الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 172الرجوع إلى "الثقافة"

السعادة البشرية

Share

من الأفكار ما يستعبد الإنسان ويتحكم فى مشاعره وعواطفه تحكم الأريحية بالكريم والفضيلة بالفاضل .

ولعمل من أقوى الأفكار تأثيرا فى نفوسنا محن الشرقيين وامتلاكا لضمائرنا ومبوانا هى فكرة الملل من الحياة والتبرم بها ، والاعتقاد بأنها سلسلة من الآلام والأوجاع المتتالية ، وان ما يخيل إلينا فيها بين الفينة والفينة إن هو إلا سراب لا يكاد يلمع وميضه حتى يختفى من الأبصار تاركا فى القلب غصة وفى المخيلة شبحا مؤلما .

ولا نزاع فى أن هذه الفكرة التى نقتبسها منذ الطفولة فى البيت والمدرسة والمجتمع فتنطبع في ادمغتنا ونصبح جزءا من أجزاء عقليتنا وركنا من أركان تفكيرنا ومعتقداتنا ، نؤمن بها إيماننا بالليل والنهار والموت والحياة ، مستمدة إلى حد بعيد من تركه ابى العلاء فا ذلك الفيلسوف الجليل الذى تبرم بالحياة وأبى ان يتزوج مخافة ان يجنى على نفس بشرية بشقاء الوجود ، والذى جنى مع ذلك على العرب جميعا بما بث فى الأدب العربى من أفكار ما زالت حتى اليوم تمعى الأفئدة والبصائر بنورها القاتل ".

وليس من غرضى الآن أن أحلل تشاؤم أبى العلاء أو أن أشرح العوامل التى أثرت فى نفسه فاقصته بريقه وفجرت من قلبه ( المستضام المذب ) تلك الآراء القائمة . وإنما يهمني أن ابحث شيئا واحدا ، هو حبك للحياة وتوخيك السعادة فى جميع ما يصدر عنك من أفعال وأقوال ، وما يختلج بين جنبيك من أحلام وأمان ، ومشاطرة البشرية كافة نزعتك وشعورك ، لا فرق فى ذلك بين عالم وجاهل ، بين مؤمن وملحد ومحسن ومجرم .

وإذا كانت السعادة مبدأ أحلام الانسان ومنتهى أفعال ، فان من الحق علينا أن ندرس هذا الموضوع الخطير درسا

علميا مجردا عن الهوى الشخصى والمذهب الفلسفى أو الدينى وان نبنى بحثنا على طبيعتنا البشرية وعلى ما تستلزم هذه الطبيعة فى المجتمع الذى نعيش فيه من اسباب الرضا عن الحياة والاطمئنان إليها والرغبة فيها .

ويبدو لى أننا إذا ما تدبرنا تاريخ الانسان فى الشرق والغرب فى الحاضر والماضى اتضح لنا أنه مهما ارتقى فى سلم الحضارة ومهما بلغ من العلم وسمو التفكير ، فإنه مازال يعيش بشعوره وهواء اكثر مما يعيش بعقله وتفكيره . ولو أننا حللنا ما لنا من هوى وشعور وارجعناهما إلى المصدر الذى ينبعث منه لتبين لنا انهما ليسا فى الواقع إلا صدى لما في انفسنا من حاجات جسمية عقلية قلبية . فنحن من مطلع حياتنا إلى مغربها مفتقرون إلى ان نعمر جسمنا بالطعام وعقلنا بالمعرفة وقلبنا بالحب وما إلى ذلك من ألوان الشعور .

وهذه الحاجات المتزايدة مع الزمن يختلف قوة وضعفا عند الأفراد حسب أمزجتهم الخاصة وحسب ما يكتنف حياتهم الفردية والاجتماعية من مؤثرات . فالذين فطروا ونشئوا على حب المعرفة مثلا يشعرون بوطأة الحاجة للدرس والتثقف اكثر ممن لم يدخلوا معهدا أو يقرموا كتابا . فاذا أحببنا أن نعرف ما الذى تسعد به أو نشقى به وجب علينا أن نعلم نوع الحاجات الجوهرية التى يحسها كل منا ويرى نفسه محمولا على إرضائها طوعا أو كرها .

