أليس عجيبا هذا الوصف ؟ إنه كما نصف الحلو بالمر ، والأبيض بالأسود ، والطويل بالقصير ، والكبير بالصغير - وإن هذا لا يجوز إلا فى عرف المجانين .
ولكن تمهل قليلا ، فستعلم أن دنيا الواقع غير دنيا النظريات ، وأن مثل هذا يحدث تحت سمعنا وبصرنا وذوقنا كل يوم .
أفليس الليل الواحد طويلا قصيرا ؟ طويلا فى الهجر ، قصيرا فى الوصل ، طويلا فى الشقاء ، قصيرا فى الرخاء ؟
أو ليس ألف دينار عند الغنى الواسع الثراء شيئا تافها حقيرا صغيرا ، وفى نظر الفقير البائس شيئا عظيما كبيرا ؟
أو لم يقل الله تعالى : " إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا " ؟
أولم يقل الشاعر :
حجبت تحيتها فقلت لصاحبى
ما كان أكثرها لنا وأقلها
إن أمثال ذلك كثير ، فلا عجب - إذا - أن نرى أرستقراطية ديمقراطية ، وديمقراطية أرستقراطية .
فأما الأولى فتشاهدها كل يوم ، فى الفتاة من (( بنات الذوات )) ، تصور فى زى فلاحة ، تلبس لباسها ، وتحمل ماعونها ، وتتحلى بحليها ، وتتظاهر بوشمها .
وتراها فى السيارة الفخمة الضخمة تعطب فى الطريق فيجرها إلى " مقرها " حمار هزيل . وتراها فى السيد العظيم والغنى الكبير بتواضع فيؤا كل الفلاحين من
جبنهم وبصلهم وفولهم وعدسهم . وتراها فى الأسر العريقة فى المجد ، أو ورثة بيت الخلافة والملك ، يعدو عليهم الزمن الغادر فيضيع ملكهم ، ويبدد مالهم وثروتهم ، فيعيشون فى بيت صغير وباحسان قليل ، ويحتفظون بحسن مظاهرهم ولامع طلائهم ، ونراها وتراها ، فى كثير من أمثال ذلك .
وأما النوع الثانى ، وهو "موضوع العنوان" ، فمثله قوم يتغنون بالديمقراطية ومزاياها وخبراتها ، فيقول الناس آمنا ، فإذا جاء دور التطبيق رأيت بعض الساسة الجامدين ينزعون إلى أن مبادئ الديمقراطية إنما تطبق على أمم خاصة وأجناس خاصة ، وليست هى لكل شعب ولا كل جنس ؛ فأما فى أوربا وأمريكا فديمقراطية حقة ، وأما على غيرهم من الشعوب فشئ بصعب وصفه ويدق بيانه ؛ ولعل أصدق وصف له أنه ديمقراطية أرستقراطية ، لأنها ذات لونين متباينين فى مظهرها ومخبرها ، وأسمها ومسماها .
أذكرنى ذلك قوله تعالى : " وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ؛ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ " ، فهو يحدثنا أن من أهل الكتاب من إن تأمنه على عظيم من المال يؤده إليك ولا يخنك فيه ، ولا يفرق بين من له المال من أى جنس ومن أى دين ، لأن الأمانة واجبة لأى كان ، والفضيلة واجبة فى أى زمان ومكان ، ومع أى إنسان . فليس أكل مال الغير حراما إن كان الغير من دينه وجنسه ، وحلالا إن كان من غير دينه وجنسه ويحدثنا عن قوم آخرين نزعوا غير هذا المنزع الحق ، فكان "من اليهود من قالوا : لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب ولا إثم ، لأنهم على غير الحق وإنهم مشركون ( ٩ ) " . ولقد نزع
قوم من المسلمين أن يعاملوا أهل الكتاب هذه المعاملة ، فقال رسول الله : " ما من شىء كان فى الجاهلية إلا وهو تحت قدمى ، إلا الأمانة ، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر " . وجاء رجل إلى ابن عباس ، فقال له : إنا نصيب فى المذق من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ، فقال ابن عباس : فتقولون ماذا ؟ قال : نقول ليس علينا بذلك بأس . قال : هذا كما قال أهل الكتاب ، ليس علينا فى الأميين سبيل ، لا نحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم .
