ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة
كفاني ولم أطلب ، قليل من المال
ولكنما ، أسعى لمجد مؤثل
وقد يدرك المجد المؤثل ، أمثالي
هكذا كان الفريق الزبير باشا - عليه سلام الله - ما سعى سعي لدائه وأترابه المال يجمعه ويحيي به حياة الناعمين المترفين ، ولكنه سعى لمجد عريض مؤثل فأدركه ، وطار صيته في الآفاق كل مطار ، ولولا إخلاصه ووفاؤه لمصر لأربى في سعيه للمجد على الغاية ، ولكان لتاريخ السودان وجهة اخرى غير ما هو عليه اليوم .
ولد الزبير صنو عبقرية فريدة في نوعها ، وتجمعت في شخصه من أنادر الشيم خلال كن سر تلك العبقرية ، وكن يتجهن به إلى أن يسود ويحكم الرجال ويفتح الأمصار . ويخوض المعارك ، ويعالج مشاكل الحرب والفتوحات بدهاء السياسي ولياقة الدبلوماسي وقدرة القائد ، وحصافة الإداري السديد النظرات ، ولو كان في أوربا - كما قيل عنه - " لكان له شأن وأي شأن ، ولترك في تاريخها اثرا بعيدا "
انحدر الزبير من أسرة عريقة الأصل كريمة النسب لها في الذاهبين قدم صدق ، وكانت له من موروث تلك الأرومة العربية صفات وتقاليد ساعدته في ما وصل إليه في عصاميته إلى أسمى المراتب وأعلى المناصب ، وما اتصف به من سجايا الشجاعة النادرة والذكاء اللامع ، والخيال الذي حقق به أطيافا في المجد حامت بعقله المترامي الخيال ، وامتزجت بنفسه بذلك صفات الحالمين المتأملين ، والعمليين المنفذين والواقعيين الذين لا تقف في سبيلهم العوائق والعقبات ، وقد قدر لتلك الصفات جميعها أن يكون لها في مقبل أيامه أعظم النتائج والأثار .
كان الزبير عميق الإيمان وثيق الاعتماد على الله ، وكان
إذا ضاقت به الحوادث وأظفت أمامه السبل اعتمد على الله ولجأ إليه ليكشف كربه وينير الطريق أمامه وينقذه من الملمات والأزمات ، وقد مرت به في حياته فترات حرجة . كانت أية واحدة منها كافية لأن تورده موارد الحنوف ، وأن تثنيه في مستقبله عن ركوب الأخطار والمغامرات ، ولكن صفاته التي سردنا وإيمانه بالله الذي نوهنا عنه ، وأحلامه وطموحه جعلته لا يوصد باب مخاطرة إلا فتح بعدها أبواب مخاطرات اخرى ، وكان محرج منها جميعا عنقي الصفحات طاهر الذيل .
وما أذهب بعيدا في سرد تاريخه العظيم ، ففي هذا الكتاب الفريد القيم ، وأسلوبه الجميل الممتع مايجلو للقارئ الكريم بعض ما قام به الزبير باشا من جلائل الأعمال . وبحمى هنا أن أذكر في إيجاز أن الزبير الشاب خرج من قريته " الجبلي " الواقعة شمال الخرطوم لا يحمل من متاع الدنيا غير عصا في يد ؛ وانطلق إلى مجاهل جنوب السودان سعيا وراء المال والتجارة ، ولكنه سرعان ما انصرف إلى وجهته التى وضعتها فيه الأقدار ، لينقلب عما قليل من تاجر يشتري الريش وسن الفيل وما في جنوب السودان من تجارة ومتاع ، إلى فاتح يجند الجيوش لحسابه ومن جيبه ! وقائد يفتح البقاع ، ومحارب يتصدي لقوم أشارس ، الحرب طبيعتهم والطعان ديدنهم ؛ ويجوس خلال ديار بقيت طوال الدهور بعيدة من أن تطأها قدم غريب عنها
ومن أسف أن تاريخ النخاسة في أفريقيا كتبته أقلام أجنبية لم تتحر البحث الدقيق والحق الصراح ولم تعلم من تاريخ تلك البقاع النائية وتقاليد ملوكها شيئا ، ولكنها أخذت بظاهر الأحوال ، ووصمت الزبير باشا عينا وافتراء بأنه أكبر تجار الرقيق تارة ، وبأنه ملك تجارة الرقيق تارة أخرى ؛ وفي هذه الصفحات ما يكفي لتفنيد هذه الوصمة ،
