الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 139الرجوع إلى "الثقافة"

الزعماء الثلاثة

Share

فى هذا الشهر من هذا العام مات زعيمان جليلان : زعيم هندى روحانى هو تاغور ، وزعيم مصرى مالى هو طلعت حرب . وفى هذا الشهر منذ أربعة عشر عاما مات زعيم مصرى سياسى هو سعد زغلول ، فكان لأغسطس  حق الفخر فى احتوائه هؤلاء العظماء إن حق لشهر أن يفخر باعتدائه واحتوائه ، أو له حق الخجل من عمله ، إذ حرم أممهم وعالمهم الفخر بقيادتهم ، والانتفاع بمواهبهم ، أو هو لا يفخر ولا يخجل ، لأن الدهر له مقاييس غير مقاييسنا ، ونظرات غير نظراتنا ؛ وله عذره فى أن الموت لا يعدو أشخاص الزعماء وأجسادهم ، أما أفكارهم ومبادئهم فحية أبدا ، خالدة أبدأ ؛ إن عدا الدهر عليهم يوما فلا يضن

يوما آخر أن يبعث من يأخذ رايتهم ، ويسير قدما إلى غايتهم ، وينقل التقدم من ميدان إلى ميدان ؛ فإن أساء فقد كفر ، وإن أمات فقد أحيا .

كان كل زعيم من هؤلاء عظيما ، وكان كل ينظر إلى الحياة من زاوية آمن بها ، وضحى لها ، وفنى فيها ، ووصل إلى أعماقها ، فاستخرج مكنونها ، وأضاء ظلامها ، وشوق إليها ، واستحث أتباعه أن يؤمنوا إيمانه ، وينظروا نظرته ، ويسيروا سيرته ؛ وقد أوتوا جميعا من حرارة العقيدة وجميل البيان وصفاء الإيمان ما أنجح دعوتهم ، ونصر مبادئهم ، فماتوا وقد لونوا عالم بلونهم ، ورفعوا أتباعهم إلى قريب من منزلتهم ، ونشروا الإيمان بالفكرة والكفر بالعقبات ،

وبثوا الاعتزاز بالمبدأ والاستهزاء بالصعوبات ؛ فكان لهم بعض ما أرادوا ، والزمن كفيل أن يحقق كل ما أرادوا .

فأما " تاغور " فرجل روحانى ، هو خلاصة أفكار الهند ، وعصارة نزعاتها الروحية والحلولية ، عبر عنها بأساليب العصر الحديث ولغته وروحه ، لا فرق عنده بين الحق والخلق ، ولا بين الله والعالم ؛ فالعالم مظهر الله ، والطبيعة شعاره ، وهو - تعالى - حال فى كل ذرة من ذرات العالم ، تراه فى رمال الصحراء ، وفى صفاء الماء ، وفى أوراق الأشجار ، وفى تفتح الأزهار ، وفى البعوضة فما فوقها ، وفى النجوم فما دونها ، يتجلى فى كل شئ حسب استعداده ؛ ولا شئ سوى الله ؛ والكائنات أجزاء منه وأبعاض له وكلها كله ، فهى وهو كأمواج البحر فى البحر :

فما البحر إلا الموج لا شئ غيره

                        وإن فرقته كثرة التعدد

فمن مزامير تاغور : " هو الله فى كل شئ : فى الماء وفى النار ، وفى العشب والشجر ، هذا إلهنا ، الذى تعنو له وجوهنا " .

أداه هذا النظر إلى أن يألف الطبيعة ويهيم بها ، ويتذوقها بحواسه كلها وبروحه كلها ، وينفق الساعات ذوات العدد فى الاستمتاع بجمالها والإصغاء إليها وعبادة الله فيها .

كما أداه ذلك إلى أن يكره من المدنية الحديثة عنفها فى محاربة الطبيعة ، ومحاولتها إخضاعها وإذلالها ، كأن نزعة الحرب فيها عمت كل شئ ؛ فالإنسان يحارب الطبيعة ، والانسان يحارب الانسان ، والطبقات تحارب الطبقات ؛ وروحانية تاغور تدعو إلى الحب لا الحرب ، فحب الطبيعة وحب الانسان ، وحب العالم ، لأنه يحب الله فيحب مظهره ، ويرى الله فى كل شئ فيحبه فيه .

