١ - السعادة بين الحق والخير
عنى ابن سينا فيما عنى به من المشكلات الفلسفية بمشكلة السعادة الإنسانية، فعرض لها تارة بالعرض، وتارة أخرى بالذات، وأفرد لها أطوارا مختلفة فصولا متعددة من مؤلفاته الطوال والقصار، فأبان عن حقيقتها وعن الوسائل المؤدية إليها، وحللها إلى عناصرها النفسية والأخلاقية وأظهر خصائصها الفلسفية العقلية والتصوفية الروحية
ولكنه لم يقف في عنايته بالسعادة عند حد جعلها مشكلة من مشكلات الفلسفة أو موضوعا من موضوعاتها، وإنما هو يتجاوز هذا إلى حد آخر يجعل فيه من السعادة الإنسانية غاية قصوى وغرضا أسمى، ينبغي أن يطمح إليه ويتحقق به الإنسان، سواء فيما يأخذ به نفسه من نظر عقلي يبحث فيه عن الحق فيدركه ويتذوقه أو عمل خلقي فردي أو اجتماعي، يتلمس فيه الخير فيحققه؛ فهو قد عرّف الحكمة تعريفا له قيمته الفلسفية العامة، إذ جمع فيه بين الناحيتين النظرية والعملية، وأظهرنا من خلال هذا التعريف على ما ينطوي عليه معنى الحكمة من العلوم النظرية الخالصة التي تستند إلى العقل وحده، والعلوم العملية التي تعول هي الأخرى على العقل، ولكنها لا تقف عند حد النظر العقلي المجرد، وإنما هي ترمي من وراء النظر إلى العمل: فالحكمة - كما يعرفها ابن سينا - هي صناعة نظر يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود كله في نفسه، وما الواجب عليه عمله مما ينبغي أن يكتسب فعله
لتشرف بذلك نفسه، وتستكمل وتصير عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود، وتستعد للسعادة القصوى بالآخرة، وذلك بحسب الطاقة الإنسانية. وهذا يعني أن الحكمة من شأنها أن تحقق للإنسان شيئين: أحدهما المعرفة اليقينية بحقائق الموجودات على ما هي عليه، والآخر معرفة ما يجب على الإنسان أن يأتيه من الأفعال، أو هو يعني بعبارة أخرى أن
الحكمة حكمتان: حكمة نظرية موضوعها الحق، وحكمة عملية موضوعها الخير: إحداهما تقصد إلى حصول الرأي الاعتقادي أو اليقيني بالموجودات التي لا يتعلق وجودها بفعل الإنسان ولا بإرادته أو اختياره، والأخرى تقصد إلى حصول صحة رأي في أمر يتوقف على كسب الانسان ويحصل بإرادته واختياره. وذلك ليكتسب ما هو الخير منه، وبعبارة أوضح: يمكن أن يقال مع ابن سينا إن غاية الحكمة النظرية هي الحق، على حين أن غاية الحكمة العملية هي الخير
وليس من شك في أن الحكمة النظرية فيما تبحث عنه من الحق، والحكمة العملية فيما تكشف عنه من الخير من شأنهما أن تضفيا على الإنسان كمالا في العلم وفي العمل لم يكن له من قبل. وليس من شك أيضا في أن كمال العلم والعمل من شأنه أن يهيء للإنسان سعادة يستشعرها في حياته العقلية والعملية بما يتحقق به في أنظاره من معرفة الحق من ناحية وما يحققه في أفعاله من معاني الخير من ناحية أخرى. وإذا كانت العلوم النظرية من طبيعية ورياضية وإلهية تحقق للإنسان سعادة عقلية بما تظهره عليه من حقائق الموجودات فإن العلوم العملية تحقق له سعادة في حياته العملية، سواء أكان يحيا هذه الحياة في نفسه منعزلا بشخصه عن غيره من أشباهه، أم كان يحياها في بيئة اجتماعية ضيقة النطاق هي المنزل أو في بيئة اجتماعية واسعة النطاق هي المدينة أو الدولة: فثمة من العلوم العملية علم للأخلاق