وفيها لمن يمعن النظر في نفسية الزبير وروحه وعقليته ، ولمن بقدر موافقه النبيلة . ووفاء لمصر ولعزيزها في ذلك الوقت . كفاء من أدلة قاطعة على أنه كان أعظم قدرا وأعلي نفسا من أن ينغمس في تلك التجارة الأدمية البغيضة التى كانت سائدة ومتمشية مع روح العصر في ذلك الزمان . فلم يكن شراء الزبير للرقيق غاية في ذاته للكسب والثراء وللمبيع والتجارة ولكنه اشتري رقيقا وافتدى خارجين على القانون وضم أسرى حروبه . ليكون منهم جيشه العرمرم الذي سار به يفتح قرى بحر الغزال قرية قرية ، ويقهر ملوكها ملكا ملكا ، ثم ليضمها في النهاية إلى الأمبراطورية المصرية ويرفع في ربوعها علم مصر ، أو إن شئت فقل علم دولة وادي النيل . وكان للزبير إن أراد أن يستقل بأمرها وعكسها لنفسه . ولكن ولاءه لمصر وإخلاصه لها جعله يقنعها إلى الخديو إسماعيل باشا هدية برهان على الإخلاص والولاء ، ولم يطلب أجر ما صنع وبذل تعويضا أو مالا من مصر . وكان حسبه أن منح رتبة "بك" تقديرا أدبيا له ، وأغلب ظني أنه كان أول سوداني حظى بتلك الرتبة في تاريخنا الحديث .
ومضى الزبير من بحر الغزال إلي دارفور فضمها هي الأخرى إلي دولة وادي النيل . وحقق بعمله ومجهوده وحده ما جاء في الفرمانات الشاهانية خاصا بلقب عزيز مصر ، بأنه صاحب النوبة (١) والدارفور وكردان حتى قبل أن تفتح دارفور . ولم يطلب الزبير شيئا لنفسه أيضا كما كان حاله في ضم بحر الغزال إلي رفعة الأمبراطورية العربية ، وكان حسبه أيضا أن يكون تقدير خديوي مصر له رتية الباشوية هذه المرة وكان فتح دارفور آخر عهده بالفتوحات وتجنيد الجيوش .
كان هذا المجد الذي حصل عليه الزبير تارة مجد الحسام وتارة اخري بالدبلوماسية والكفاءة الإدارية ، كافيا أن يثير عليه حسد من كانوا يديرون شئون السودان من حكامه الاتراك . فنشط المسامون يحوكون حوله الوشايات ويدخلون في روع أولى الأمر بالقاهرة ، أن الزبير إذا ترك وشأنه في السودان فقد يستقل به ويفصله عن مصر ويتوج نفسه عليه ملكا ، وله من شهرته وجد صيته وجنوده الأقدمين ما يستطيع به تحقيق تلك الأحلام . وقد يحسب
الناس أن تلك الغربة لها نصيب من الصحة ، وإلا لما احتجز الزبير في مصر ، وقد أثبتت الأحداث أن تلك الوشاية بعيدة من الحق وان الزبير حتى بعد أن بقى في القاهرة شبيها بالمعتقل فيها ، وبعد أن قتل ابنه سليمان بك الزبير ، وبعد أن صودرت أمواله وبعد أن نفي إلى جبل طارق ، تمسك بولائه ووفائه لمصر . فلم يغير ما بقلبه من ولاء ما لاقاء من أذى وجحود في القاهرة ، وقد عرض عليه الإنجليز في جبل طارق أن يقبل حكم السودان مستقلا عن حكومة مصر " وكان رد الزبير كما ورد في مذكراته - وكان اقتراحا غريبا وقحا ، لم يسعنى إلا أن أرفضه . فما كان لتاريخ أسرتنا منذ عام ١٨٢١ ، أي منذ أن بدأ اتصال ولائها بأسرة الحكم في مصر ، بأن يقبل هذه الخيانة أو عرضا لحكم السودان عن طريق الإنجليز كان من الواضح أنهم يريدون أن يجعلوا مني أجيرا لمصلحتهم ، فلما اشتد الجدل حول هذا الأمر ، غادرت الاجتماع غاضبا وأبيت أن أخوض في شئون بلادي مع هؤلاء الإنجليز " .
