سادتي : سأتحدث إليكم اليوم في موضوع أدبي خطير ، لكيلا أكلف نفسي عبثًا في بذل مجهود لن يكلل بالنجاح ، بمحاولة حمدكم وشكركم . وهو أمر سيبدو فيه عجزي وقصوري ، ويتبين فيه عيي وافتضاحي . وأنتم أجل وأرحم من أن ترتضوا لي موقف العي والافتضاح .
كذلك أخشى - إن أنا حاولت شكركم - أن يخجل تواضعي خجلا شديدًا ، وأن تتضرج وجناته بالدماء الغزيرة ، فلا يبقى لدي تواضع ولا خجل ، وأنا في أشد الحاجة للاحتفاظ بالبقية الباقية من خجلي وتواضعي .
لهذا لن أحاول شكركم . بل سأحاول أن أحاضركم محاضرة وجيزة ، في موضوع أدبي جليل : وهو موضوع الرقيب والرقابة في الأدب العربي .
الموضوع الذي أعرض له اليوم يشتمل على مأساة . وقد يسميها بعض الساخرين الفارغي القلب ملهاة أو مهزلة ، وهذا خطأ فاضح ، لأن البطل فيها ينتهي به الأمر عادة إلى الوفاة .
هذه المأساة ذات أشخاص ثلاثة : المحب أو العاشق ، وهو البطل ، والحبيبة أو المعشوقة وهي البطلة ، والشخص الثالث ، وهو شرير الرواية ، ويسمى الرقيب .
وأرجوكم - وأنا بعد في فاتحة المحاضرة - أن تتذكروا وتحفظوا هذه الأشخاص جيدًا لكي يسهل عليكم فهم الرواية ، وتلموا بالموضوع خير إلمام . فإذا وجدتم صعوبة في حفظها ، فاذكروا أن المجمع اللغوي جعل
السندوتش عبارة عن شاطر ومشطور وبينهما طازج (1) وقصتنا عبارة عن عاشق ومعشوق وبينهما رقيب .
ولا بد لي أن ألفت نظركم إلى أن البحث الذي أدلى إليكم به الآن ، مبني على شهادة أحد الطرفين ، دون الآخر . وجميع ما بين يدي من القطع الأدبية من وضع البطل نفسه ، وأحيانًا من وضع البطلة . لدينا أشعار كثيرة يصف فيها الشاعر العاشق حاله ومآله ، وما جرى له مع الرقيب . . . أما الرقيب فلم يكتب لنا أثرًا أدبيًا يدافع به عن نفسه ، ويدلي فيه برأيه في المحبين وأخلاقهم وأعمالهم . وهذا نقص كبير في الأدب العربي لابد لشعرائنا من تلافيه بأن ينظموا القصائد العظيمة على لسان الرقيب . حتى يكون هنالك عدل في عالم الأدب ، إذا تعذر العدل في بقية نواحي الحياة .
لقد كان موقف العشاق من الرقباء يتخذ مظاهر شتى ، حسب مزاج المحب وطبعه ، ونزعته للخير أو الشر . وسأسوق هنا طائفة من الأمثلة أدلل بها على المظاهر المختلفة ، لتلك المأساة .
1 - الخضوع والاستسلام :
ومن أهم هذه المظاهر أن يستسلم المحب لحكم القضاء الذي سلط عليه الرقيب ، يُتبِعه أينما ذهب ، نظرًا حادًا وعينًا لا تغفل . فيقول ابن الدمينة :
أحقًا عبادَ الله أن لست صادرًا
ولا واردًا إلا عليَّ رقيبُ !
ولا زائرا فردًا ولا في جماعة
من الناس إلا قيل : أنت مريبُ
وإن الكثيب الفرد من جانب الحمى
إليَّ ، وإن لم آته ، لحبيبُ
فأنتم تحسون في هذه الأبيات نغمة الاستسلام والخضوع ، وكيف اضطر العاشق الولهان لأن يذعن للقضاء ، فيمتنع عن زيارة الكثيب الفرد ، مع أنه لا يزال يحبه حبًا شديدًا .