وهو روحانى ، يرى أن المادة ليست كل شئ ، وأن

لنا روحا غير مادتنا ، وأن ليست علاقة فكرنا بمخنا علاقة معلول بعلة ، وأن لنا صلة بالأرض وصلة بالسماء ؛ ومن أجل هذا نعى على المدنية الغربية أنها تعنى بالمادة ولا تعنى بالروح ؛ فهى تعبد المادة وتفكر فى المادة ، وينقصها التأمل الشرقى ، كما ينقص الشرقى العمل الغربى وقوة الارادة الغربية ، حتى تتعادل الكفتان ، ويكمل العنصران .

كانت هذه عناصر دينه ، ثم هو منح قوة فنية رائعة ، وثقافة عصرية واسعة ، واطلاعا على العالم برحلاته العديدة إلى أوربا وأمريكا واليابان ، ونظرا نافذا إلى بواطن الأمور ، وملكا لناصية اللغة الانجليزية كملكه لناصية لغته الاصلية ؛ فصب فيها آراءه وفنونه ، ونشر تعاليمه بشعره ونثره وقصصه وموسيقاه ، فسمعها العالم ، ووجد فيها نوعا من الغذاء الصالح الجديد يخالف فى عناصره عناصر الغذاء الغربى القديم . لقد جلجل صوته بكل النغمات ، فى جمال الطبيعة ، وحب الأطفال ، وحب البساطة وحب الله ، وترك من كل ذلك ثروة للعالم سوف تنقضى السنون ولما يهضموها .

وكان ينظر إلى السياسة كما ينظر إلى الفلسفة ، إنما يهمه من النظم السياسية آثارها فى الحياة الاجتماعية ، ويقوم أنواع الاستقلال بقدر ما تستتبع من إصلاح .

ولئن كان تاغور رجلا " مثاليا " يغوص تارة إلى أعماق الماء ، ويجوز مرة أجواز الفضاء ، ويرى فى كل شئ من نبات وحيوان وجماد شيئا وراء ظاهره ، وروحا وراء مادته ، وإلها وراء شكله ، فسعد رجل واقعى بفهم الحياة كما تبدو للعين ، وكما يدل عليها الحس والعقل ، لا الشعر ولا الخيال .

فان كان كل إنسان كما يقولون إما أفلاطونيا أو أرسططاليسيا ، فتاغور أفلاطونى ، وسعد أرسططاليسى . نشأ محاميا يرى دنيا الوقائع ، ويدرس قانون

الحوادث ، ويوكل عن الخصم فيدرس قضيته ، ويكيف موقفه ؛ فما زال يكبر فى حرفته بتقدمه فى سنه ونضجه فى عقله ، حتى صار وكيل الأمة ، يدرس قضيتها ، ويكيف موقفها ؛ ولكن قضية الفرد مهما عظمت سهل أمرها يسير حلها ، وخصمه مهما عظم فى مثل منزلته أو قريب منها . أما قضية الأمة فمعقدة أشد تعقيد ، والخصم فيها قوى عنيد ، يلجأ فى المحارية إلى كل الوسائل : إلى الاغراء والتهديد ، وإلى المال والحديد . وما ظنك بخصم فى يده كل قوى الاستعمار ، من علم ومال ، وقوة ودهاء ، وحيل وأفانين ، وجنة ونار ، وإغداق من نعيم ، وإلقاء فى جحيم ، وموكله أعزل ، قريب عهد بحيل الاستعمار ودهائه ، وألاعيب السياسة وتلونها ؟ لابد لمن يقف للدفاع فى مثل هذه القضية من مواهب نادرة ، وقدرة قادرة ؛ فهو - من ناحية - عليه أن يقدم السلاح لقومه ، ومن ناحية - عليه أن يجرد السلاح من خصمه ؛ وعليه أن يكون فيهم رأيا عاما يعقل ويشعر ، ويتحمس ويطيع ، ويضحى ويصبر ؛ وعليه أن يكون من الأمة كتلة متجمعة ترهب المنافقين فلا تسمع لهم ركزا ، وتحير المستعمرين فلا يجد دهاؤهم منفذا ، وعليه أن يتقدم الصفوف فيحدد السير يمينا ويسارا ، وهجوما وانتظارا . ثم هو - إذ يحمل اللواء - يتعرض لكثرة السهام ، فلا يزيده ذلك إلا قوة ، وينفى ويحبس ويشرد ، فيكسبه ذلك صفاء فى نفسه وقوة فى يقينه ، ويزيد الأمة إيمانا به والتفاقا حوله ، فتضحى من تضحيته ، وتقتبس من شعلته ، وتلتهب من حرارته ، وتأخذها حالة أشبه بنوبة عصبية ، أو غيبوبة صوفية تؤمن به إيمان العجائز ، وتطيعه طاعة المريد للشيخ ، وتصم أذنها عن دسيسة الدساسين ، ومؤامرات المنافقين ، ولا يزالون هو وهم فى جهادهم حتى يصلوا إلى الغاية أو يقربوا منها .