الفردية، يعرف به كيف ينبغي أن يكون الإنسان في أخلاقه وأفعاله وتدبيره في حياته الشخصية حتى يكون سعيدا في حياتيه الأولى والأخرى وعلم آخر لتدبير المنزل يعرف منه كيف ينبغي أن يكون تدبير الإنسان لمنزله المشترك بينه وبين زوجه وولده وخدمه حتى تنتظم حاله على وجه يكسبه ويكسبهم السعادة، وعلم ثالث للسياسة المدنية يعرف به أصناف السياسات والرياسات والاجتماعات المدنية الفاضلة والرديئة بحيث يتبين في كل واحد منها أوجه الكمال التي تؤدي به إلى البقاء والسعادة
وأوجه النقص التي تنتهي به إلى الزوال والشقاء، فكل أولئك علوم نظرية وعملية تكشف النقاب عن الحقيقة التي هي حق تارة وخير تارة اخرى، وتفتح أمام الإنسان آفاقا من السعادة القصوى والبهجة العظمى
على أن السعادة التي يستشعرها الإنسان فيما يوفق إليه من حق وخير وإن كانت ثمرة من ثمرات النظر العقلي الذي هو أخص خصائص الفلسفة بمعناها الدقيق، إلا أنها تعد مع ذلك وسيلة مؤدية إلى غاية اخرى أعز منها وأمتع وموصلة إلى سعادة أخرى ألذ منها وأمتع: ذلك بأن ابن سينا لا يرى أن يقف الإنسان في صناعة النظر عند استفادة معرفة حقائق الموجودات من ناحية، ومعرفة ما ينبغي عليه فعله من ناحية اخرى، دون أن يكون وراء هذه المعرفة أو تلك غاية أخرى أرقى منهما وأسمى؛ وإنما هو يرى أن استكمال النفس الإنسانية بما يحصل لها في العلوم النظرية من كمال العلم وفي العلوم العملية من كمال العلم والعمل، من شأنه أن يعد النفس الإنسانية للسعادة القصوى والبهجة العظمى في الحياة الأخرى، ومن هنا نتبين مع فيلسوفنا أن السعادة في الحياة الدنيا وإن كانت غاية يسعى إلى تحقيقها الإنسان مما يأخذ به نفسه من نظر وعمل، فهي ليست مع ذلك الغاية الأخيرة التى ينبغي أن يقف عندها جهد الإنسان، وقد استفاد معرفة ما عليه الوجود كله في نفسه وما ينبغي عليه فعله من الأفعال التي تشرف بها نفسه إلى جانب ما تشرف به من الحقائق، وقد انتقشت في هذه النفس فإذا هي تصبح عالما معقولا مضاهيا للعالم الموجود. هذه السعادة الحاصلة من كمال العلم والعمل على هذا الوجه، وإن كانت في ذاتها غاية، إلا أنها من ناحية أخرى وسيلة إلى سعادة لا يستشعرها الإنسان فيما بينه وبين نفسه فحسب ولا فما بينه وبين أشباهه فحسب، وإنما هو يستشعرها فيما بينه وبين ربه الذي يلقاه وقد خلصت نفسه من أغلال البدن، وصفا حسه من أدران الشهوة، ودق نظره بما وقف عليه من أرق المعاني وأدق الحقائق، وحسنت أفعاله ونفت من الشوائب أحواله، فإذا هو يقدم هذا كله زلفى بين يدي ربه، الذي يستظل بظله، وينهل من موارد يمنه وفضله ما يستشعر معه السعادة القصوى والبهجة العظمى
٢ - الوسائل المؤدية إلى السعادة
أما كيف يوفي الإنسان إنسانيته حقها من كمال العلم والعمل استعدادا لهذه السعادة القصوى، وابتغاء لتحصيل هذه البهجة العظمى، فقد أظهرنا ابن سينا على أن ذلك إنما يكون بتكميل قوته النظرية بالعلوم وتكميل قوته العملية بالفضائل التي ترد إلى أصول أربعة هي العفة والشجاعة والحكمة والعدالة: فإن في تحلي الإنسان بهذه الفضائل الأصلية وبغيرها من الفضائل الفرعية، وفي تخليه عما يقابل هذه وتلك من الرذائل الأصلية والفرعية، مايطهر نفسه ويزكيها ويسيرها بأقصد السير في سبيل السعادة. ومعنى هذا أن فعل النفس الإنسانية ليس إدراك المعقولات فحسب