ومن الخضوع والاستسلام أيضًا قول الآخر :
ولما رأيت الكاشحين تتبعوا
هوانا وأبدوا دوننا نظرًا شزرا
جعلت وما بي من صدود ولا قلى
أزوركم يوما وأهجركم شهرا
ويدخل في باب الخضوع والاستسلام أيضا ماحدث لأبي الطبيب المتنبي مع رقبائه ، حين ظن أنه سيتخفى من عيونهم بالظلام الدامس . ولكنه ارتكب غلطة فظيعة ، إذ عشق امرأة كالشمس في رابعة النهار . فكان من المستحيل أن تزوره في الظلام ، لأن نورها ساطع فاضح . وكان من الحمق والطيش أن يعشق امرأة هذا شأنها ؛ وكان أولى أن يحب زنجية سوداء تحيل النهار الواضح ليلا قاتمًا . وأظنه أدرك خطأه بعد ذلك ، فقد حدثنا من نثق بكلامه أنه رآه جالسًا في سوق حلب يدق كفًا بكف . ويبكي ويقول :
أمِنَ ازديارَكِ في الدجى الرقباءُ
إذ حيث كنت من الظلام ضياء
هذا ما كان من أمر أبي الطيب .
وربما دخل في باب الخضوع والاستسلام أيضًا قول ابن المعتز :
وأبلاني من محضري ومغيبي
وحبيب مني بعيد قريب
لم ترد ماءَ وجهه العينُ إلا
شرقت قبل ريها برقيب !
هذه الرواية المشهورة . وفي رواية أخرى شرقت قبل ربها بتوفيق صليب . ولا أظن هذا صحيحًا ، لأن فيه إخلالا بينًا بالوزن لا يجوز من مثل ابن المعتز . ولو كان الشاعر محمود أبو الفتح أو كريم ثابت ، لكان الموضوع محل نظر .
أنتهي الآن من باب الخضوع والاستسلام ، وأنتقل إلى باب :
٢ - انتهاز الفرصة واستغفال الرقيب :
فالرقيب كسائر الناس قد يغفل أو يُستغفل ، فينتهز العاشق المتيم هذه الفرصة ، فيمتع بصره بمحاسن محبوبه . فإذا صحا الرقيب وحملق بعينه ، تظاهر العاشق بأنه رجل بريء ، بعيد كل البعد عن الحب والغرام . وفي هذا يقول ابن المعتز :
أرد الطرف من حذري عليه
وأمنحه التجنب والصدودا
وأرصد غفلة الرقباء عنه
لتسرق مقلتي نظرًا جديدا
وربما دخل في هذا الباب أيضا قول الشريف الرضي في قصيدته المشهورة :
ياظبية البان ترعى في خمائله ليهنك اليوم أن القلب يرعاك
الماء عندك مبذول لشاربه وليس يرويك إلا مدمع الباكي
هامت بك العين لم تتبع سواك هوى من علم العين أن القلب يهواك
وفيها يقول :
عندي رسائل شوق لست أذكرها
لولا الرقيب لقد بلغتها فاك
3 - سب الرقيب وشتمه
وهنالك شعراء من العشاق ، أو عشاق من الشعراء ، نهجوا منهجًا عنيفًا نحو الرقيب ، فهم يضربونه إذا استطاعوا بأيديهم ، وإلا فبألسنتهم ، طبقًا لما جاء في الخبر المأثور : من رأى منكم رقيبًا فليضربه بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه .
وعلى رأس هذه المدرسة شاعر اشتهر بالبذاءة وطول اللسان ، وهو ابن الرومي ، الذي لم يتورع من هجاء كل شئ ، وكل إنسان ، حتى هجا الورد من غير يحرج ولا مبالاة .