كذلك كان سعد ، وكذلك كانت أمته ؛ بصر بقومه

فعرف مواضع ضعفهم وقوتهم ، وعرف كيف يعالج الضعف ويزيد القوة ؛ وبصر بأساليب الاستعمار فعرف كيف يصايرها ويجابيها ، وأوتى من فن الخطابة معجزته ، ومن اللسن سحره ، فما خطب إلا ألهب ، ولا جادل إلا غلب . ولو كانت قضية الاستقلال يقضى فيها بالمنطق والحق لكسبها فى يومه ؛ ولكن الاستعمار لا يسمع المنطق ، وإنما يسمع للقوة ، فلتكن قوة الأمة فى وحدتها وفى إجماعها ، وفى حماستها ، وفى شل حركة خصمها ، وفى التشهير به ، وفى الاحتجاج عليه ، وفى تغذية هذه الحركات فى كل حين ، وفى كل مناسبة ، وفى خلق المناسبة . فكان كذلك ، يغذى الصحف بآرائه ، ويغذى الأسماع بخطبه ، ويلهب النفوس ببيانه ، وينقض تدبير الخصم بإحكام تدبيره ، ويطلع كل حين بجديد . ولولا منافذ ضيقة خفية دخل منها الخصم فأفسد بعض الحركة ، وشوه منظر الاجماع ، لكان له فى حياته ما أراد لقومه . ولو استعرضت حال الأمة حين تسلمها وحين سلمها لرأيت كيف كان عظيما فى نفسه ، عظيما فى أثره .

لقد غنى تاغور وغنى سعد ، فكان لكل صوته ولكل نغمته ؛ فأما صوت تاغور فهادىء وديع ، يسمعه الرحيم فيذرف من العين دمعة ، ويسمعه العاشق فيقبل الطفل فى مهده ، ويتبسم للبستان لزهره ، ويقبل الجمال حيث كان ، ويسمعه المتدين فيسجد للطبيعة وبهائها وسحرها وفتنها ، ويسمعه الظلمة فيسخرون ، والقساة فيستهزئون . وأما صوت سعد ، فيدوى كالرعد ، يسمعه المظلوم فيثور ، والظالم فيغضب ، ويهيج وينقم ، فاذا صراع عنيف بين المظلوم والظالم ، ومعركة حامية بين المسلوب والسالب . صوت تاغور يؤثر ولكن كالماء فى الصخر ، وصوت سعد يؤثر ولكن كالريح العاتية فى الأشجار الخاوية ، ولكل فضل . ***

وأما طلعت حرب فغض نظره عن السماء ونجومها ، والبحار وأمواجها ، والأزهار وجمالها ، كما لوى وجهه عن السياسة ونارها . وحدق فى الذهب والفضة والأوراق المالية ، وسال لعابه لها حتى كاد يلتهمها ، ولكن لم ينظر إليها لنفسه كما فعل غيره ، وإلا ما كان عظيما ولا زعيما ؛ إنما أدرك قيمتها لقومه ، فسعى لها سعيه ، وأنفق  فى ذلك عمره ؛ رأى المال عصب الحياة ، فأيقن أنه إذا قويت الأعصاب قويت الحياة .

