابها عن الضوء ؛ والفقر أو الجهل ينقم المواهب ويصدي الملكات وحقيقة أن هناك من تحفزهم قسوة الظروف إلي طلب المجد ، ونيل العلي ، ومغالبة الصعاب ؛ ولكن هؤلاء هم النوابغ القلائل الذين لا يقاس عليهم ، وأكثر الناس العاديين لا يستطيعون ذلك ولا يقدرون عليه ؛ وقد يسلبهم الفقر الشعور بالكرامة ، ويغربهم بالمهانة ، ويحرمهم من الأمل وهو باعث الحياة ، ويلقي في روعهم ان الفوارق بينهم وبين الأغنياء والمثقفين من البعد والاتساع بحيث لا يمكن أن يخالجهم الأمل في مساماتهم أو لحاقهم ، فيقضون حياتهم البائسة المظلمة في عالم المهام الحقيرة والشواغل التافهة
وأفراد الطبقة الأرستقراطية لا يقدرون أثر هذه العوامل في تنشئة الطبقات الفقيرة ، وصوع نفوس أفرادها ، ويخالون أنفسهم من طينة ارقي ، ودم اذكي ، ويحسبون ان لهم مواهب موروثة ، وملكات مقصورة على أرومتهم الطاهرة ؛ وخطر مثل هذا الوهم المضحك
انه يجعلهم يزدرون فكرة المساواة ، ولا يرون ان الميل إلي المساواة من أقوى ميول الانسان . وقد قرر أرسطو أن الفشل في علاج مسألة المساواة من أكبر أسباب الثورات ، ووجود الفوارق الكبيرة في حياة الناس يستتبع اختلاف منازع تفكيرهم ، ويباعد الشقة بينهم ،
ويفكك روابط المجتمع ؛ واتحاد الصالح العام هو اقوى الأسس التي تقوم عليها الدول ، والنتيجة المحتومة للتفاوت غير المعقول هي الثورة الحاطمة التي يولدها الشعور بالظلم ؛ ومن مآسي الحياة ان عبر التاريخ في كثير من الحالات تذهب عبثاً
ومن الواضح أن المجتمع في العصر الحاضر فيه اغنياء لا فضل لهم في تحصيل ثروتهم ، وفقراء لم يتذوقوا طعم الراحة ، ولم يعرفوا غير الكدح . وصدقات الأغنياء وتبرعاتهم او مشاركتهم في إنشاء الملاجيء والمستشفيات لا تحل المشكل ولا تفض الخلاف ، فالفقير ما يزال يشعر بخصاصته ومهانته ، والغني لا ينزل عن شئ من ماله إلا مكرها متورطا أو ملتمساً بعض الحسنات في العالم
الآخر ؛ وقد كان الفقر في العصور المتقدمة لا يثير الحقد لأنه كان مصحوبا بالعقيدة الدينية والإيمان القوي : وكان الفقير يعتقد أن هذا حظه وما قسم له ، وان عليه ان يقبل قضاء ربه مكتفيا بكنز القناعة ؛ ولكن فقراء العصر الحديث لا يميلون إلى المبادرة بالتضحية والاستشهاد ، ولا يرون ان هناك كبير إثم او عظيم ذنب إذا حرصوا علي أن يظفروا في حاضرهم بلمحات من الفردوس الموعود ، ويشموا شيئا من روائح جنات النعيم .
وعدم التساوي في الثروة يؤدي بطبيعة الحال إلي عدم التساوي أمام القانون ، لأن الغني يستطيع دفع الغرامة أو تقديم الكفالة التي قد تخرب بيت الفقير أو ترسله للسجن ؛ والتي يستطيع ان يستشير اقدر المحامين وأعرفهم بمداخل القانون ومخارجه ومصادره وموارده ، وليس من المستبعد ان يمكنه ذلك من ان يخلق من باطله حقا . والفقير مضطر بحكم فقره وحاجته أن يعتمد على ما يستطيع القاضي استخلاصه من منطقه العاجز وحجته القاصرة ؛ فالعدالة امام القانون تصبح موفورة إذا ما تحققت المساواة الاقتصادية .
وعدم المساواة يقسم المجتمع إلي فريقين : فريق يصدر الاوامر ، وفريق يقوم بالتنفيذ ويحرم من الحرية ، لأن أفراد هذا الفريق - وهم الأكثرية - يقضون أعمارهم أسري الحاجة ، سجناء الفقر الذي لا ذنب له في إيجاده واحتمال أصفاده ؛ وفي يد الفريق الآخر التوجيه واستقلال الرأي ، وقد مكنته من ذلك الظروف لا القدرة الشخصية .