وإنما هناك أفعال أخرى للنفس الإنسانية تصدر عنها بحكم اتصالها بالبدن ومشاركتها له، وهذه الأفعال إذا توخت فيها النفس سبيل العدالة، كانت سبيلها إلى السعادة. وتعني العدالة هاهنا أن تتوسط النفس بين الأخلاق المتضادة فيما تشتهي ولا تشتهي، وفيما تغضب ولا تغضب، وفيما تدبر به الحياة ولا تدبر
ويحلل ابن سينا الصلة التي توجد بين النفس والبدن وتأثر كل منهما بالآخر وتأثير كل منهما في الآخر، تحليلا له قيمته من الناحية النفسية البحتة، فضلا عما له من خطرفيما هو بصدده من بيان معنى السعادة وكيفية ترتبها على تحقيق العدالة في القوى المختلفة للنفس الإنسانية من شهوية وغضبية ومميزة فعلى قدر انصراف النفس عن البدن أو انقيادها له يكون خلفها جميلا أو قبيحا. ذلك بأن البدن بحكم قواه البدنية يقتضي أمورا، والنفس بحكم قواها العقلية تقتضي أمورا مضادة لكثير من الأمور التي تقتضيها القوى البدنية:
فتارة تحمل النفس على البدن فتقهره، وتارة أخرى يغالبها البدن فيغلبها ويمضي في فعله. فإذا تكررت غلبة النفس للبدن وسيطرتها عليه، نشأت من ذلك هيئة إذعانية للبدن، وإن هذا الإذعان ليقوى ويتمكن من البدن حتى يعسر عليه ما لم يكن يعسر عليه قبل إذعانه للنفس. أما ما يحصل للنفس من تكرر قمعها للبدن وإخضاعه لسلطاتها فهو ما يعبر عنه ابن سينا بالهيئة الاستعلائية التي تمكن النفس
من مفارقة البدن فيما يميل إليه ويقبل عليه، الأمر الذي لم يكن ممكنا قبل ذلك. وفرق ما بين هيئة الإذعان وهيئة الاستعلاء كفرق ما بين الأفعال التى تقع من طرف واحد في النقص أو الإفراط وبين الأفعال التي تجرى على التوسط بين طرفين متضادين
فإذا كان ذلك كذلك، وكان للنفس الناطقة مستقلة عن البدن فعل خاص بها هو إدراك المعقولات، وكان لها متصلة بالبدن أفعال أخرى تتمثل فيها هيئة الإذعان تارة وهيئة الاستعلاء تارة أخرى، فقد تبين إذا أن سعادة النفس في كمال ذاتها من الجهة التي تخصها إنما هي صيرورتها عالما عقليا بالمعنى الذي ضمنه ابن سينا تعريفه للحكمة، وتبين أيضا أن سعادة النفس من جهة العلاقة التي بينها وبين البدن إنما هي في أن تكون لها هيئة استعلائية
وهكذا نرى مع فيلسوفنا أن من أراد تحصيل السعادة فقد وجب عليه أن يطلب الاستكمال بأن يتصور نسبة الأمور إلى الموجودات المفارقة، وبذلك يستعد للاستكمال الأكمل عند المفارقة؛ ولا بد لطالب السعادة من أن يحتال في تخلية النفس عن أن تتعلق بها هيئة من الهيئات البدنية وذلك بأن يستعمل جميع قواه استعمالا قوامه التوسط بحيث تسير الشهوة على العفة، ويسير الغضب على الشجاعة، ويرى ابن سينا أن من فارق الحياة الدنيا وهو على هذه الحال من اصطناع قواه المتوسط ، فقد اندرج في اللذة الأبدية وانطبعت فيه هيئة الجمال الذي لا يتغير، واستطاع أن يشاهد الحق الأول وما يترتب بعده، وأن يتصور هذا كله في ذاته التي كملت من حيث هي نفس ناطقة مدركة للمعقولات مبرأة عن الشهوات؛ وليس من شك في أن اللذة التي يستشعرها الإنسان وهو مفارق على هذه الحال من صفاء العلم ونقاء العمل هي اللذة الحقيقية؛ وهذا يعني بعبارة أخرى أن السعادة الإنسانية تحصل بادئ ذي بدء من تحصيل العلم بالمعقولات، وتتم بإصلاح الجزء العملي من النفس وذلك بأن تحصل ملكة التوسط بين الخلقين الضدين فتحصل في القوى الحيوانية من شهوية وغضبية هيئة الإذعان وفي القوى الناطقة هيئة الاستعلاء؛ وقد أجمل ابن سينا هذا كله إجمالا واضحا صور فيه سبيل السعادة وما ينبغي