قد كان سعد يرى الاستقلال كل شئ ، فماذا كان كانت الحرية وكان العلم وكان الخلق وكان المال . وكان " طلعت " يرى المال كل شئ ، فاذا كان كانت الحرية وكان العلم وكان الخلق وكان الاستقلال ، فكان لكل سيرته ، ولكل وجهة هو موليها . رأى طلعت أن كل مرض اجتماعى علاجه المال ؛ فعلاج الفقر المال ، وعلاج الجريمة المال ، وعلاج البطالة المال ، وعلاج الجهل المال ، وعلاج الاستعباد المال ؛ فكان المال هو السحر الحلال ، ما يمس من مرض إلا كان فيه الشفاء . إن الفلاح بائس لفقره ، ومريض لفقره ، وجاهل لفقره ، ومجرم لفقره ؛ والعاطل عاطل لفقره أو فقر بلده . فلا مشروعات ولا جمعيات ولا نقابات ولا شركات ؛ ومن كان فى يده المال ولم يعرف كيف يستخدمه كان ماله والفقر سواء ؛ والأجانب يحتلوننا بالمال والعمل أكثر مما يحتلوننا بالسيف والسياسة ؛ وأمة واحدة تحتلنا سياسيا ، وكل الأمم تحتلنا ماليا ؛ ولا ينفع استقلال من غير مال ، كما لا ينفع السيف ولا قتال . فلتستقل مصر أول كل شئ بمالها ، بانشاء بنكها ؛ وليعمل المصريون فى كل أنواع النتاج المصرية حتى السمك والأصداف ، ولتمتد اليد المصرية حتى تقلب الأرض وتستخرج خيرها من بطونها ، ولتنقب فى الصحراء حتى تستخرج كنوزها من أحضانها ؛ فإذا كان ذلك فلا عاطل ولا فقير ، بل إن كان

كذلك فلا استعمار ، فانما أساس الاستعمار الاستغلال ؛ ثم لنعبر ماءنا بسفننا ، وهواءنا بطياراتنا ، ونلهو فى مسارحنا ، ونلبس من مزارعنا ، ولا بأس أن نستجلب اليوم بعض الشئ من الخارج فسيكون لنا كل شئ غدا من الداخل ، ولنتوسع فى كل جهة ، ولنمتد فى كل اتجاه ، وليكن ذلك كله عرضة للخطأ ، ولا بأس ، فالاقدام مع احتمال الخطأ خير من الاحجام مع الصواب  .   وسنتعلم من خطئنا أ كثر مما نتعلم من صوابنا .

هكذا فكر وقدر ، ثم فكر وقدر ، ثم أراد وعمل ، فكان له بعض ما أراد . ولولا أنه سمح لمخلوقة أن تدخل باب أعماله اسمها "المجاملة" ، ولولا أنه لم يحكم التجريد بين نفسه وعمله ، ولولا أن بعضهم استباح لنفسه من الأموال المصرية ما لم يستبحه من الأموال الأجنبية ، لكان له أكثر ما أراد - ومع هذا فأى عظيم لم تكن له هنات ؟ !

لقد ترك مصر ولها مؤسسات مصرية تعتز بها ، ولها آمال اقتصادية مرسومة محدودة تسعى لاستكمالها ، وترك الشرق العربى كله له أمل كأمل مصر ، وسعى فى سبيل الاستقلال الاقتصادى كسعى مصر ، وخلق عند هؤلاء وهؤلاء شعورا حساسا بالوطنية المالية ، وفكرا مفتوحا للحالة الاقتصادية ، وإدراكا صحيحا للأهمية التجارية والصناعية .

*** رحمهم الله جميعا ، فقد كان كل عظيما فى ناحيته ، نافذ النظر إلى زاويته ، وأكثر الله من أمثالهم ، فالزمان شحيح فى السماح بهم ، وصدق الشاعر :

بغاث الطير أ كثرها فراخا

                 وأم الصقر  مقلات   نزور

اشترك في نشرتنا البريدية