... وأخيرا تغلب العزم المصمم على التردد الخوار فصدرت الرسالة وما سلط على نفوسنا هذا التردد إلا نذر تشاع وأمثال تروى .. وكلها تصور الصحافة الأدبية فى مصر سبيلا ضلت صواها وكثرت صرعاها فلم يوف أحد منها على الفاية، والعلة أن السياسة طغت على الفن الرفيع، والأزمة مكنت للأدب الرخيص، والأمة من خداع الباطل فى لبس من الأمر لا تميز ما تأخذ مما تدع! فلما تناصرت على هذه الوساوس حجج العقل، ونوازع الواجب، وعدات الأمل، أصبحت الأسباب التي كانت تدفع إلى النكول بواعث على الاقدام وحوافز للعمل؛ لأن غاية (الرسالة) أن تقاوم طغيان السياسة بصقل الطبع، وبهرج الأدب بتثقيف الذوق، وحيرة الأمة بتوضيح الطريق.
أجل هذه غاية الرسالة! وما يصدفنا عن سبيلها ما نتوقع من صعاب وأذى، فان أكثر الناهضين بها قد طووا مراحل الشباب على منصة التعليم، فلا يعيبهم أن يخلقوا برد الكهولة على مكتب الصحافة، والعملان فى الطبيعة والتبعة سواء، ومن قضى ربيع الحياة فى مجادب ذلك، لا يشق عليه أن يقضى خريفها فى مجاهل هذا!
أما مبدأ الرسالة فربط القديم بالحديث، ووصل الشرق بالغرب. فبربطها القديم بالحديث تصنع الأساس لمن هار
بناؤه على الرمل، وتقيم الدرج لمن استحال رقيه بالطفور! ويوصلها الشرق بالغرب تساعد على وجدان الحلقة التى ينشدها صديقنا الأستاذ أحمد أمين فى مقاله القيم بهذا العدد
والرسالة تستغفر الله مما يخامرها من زهو الواثق حينما تعد وتتعهد. فان اعتمادها على الأدباء البارعين والكتاب النابهين فى مصر والشرق العربى، واعتصامها بخلصانها الأدنين من أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر، وهم صفوة من خرجت مصر الحديثة فى مناحى الثقافة، إذا اجتمعا فى نفسها مع ما انطوت عليه من صدق العزم وقوة الايمان أحدثا هذه الثقة التى تشيع فى الحديث عن غير قصد.
على أن للرسالة من روح الشباب سندا له خطره وأثره، فانهم أحرص الناس على أن يكون لثقافتهم الصحيحة مظهر صحيح. وما دامت وجهة الرسالة الاحياء والتجديد، وطبيعة الشباب الحيوية والتجدد، فلابد أن يتوافيا على مشرع واحد!
فالى أبناء النيل ويردى والرافدين تتقدم بهذه الرسالة، راجين أن تضطلع بحظها من الجهد المشترك فى تقوية النهضة الفكرية، وتوثيق الروابط الأدبية، وتوحيد الثقافة العربية، وهى على خير ما يكون المخلص من شدة الثقة بالمستقبل، وقوة الرجاء فى الله.