على الإنسان لكي يكون مستعدا للسعادة القصوى التي لا تعدلها سعادة من قبل ولا من بعد، وذلك في قوله وهذا نصه: - "فقد قررنا حال المعاد الحقيقي، وأثبتنا أن السعادة في الآخرة مكتسبة بتنزيه النفس؛ وتنزيه النفس تبعيدها عن الهيئات البدنية المضادة لأسباب السعادة، وهذا التنزيه يحصل بأخلاق وملكات، والأخلاق والملكات تكتسب بأفعال، وتديم تذكيرها بالمعدن الذي لها. فإذا كانت كثيرة الرجوع إلى ذاتها، لم تنفعل من الأحوال البدنية. فإن دام هذا الفعل من الإنسان، استفاد ملكة الالتفات إلى جهة الحق والإعراض عن الباطل، وصار شديد الاستعداد للتخلص إلى السعادة بعد المفارقة البدنية النجاة طبعة القاهرة سنة ١٣٥٧ هـ - سنة ١٩٣٨ م) (ص ٣٠٧ - ٣٠٨
على أن ابن سينا لم يقف من مشكلة السعادة عند حد دراستها دراسة نظرية على الوجه الذي يجعل منها جزءا من أجزاء مذهبه الفلسفي. وإنما هو يتناولها تناولا عمليا يطبق فيه على نفسه وسيرته وسلوكه هذه المعاني والمبادئ التي أوردناها آنفا وألف هو منها نظريته في السعادة؛ وآية هذا التطبيق العملي علي حياته الشخصية ما أظهرنا عليه في إحدى رسائله القصار، وهي رسالة العهد التي يصور فيها عهدا عاهد الله فيه بأن يأخذ نفسه بأشياء لها قيمتها من الناحية العقلية النظرية، وبأشياء أخرى لها خطرها من الناحية الأخلاقية العملية، وكلها من شأنها أن تصفى نفسه وتجعلها مهيأة لنيل السعادة في الدنيا والآخرة: فهو قد عاهد الله بتزكية نفسه بمقدار ما وهب لها من قوتها ليخرجها من القوة إلى الفصل عالما من عوالم العقل فيه الهيئة المجردة عن المادة وتحصيل كمالها من جهة العلم والحكمة، وعاهده أيضا بأن يقبل على هذه النفس للتربية بكمالها الذاتي، فيحرسها عن التلطخ بما يشقيها من الهيئات الانقيادية للنفوس المادية وبأن يفيد هذه النفس هيئات الاستيلاء والسياسة والاستعلاء والرياسة، حتى إذا لاحت له خطرة اقتضتها شهوة أو غضب أو حرص أو طمع أو خوف مما يخالف جوهرها الزكي فسخه ونسخه ومحاه ومحقه بحيث لا يدع في فكره مساغا إلا للفكرة في جلال الملكوت وجناب الجبروت
وهو قد عاهد الله بعد هذا كله على أن يراعي السنة العقلية حتى يصير تخيل الواجب والصواب هيئة نفسانية وأن يهجر الكذب قولا وتخيلا، وأن يحب الخير والنفع للناس، وان يجعل عشق الأخيار وحب تقويم الأشرار أمرا طبيعيا جوهريا، وأن يكثر من تشويق النفس إلى المعاد حتى لا يكون للموت عنده عظيم خطر، وأن يستعمل اللذات على إصلاح الطبيعة وإبقاء الشخص أو النوع، إلى
غير ذلك من الفضائل التي يعددها ابن سينا ويرى أنه لابد من التحلي بها والتخلي عما يقابلها من الرذائل وفاء بالعهد الذي عاهد الله، واقتناء للسعادة التي أفاضها على نفسه، العاقلة للحق، العاملة على الخير، الذائقة للجمال، المنبع الأسمى لكل ما في الوجود من آيات الحق والكمال، وإشراقات الخير والجمال

