الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الثاني عشرالرجوع إلى "الرسالة"

الذئب فى الادبين العربى والفرنسى

Share

-1- وصف الفرزدق صداقته وذئباً عاهده على ألا يخونه، فكان  وفيا، ووصف الشريف الرضي ذئبا أصبح غرضا لقسي نوازع،  وطعمة لرهط جائع؛ ووصف البحتري ذئبا هزيلا سدد إليه نصالا  أوردته منهل الردى، فى قصائد تراها فى دواوين هؤلاء.

وقد رأيت أنها فى موضوع واحد - هو الذئب - فما المجلية  بينها إذا جرت معا فى حلبة السباق؟ وما التى تقرب من المثل  الأعلى فى الموضوع؟ وهل لها فى غير العربية مثيل أو شبيه؟

وما دام فى الفرنسية لهذه القصائد ند، وما دام بين الشعراء  الفرنسيين من نظم فى هذا الموضوع، فسنعرض لقصائدهم هذه  بالنقل علنا نستطيع الموازنة بينها كلها أو البحث فيها كلها، ولعل  قصيدة (ألفرد دفيني) الشاعر الفرنسي الفذ فى (موت ذئب)  أقرب ما قرأت إلى هذه الروائع، فستكون أول ما نترجم، وأما  الموازنة بينها فستكون فى عدد تال إن شاء الله.

موت الذئب La mort du Loup

خفت السحب إلى القمر المتألق، كما يخف الدخان إلى الحريق،  واسودت الغابات فبلغ سوادها الأفق، وكنا نمشي على النبت  الأخضر الندي دون أن ننبس بكلمة. فلمحنا في الظلام الكثيف  تحت أشجار الصنوبر مخالب الذئاب التى كنا نطاردها منذ هنيهة.

فأنصتنا حابسين انفاسنا، وسمرنا أرجلنا إلى الأرض، فلا الغابة  ولا السهل يتنفسان فى وجه الريح الساكنة، اللهم إلا دولاب هواء  حزينا كان يصعد فى السماء زفرة وداع أليمة، لأن الهواء ارتفع  عن الأرض فلا يصيبه منه شيء.

وكان كل شىء ساكنا، حين تقدم الصياد الشيخ خافض الرأس

يتحرى ويدقق، فنظر إلى الرمل الذى اضطجع عليه منذ قليل ثم قال:،  وهو الذى لم تؤخذ عليه هفوة، إن هذه الآثار آثار مخالب ذئبين  كبيرين وجرويهما تبخرت منذ وقت غير بعيد. "

فهيأ كل منا سكينه، أخفينا بندقياتنا وبريق حديدها الأبيض،  ووقفت وثلاثة من رفاقي نرمي ببصرنا إلى الأمام، فإذا عينان  تتقدان بالشرر، وأربعة أشباح أخرى رشيقة ترقص فى وسط  الأعشاب على ضوء القمر.

كانت الذئاب تشبه الراقصين بحركاتها، تلعب فى صمت ورزانة  عالمة أن على قيد خطوتين منها عدوها الإنسان، مضطجعا بين جدران  بيته لم يأخذ النوم بمعاقد أجفانه بعد.

وكان الذئب الأب واقفا على بعد أمام الشجرة وزوجه مستريحة  كصنم المرمر الذى عبده الرومان ومنه انحدر روموس ورومولوس.

وأقعى الذئب ومخالبه غائصة فى الرمل، حين علم أنه هالك  لا محالة، لأن عدوه باغته وملك عليه سبيله، وامسك بفمه الملتهب  عنق أجرأ كلابنا، ولم يحول عنه فكيه الحديديين على رغم طلقاتنا  النارية التى اخترقت جلده، وعلى رغم مدانا الحادة التى مزقت أحشاءه، ولكنه لما أحس بأن فريسته فارقت الحياة قبل أن  يفارقها هو، أفلته من فكيه، ونظر إلينا مرة وأتبعها أخرى  إلى جسمه فرأى المدى غارقة فى أحشائه، ورأى نفسه سابحا فى  بحر دمائه، تحيط به البنادق، فحدق فينا ثانية واضطجع وهو يلعق ذنبه  بفمه، ويلقف نزيف الدم من كلومه، ودون أن يجرب أو يبحث  كيف يموت، أغمض عينيه الكبيرتين ومات دون أن يصرخ  صرخة واحدة. . .

أسندت جبهتي حينذاك إلى بندقيتي واستسلمت للأفكار فلم  أجد سبيلا إلى متابعة تلك الصور المريرة التى سيصبح عليها أولاده  الثلاثة، وتصورت حال الأم وقد أرادت أن تشارك زوجها فى  حمل عبء هذه التجربة الخطرة، ولكن واجبها يقضي بان تنقذ  أولادها، وأن تعلمهن كيف يتحملن الجوع، ويصبرن على ملاقاة

الموت، وأن تحذرهن دخول المدن لئلا يخدعن بالعهد الذى  قطعة الإنسان للحيوان، هذا الحيوان الذى يجري أمامه  فى الصيد، ويخدمه. . كل ذلك ليؤويه وهو سيد السهل والجبل. .

وا أسفاه! لقد فكرت كثيراً فى معنى عظمة هذا الاسم الذى  يتحلى به بنو الإنسان، وعدت إلى نفسي خجلا أتهم الإنسان  بالضعف والجبن.

أنت وحدك أيها الحيوان علمت كيف يجب أن نغادر  الحياة وأوزارها، فليس فيما نعمله فى الحياة الدنيا، وفيما نتركه عليها  ما يستحق الذكر الا الصمت. هو العظمة، وكل ما سواه ضعف.  آه!. . لقد فهمت معنى نظرتك أيها المسافر المستوحش لأنها  نفذت إلى أعماق فؤادي قائلة: - "إذا استطعت فاجعل نفسك -علي تفكيرها وحلمها-  واثقة مطمئنة من القضاء والقدر.

"الشهيق والبكاء وصلاة الخوف كلها جبن، فاعمل بثبات  عملك الطويل الشاق، فى الطريق الذى شاء الحظ أن يدعوك إليه،  ثم. . تألم. . ومت. . مثلي دون أن تنبس بكلمة...

حلب :

اشترك في نشرتنا البريدية