وفي هذا دليل وأي دليل على ولاء الزبير لمصر وإخلاصه لبلاده ، وانه كان رجلا صافيا نقي الصفحات ، ثم تعرف المطامع إلى قلبه سبيلا ، أو تعرف الأحقاد إلى نفسه مدخلا ، ولو كان غير وفي أو كان حقودا أو كان صاحب مطامع كما وشوا به عند الخديوي لوجد في هذا العرض وهو أسير بجبل طارق ، فرصة مواتية لشفاء نفسه مما لاقى من نكران وضياع للأموال وجحود لما قدم لبلاده من جليل الأعمال ، وكان موقفه هذا من الإنجليز شبيها بموقفه من الفرنسيين غداة عرضوا عليه أن يتوسط بين فرنسا وبين وليه القائد العظيم رابح الزبير ، لعقد اتفاق حتى يكف رابح عن حرب الفرنسيين في منطقة بحيرة تشاد . وإن فرنسا ستدفع له مقابل ذلك ما يشاء من مال ومطالب . كانت الشدائد والمغريات والعروض تكتف الزبير وكانت كافية أن تغير ما بنفسه ، ولكنه ظل مخلصا وفيا زاهدا في أعراض الحياة ، وفي هذه المواقف ما ينفي ما ألصقه به الواشون من مفتريات .
كانت للزبير صفات عظيمة نادرة ، كان رجل مال يعرف كيف يدبره . وكان رجل قتال وغزوات يعلم كيف يسوق الجيوش ويجمع الأجناد ، وكان إداريا يدرك كيف يسوس البلاد التي وقعت تحت قبضته ، وكان دبلوماسيا يفهم
كيف يحرر المعاهدات ويحاور الملوك والأقطاب . جمع الأموال فبددها كرما وجودا ، حتى إن هباته كانت مضرب الأمثال . وصل إلي القمة حيث لم تكن كلمة إلى كلمته وانحدر حتى أصبح رهين اشارة الذين اعتقلوه . وأحس مرارة فراق الوطن وفقد الأحباب ، وضياع الأموال ولكنه في كل هذا ، فما مر به من نعيم وبؤس ، ومجد وأفول نجم ، كان ذلك الطور الشامخ لم تتغير نفسيته ولم يقل وفاؤه ولم تتغير سجاياه
ترى ماذا كان يكتبه المؤرخون عنه ، لو أنه لم يكن سودانيا من أهل وادي النيل ؟ ترى ماذا كان يصفه به الفرنسيون أو البريطانيون لو أنه كان منهم ؛ ماذا كانوا يصفون . فتوحاته في مجاهل أفريقيا وأحراشها المظلمة ، وماذا كانوا يصفون به مواقفه في أصقاع البلقان ، أو كيف كانوا يصفون خلاله وما اتصف به من نادر الخلال !! إنهم كانوا ولا ريب يعظمون قدره ويخلدون ذكره ، ولعدوا غزواته وفتوحاته ضربا من التهاويل والخرافات .
ترى أيكون نصيب الزبير من تقدير بلاده له ما حصل عليه بمجهوده هو من مكانة ورتب وأوسمة ؟ أيكون نصيبه هذه الصفحات تتلى وتقرأ سيرة من سير التاريخ ، أم إن مصر ستقدر لهذا البطل العظيم ما أدى إلى وادي النيل من خدمات فتخلد ذكراه وتنشر ما طوى من صفحات مجده .
لقد امتدت رقعة الأمبراطورية المصرية في عهد إسماعيل من البحر المتوسط إلى البحيرات الجنوبية جنوبا . وحسب أهل السودان فخرا أن مواطنهم الزبير العظيم قد كان أحد بناة تلك الإمبراطورية ، ضم إليها بحر الغزال وضم إليها دارفور .
وإذا كنا في الآونة الراهنة ندعو إلى الجلاء والوحدة ، فلي أن أقرر هنا أن فكرة وحدة وادي النيل جاءت دائما من السودان . نادى بها السودانيون يوم أقبلوا على محمد علي باشا الكبير يطالبونه بأن يوحد مصر والسودان ، وكانت دعوتهم تلك بيعة له على الولاء ، والإخلاص كما بايعه المصريون على ولاية مصر . وإذا كانت تلك الوحدة قد تحققت في عهد رأس الأسرة العلوية ، فإن الزبير باشا بما ضمه إلى رقعة الأمبراطورية المصرية من مديريتي بحر الغزال ودارفور فكانتا درتين في تاج مصر ، قد حقق وحدة وادي النيل تحقيقا عمليا . اليست الوحدة جاءت إذا من الجنوب ؟ عليك سلام الله يا أبا سليمان .