إن المعاملة على أساس الديمقراطية كالصدق والعدل ، والوفاء بالعهد ، حق لكل إنسان على كل إنسان ، وواجب على كل إنسان لكل إنسان . وليست كالعملة ، إنما نروج فى بلدها ، ولا كالعرف والمواضعات لكل أمة عرفها ومواضعاتها .
مامعنى الديمقراطية ؟ إنها حكم الشعب بالشعب لخير الشعب ، إنها القضاء على تحكم طبقة ممتازة - فى الشعب بأجمعه ، إنها نشر التعليم ونشر المساواة والحرية والاخاء بين أفراد الشعب ، إنها هدم العوائق فى سبيل رقى الشعب ، إنها حد للغنى الواسع وقضاء على الفقر المدقع ، إنها حرب على الامتيازات السياسية والاقتصادية ، إنها إفساح للفرد أن ينمى ملكاته وقواه حسب استعداده ، إنها تربية للرأى العام وتعويده الرقابة على الحكومة وعلى توجيه الحكام للخير العام ، إنها روح عامة تسيطر على الشعب فتوجهه لخير الجميع ، إنها قضاء على رق الأفراد ورق الأمم ، وما يستعبد الأفراد من جهل وشهوات ، وما يستعبد الأمم من استغلال واستعمار ، إنها ثورة على استبعاد الأقليات للأكثريات ، والأفراد للأمم ، والأمم للأمم .
إن كانت كذلك وهى خير للغرب ، فهى خير للشرق . فأى معنى من هذه المعانى محلى لا يصلح إلا فى مكان خاص وزمان خاص ؟ هى نظام يمتحن كما يمتحن الذهب ، فان كان ذهبا حقا فهو ذهب فى مصر والشام وأمريكا
واليابان والسند والهند وفرنسا وانجلترا ، وإن كان ذهبا مزيفا لم يصلح فى أى مكان ، ولم تكن له قيمة فى أى قطر ، قد تختلف أعراضه فى الأقاليم بحسب اختلاف بيئتها ، ولكن الجوهر فى كل البيئات واحد .
إن كان هذا معنى الديمقراطية فهو يتنافى مع الانتداب والاحتلال ومع سائر هذه المترادفات . ولماذا يظهر ظهورا بينا أن الديمقراطية لا توافق أن تحكم فرنسا انجلترا أو انجلترا فرنسا ، ولا يكون مثل هذا الظهور فى حكم الغرب الشرق ؟ إن الديمقراطية عدو للاستبداد فى كل شكل من أشكاله وتحت أى اسم من أسمائه .
لقد وصلت الديمقراطية فى الأيام الأخيرة بعد الأجيال المتعاقبة إلى مبادئ قويمة ظهرت على لسانى زعيميها روزفلت وتشرشل ، فقروا مبدأ احترام رغبة الشعوب فى اختيار نظام حكومتها وحكمها كما تشاء ، ومبدأ حرية الحصول على المواد الأولية اللازمة لها وتصريف محصولها كما تشاء ، ومبدأ التعاون الاقتصادى بين جميع الأمم ، ومبدأ حرية البحار وحرية التجارة ، وهى مبادئ فى غاية الأهمية لخير الانسانية .
