الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد التاسع عشرالرجوع إلى "الرسالة"

الرأى والعقيدة

Share

فرق كبير بين أن ترى الرأى وأن تعتقده - وإذا رأيت  الرأى فقد أدخلته فى دائرة معلوماتك، وإذا اعتقدته جرى فى  دمك، وسرى فى مخ عظامك، وتغلغل إلى أعماق قلبك.

ذو الرأى فيلسوف، يقول إنى أرى الرأى صواباً وقد  يكون فى الواقع باطلاً، وهذا ما قامت الأدلة عليه اليوم، وقد  تقوم الأدلة على عكسه غداً، وقد أكون مخطئاً فيه، وقد أكون  مصيباً، أما ذو العقيدة فجازم بات لا شك عنده ولا ظن،  عقيدته هى الحق لا محالة، هى الحق اليوم وهي الحق غداً، خرجت  عن أن تكون مجالاً للدليل، وسمت عن معترك الشكوك والظنون

ذو الرأى فاتر أو بارد، أن تحقق ما رأى أبتسم ابتسامة  هادئة رزينة، وإن لم يتحقق ما رأى فلا بأس، فقد  احترز من قبل بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيره  خطأ يحتمل الصواب، وذو العقيدة حار متحمس لا يهدأ إلا  إذا حقق عقيدته. هو حرج الصدر، لهيف القلب، تتناجى فى  صدره الهموم، أرَّق جفنه وأطال ليله تفكيره فى عقيدته، كيف  يعمل لها، ويدعو إليها، وهو طلق المحيا مشرق الجبين، إذا أدرك  غايته، أو قارب بغيته.

ذو الرأى سهل أن يتحول ويتحور، هو عبد الدليل،  أو عبد المصلحة تظهر فى شكل دليل، أما ذو العقيدة فخير  مظهر له ما قاله رسول الله: "لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر  فى شمالي على أن أدع هذا الذى جئت به ما تركته" وكما  يتجلى فى دعاء عمر: "اللهم إيماناً كأيمان العجائز"

لقد رووا عن "سقراط" أنه قال "إن الفضيلة هى المعرفة"  وناقشوه فى رأيه، وأبانوا خطأه، واستدلوا بأن العلم قد يكون فى  ناحية، والعمل فى ناحية، وكثيراً ما رأينا أعرف الناس بمضار  الخمر شاربها، وبمضار القمار لاعبه. ولكن لو قال سقراط إن الفضيلة  هى العقيدة، لم أعرف وجهاً للرد عليه، فالعقيدة تستتبع العمل على  وفقها لا محالة، قد ترى أن الكرم فضيلة ثم تبخل، والشجاعة  خيراً ثم تجبن، ولكن محال أن تؤمن بالشجاعة والكرم ثم  تجبن أو تبخل.

العقيدة حق مشاع بين الناس على السواء، تجدها فى  السذج، وفي الأوساط، وفي الفلاسفة. أما الرأي فليس إلا  للخاصة الذين يعرفون الدليل وأنواعه، والقياس وأشكاله.  والناس يسيرون فى الحياة بعقيدتهم، أكثر مما يسيرون بآرائهم،  والمؤمن بعقيدته يرى ما لا يرى الباحث برأيه، قد منح المؤمن  من الحواس الباطنة والذوق ما قصر عن إدراكه القياس والدليل الناس إنما يخضعون لذى العقيدة، وليس ذوو الرأى إلا ثرثارين  لا يعملون، عنوا بظواهر الحجج أكثر مما عنوا بالواقع،  لا يزالون يتجادلون فى آرائهم حتى يأتى ذو العقيدة فيكتسحهم.

قد يجود الرأى وقد ينفع، وقد ينير الظلام وقد يظهر  الصواب، ولكن لا قيمة لذلك كله ما لم تدعمه العقيدة، وقل أن  تؤتى أمة من نقص فى الرأى، ولكن أكثر ما تؤتى من  ضعف فى العقيدة، بل قد تؤتى من قبل كثرة الآراء أكثر  مما تؤتى من قلتها.

الرأى جثة هامدة، لا حياة لها ما لم تنفخ فيها العقيدة من  روحها، والرأي كهف مظلم لا ينير حتى تلقى عليه العقيدة  من أشعتها، والرأي مستنقع راكد يبيض فوقه البعوض،  والعقيدة بحر زاخر لا يسمح للهوام الوضيعة أن تتولد  على ظهره، والرأى سديم يتكون، والعقيدة نجم يتألق.

ذو الرأى يخضع للظالم وللقوى، لأنه يرى أن للظالم والقوى  رأيا كرأيه، ولكن ذا العقيدة يأبى الضيم ويمقت الظلم، لأنه  يؤمن أن ما يعتقده من عدل وإباء هو الحق ولا حق غيره

ومن العقيدة ينبثق نور باطنى يضىء جوانب النفس، ويبعث  فيها القوة والحياة، يستعذب صاحبها العذاب، ويستصغر  العظائم، ويستخف بالأهوال، وما المصلحون الصادقون فى  كل أمة إلا أصحاب العقائد فيها.

الرأى يخلق المصاعب، ويضع العقبات، ويصغى لأمانى  الجسد، ويثير الشبهات ويبعث على التردد، والعقيدة تقتحم  الأخطار، وتزلزل الجبال، وتلفت وجه الدهر، وتغير سير التاريخ،  وتنسف الشك والتردد، وتبعث الحزم واليقين، ولا تسمح إلا لمراد الروح

ليس ينقص الشرق لنهوضه رأى، ولكن تنقصه العقيدة،  فلو منح الشرق عظماء يعتقدون ما يقولون لتغير وجهه وحال  حاله، واصبح شيئاً آخر، وبعدُ، فهل حُرِم الأيمان مهبط الإيمان؟

اشترك في نشرتنا البريدية