وعدم المساواة الاقتصادية يؤدي إلي عدم المساواة في التعليم ، فتصبح الاستفادة من المعرفة مقصورة على عدد قليل من الناس ، ويظل الكثيرون عاجزين عن عرض قضيتهم ، وبيان حاجاتهم ، ولا ينعمون بخيرات المدنية ، ولا يقدرون قيمة ميراث الحضارة ؛ وإذا قلت الرغبة في المعرفة ، وغابت عن المدارك معاني الحياة السامية ، تنبه الحيوان الراقد في جوائح كل إنسان
وعدم المساواة في الحياة الاجتماعية ، معناه فقدان الحرية في عالم العقل والتفكير ، لأن استبقاء عدم المساواة يستلزم صياغة العقول على نمط خاص ، وتوجيهها وجهة معلومة ، وفي كثير من الأمم يتخذ الأغنياء الصحافة أداة لتوجيه الرأي العام لمصلحتهم عن طريق الاعلانات
او امتلاك تلك الصحف ، وهذا التوجيه او الايحاء يخفى المعايب ، ويصور الأمور علي غير حقيقتها ، ويلهي من موطن الداء ؛ واثر عدم المساواة جد محزن ، لانه يجعل الطبقة المتوسطة منهومة بطلب الثروة ، مشغوفة بحب الامتلاك ، فتفني جهدها في هذه المحاولة ، ولا تجد متسعا لتحصيل القيم الروحية السامية ، ويصبح الفن أو الأدب في موقف حرج ، فهو من ناحية مضطر إلى أن يترضي الأقوياء الذين يملكون السيطرة والنفوذ ؛ ومن ناحية اخرى هو حريص على ان يتملق شعور الشعب الجاهل الذي لم تصقل غرائزه ولم يهذب عقله ، ولم يصل إليه ضوء الاستنارة .
ويقول المتشككون إن الناس يتفاوتون في المواهب . وهذا حق واضح ، لا تحتاج معرفته إلي دراسة شاقة ، ولكن المساواة ليس معناها تجاهل الفوارق بين الناس ، وإنما معناها محاولة إبراز الفوارق الطبيعية التي تعود بالخير على المجتمع ؛ فهي ترفض الاعتراف بتلك الفوارق الزائفة المصطنعة التي لم تلدها طبائع الأشياء ، وإنما خلقتها المصادفات غير المشروعة ، وترمى إلي إفساح المجال للمواهب التي يخنقها الفقر . وقد لا نكون الدمقراطية الحقة أقوى الحكومات وأقدرها على سرعة البت والتنفيذ ؛ ولكنها اقدر الحكومات على استثارة المواهب الدفينة ، وإبراز الشخصيات التي قد يذوبها الفقر والأهمال ، وهي تمكن كل إنسان من ان يكشف عن كنوز نفسه ويستخرج ذخائره وما يستطيع أن يقدمه لخير الانسانية
وعدم المساواة الحالية ، معناه ترك الفرد تحت رحمة القوي الاقتصادية العمياء . والعصر الحاضر من العصور التي اشتدت فيها حاجة العالم إلي المساواة من جميع نواحيها ، وقد جاءت الحرب فزادت هذه الرغبة قوة
وتأييداً . ولقد قامت الثورة الفرنسية على أساس المساواة والحرية والأخاء ، وجاءت الثورة الروسية وحملت فكرة المساواة إلى العالم الاقتصادي ، فشك الناس في نجاحها ، ولكنها نجحت ، وخلقت من الروس ابطالا استطاعوا أن يثبتوا للاعتداء النازي ، ويكيلوا الضربات للألمان وإنما نجحت الثورة الروسية لانها قامت على فكرة المساواة ، وقد ضحت بالحرية إلى حد ما في سبيل تحقيق ذلك ، وقد قدمت للعالم نموذج حضارة تحيى رميم الأمل في نفوس الكثرة الساحقة من بني الانسان ، وتجعل لحياتهم معني ، ولوجودهم قيمة . وإذا تأملنا تاريخ أكثر الثورات التي يعرفها التاريخ ، وجدنا أن فكرة المساواة كانت حافزها الأكبر ودافعها الأصيل