ولكن هل يحق للشرقيين أن يفهموا أن هذه المبادئ تنطبق على الشرق كما تنطبق على الغرب ، وأن سيكون لبلاد المغرب وفلسطين وسوريا والعراق ومصر والسودان رأيها فى حكوماتها ونظام حكمها وحرياتها السياسية والاقتصادية ؟
إنى ألمح شبه تناقض بين هذه المبادئ السامية وبين الخطابات المتبادلة بين القائدين " ليتلتون "، و" ديجول" فى امتيازات الدول الأوربية وحقوق الدول الأوربية فى سوريا ، كما ألمح شبه تناقض بين هذه المبادئ السامية والاعتراف القريب بأن موقف الحكومة البريطانية نحو اليهود فى فلسطين لم يتغير .
وإنى آمل ويأمل الشرق معى أن نكون هناك
التزامات صريحة من قادة الديمقراطية أمثال روزفلت وتشرشل بأن هذه المبادئ إنسانية عامة لا محلية خاصة ، وأنها وضعت لخير الشرق كما وضعت لخير الغرب .
إن الديمقراطية فى نظام الحكم كالعلم فى نظام العقل ، كلاهما صالح كل الصلاحية ، بل واجب كل الوجوب ، الإنسان من حيث هو إنسان ، لا فرق بين بدوى وحضرى ، وشرقى وغربى ؛ وليس هناك قواعد من العلم صحيحة بالنسبة للحضرى غير صحيحة بالنسبة للبدوى ، وصحيحة بالنسبة للشرقى غير صحيحة بالنسبة للغربى ، فقاعدة العلم إما أن تكون صحيحة للشرق والغرب أو فاسدة للشرق والغرب . قد يحدث الاختلاف فى مناهج التعليم ، وفى طرق البيداجوجيا بين أمة وأمة . أما العلم ذاته فلا خلاف فيه ؛ كذلك الشأن فى الديمقراطية ، أن تحكم أمة نفسها بنفسها ، وأن تكون الأمة مصدر حكمها بمنزلة قواعد العلم ، فان كان خلاف بين أمة وأمة ففى الشكل دون الجوهر .
بل إن الشرق عرف الديمقراطية قبل أن تعرفها أوربا ، وطبق نظمها قبل أن تطبقها أوربا ، وحاربت دياناته الشرقية الاستبداد ، ودعت إلى أن الناس سواسية لا نفاضل بينهم إلا بالأعمال ، وحاربت الجهل ودعت للعلم ، وألزمت الخضوع للقانون العادل ، وطالبت بالثورة على الظالم ، قبل أن تدعو إلى ذلك كله الثورة الفرنسية . نعم إنها لم تسم ذلك كله ديمقراطية ، بل سمته أسماه مختلفة ؛ ولكن ما قيمة الألفاظ بجانب المعانى ؟ ولو لا عواد عدت على الشرق فأفسدت عليه سيره وحرمته نظمه العادلة لكان هو القائد وهو المشرع ، وهو رافع لواء الحضارة ؛ فمن الظلم أن يقال له إنك لا تصلح للديمقراطية ، وإن تاريخك سلسلة استعباد .
إني أربأ بدعاة الديمقراطية أن يكونوا يدعون باسمها ومعناها ومبادئها السامية فى الغرب ، وبإسمها فقط فى الشرق ؛ كما أربأ بالشرق أن يتلهى بالألفاظ ويتعلل
بالمظاهر ؛ فمن الحق أن الديمقراطية خير للشرق كما هى خير للغرب ، ولكنها الديمقراطية التى فى ذهن الانجليزى أو الأمريكى لبلاده ، وعلى أساس وحدة المعنى ووحدة التطبيق ، وإلا كانت ديمقراطية أرستقراطية .
كما أرجو أن تسفر هذه الحرب عن انتصار الديمقراطية الصادقة ، ويكون من نتائجها أن يتعمق الشرقى فى معناها ، وأن يوسع الغربى مداها ، وأن تكون حقا مشاعا للشرقى والغربى على السواء ، وأن يطبق الجميع ما تدعو إليه من إخاء .
بل أن يتخذ كل من اليوم عدته ، ويرسم للغد خطته ، وأن نتصارح ، فالصراحة خير للجميع .