قال المذكور - عفا الله عنه - وما أظنه يفعل - في هجاء الرقيب :
ما بالها قد حسنت ورقيبها
أبدًا قبيحٌ ؟ قُبِّح الرقباءُ
ماذاك إلا أنها شمس الضحى
أبدًا يكون رقيبها الحرباءُ
هذا مثال من سفاة تلك الطائفة ، وأرجو أن تسمحوا لي ألا أطيل الحديث عنها ، وأن أنتقل بسرعة إلى طائفة أخرى ، لعلها أسمى وأنبل جماعة في العشاق ، ألا وهي طائفة العشاق الذين عليهم من أنفسهم أقوى رقيب . فليس بهم حاجة لمن يراقبهم ويلاحظهم ، وما فائدة الرقيب حين يكون البطل شريفًا نبيلا ، والمعشوقة قد لفها ثوب الصيانة والعفاف من الرأس إلى القدم ؟
وخير مثال لهذه الطائفة الشريف الرضي ، ومن أحق من الشريف الرضي بأن يتزعم هذه الجماعة :
عشقت وما بي يعلم الله حاجة
سوى نظري ، والعاشقون ضروب
عفافي من دون التقية زاجرٌ
وصونُك من دون الرقيب رقيب
وكذلك قال شوقي رحمه الله :
وعلينا من العفاف رقيب تعبت في مراسه الأهواء
والآن أيها السادة ، إن حديث الرقباء طويل كحديث العفاريت ، لا يكاد ينتهي ، ولذلك فإني مضطر لأن أقطعه قطعًا . ولكن هنالك طائفة أخرى لا بد لي أن أختم بها هذا البحث ، وهي طائفة عجيبة غريبة . العاشق فيها شاعر ضخم . قد اكتسى جسمه من اللحم والشحم مازنته عدة قناطير . وهم مع هذا يزعمون انهم من التحول
والرقة بحيث صارت أجسامهم شفافة ، لا يراها الرقيب ، ولو استعان بمنظار ، فهم يزورون أحباءهم جهارًا في رابعة النهار ، فلا يستطيع الرقيب أن يراهم ، لأن الواحد منهم كالخيال المضمر . وعلى رأس هذه المدرسة شاعر مصري خفيف الروح يدعى كامل الشناوى . وقد أنشد في هذا الموضوع قصيدة عصماء يقول فيها :
قل للرقبيب بدار أهرام الهوى
هل جئت ترتقب الخيال المضمرا ؟
إني بليت من الصبابة والجوى
حتى خفيت عن العيون فلا أرى
وبعد - أيها السادة - في هذه المأساة ذات الأشخاص الثلاثة ، قضى عليَّ القدر الجائر ألا أمثل دور العاشق ، بل دور الرقيب . وكان عليَّ في هذه الأشهر الستة أن أراقب العاشق المتيم " رجل الصحافة " وهو يجد في البحث عن معشوقته " الحقيقة " فيضنيه هذا الحب ، ويعنيه هذا البحث .
لقد كان من نكد الدنيا على الحر أن يكلف مراقبة الأحرار ولكن كان من حسن حظي أن العشاق الذين كلفت مراقبتهم هم جميعًا من طراز الشريف الرضي ، شعارهم العفة والصدق والإخلاص . ولهذا لم يكن عملي شاقًا ولا مجهدًا . والأمر الذي كنت أُقدِّر أن يكون كريهًا على نفسي مُبغضًا إلى نفوسهم ، قد أصبح بفضل نبلهم وعفافهم عملا سهلا ميسورًا .
وهكذا تنشأ حالة جديدة في الرقابة لم يذكرها شعراؤنا من قبل ، وهي الرقيب الذي انتهت به المراقبة إلى أن أحب من يراقبهم ، وبذل جهده في التقريب بينهم .
وإني - إذ أودعكم اليوم كرقيب - أود أن تقبلوني كصديق ، فلئن كان هنالك شك في صلاحيتي للمراقبة ، فإني لا يتسرب إليَّ الشك في صلاحيتي للصداقة . والسلام عليكم ورحمة الله .