وعندى أن الناس جميعا ينتظمون من هذه الناحية ثلاثة أصناف : العاديين والارستقراطبين والمرضى .

إن أكثر الناس عاديون فى حاجاتهم ، أى انهم لا يحسون إحساسا قويا ملحا غير الحاجات الضرورية لحفظ النوع البشرى ، كالافتقار إلى الطعام والشراب والتراوج والتناسل . فهذه الحاجات وما يتصل بها مباشرة أو بطريقة

غير مباشرة هى وحدها مصدر افعالهم وكمبة احلامهم وأمانيهم . فان وفقوا فى قضائها رضوا من الحياة واطمأنوا إليها وكانوا سعداء ؛ هانئين ذلك أن السعادة عندهم تقوم على إرضاء ما لهم من حاجات حيوانية . وهذا اللون من ألوان السعادة هو أقدم ماعرفته البشرية فى تاريخها ، إذا أنه يكاد يكون مشتركا بين الانسان والحيوان ، كما أنه أكثر انتشارا فى المجتمعات المتأخرة .

أما الأرستقراطيون - أعنى الأرستقراطين فى حاجاتهم لا الارستقراطين فى الجاء والنفوذ - وإن شاركوا العاديين فيما لهم من حاجات حيوانية يمتازون فأنهم  عنهم في أنهم يحملون بين جوانحهم حاجات ضخمة قهارة تتغلب على الحاجات الضرورية لحفظ النوع ، كالافتقار إلى العلم والفن والسيادة والتصوف وما إلى ذلك من مظاهر الحياة . وبين أن هذه الحاجات الضخمة قد تكون فى بادئ

الأمر عادية بسيطة ليس بينها وبين سائر الحاجات التى يحسها المرء فرقا كبير ، لكنها إذا وجدت فى جو ملائم  نمت واشتدت على حساب رفيقاتها إلى ان تصبح المحرك الأول لأفعال أصحابها . فحاجة البحث من الحقائق عند الإمام الغزالى مثلا كانت كغيرها من الحاجات فى حداثته ، فلما تعلم العلوم المصرية والدينية ودرس فى المدرسة النظامية واطلع على المذاهب والآراء المنتشرة فى عصره ، ورأى الأخطار المحدقة بالشريعة الاسلامية السمحاء اشتدت حاجته للبحث عن إدراك الحقائق فوقف حياة كلها عاما .

وما قلته فى الغزالى ينطبق على كل من حمل بين جنبيه حاجة أو بضع حاجات ، من تلكم الحاجات الضخام ، سواء أكان غرض تلك الحاجة علما أم فنا ، دينا أم سياسة ، هوى بريئا أم فسوقا .

فالغزالى وابن الفارض والأفغانى وزغلول وأديسون

ورفائيل وقيس لبنى وأبو نواس كلهم أرستقراطيون فى حاجاتهم وإن اختلفت أهدافهم نبلا وصغارا .

لا ريب أن الأرستقراطيين يجدون فى إرضاء حوائجهم الحيوانية غبطة وابتهاجا ؛ فتناول الطعام والشراب ببعث إلى نفوسهم اللذة والسرور ، كذلك التزاوج والتناسل فى أكثر الأحيان .

غير أن هذه الأشياء مهما بلغت من نفوسهم فانهم لا يهنأون بها ولا يسعدون ، ذلك ان السعادة عندهم تقوم على إرضاء ما لهم من حاجات ضخام ، وعلى العمل على إشباع تلك الحاجات .

فالغزالى ( حجة الاسلام ) لا يجد السعادة إلا فى إدراك الحقيقة المطلقة والدفاع عنها والتقرب منها بالعبادة والتأمل . وابن الفارض ( سلطان العاشقين )

لا يجد السعادة إلا فى حظيرة الخالق ( جل جلاله ) والفناء فى ذاته العلوية على مذهب المتصوفين . والمتنبى ( شيخ شعراء العرب ) لا يعرف السعادة إلا فى السيف وتضريب أعناق الملوك . وأديسون لا يعرف السعادة إلا في فهم أسرار الطبيعة وتسخيرها .

أما قيس لبنى فلا يلقى السعادة إلا فى أحضان زوجته المطلقة قسرا . كما أن أبا نواس لا يدركها إلا في تأليه الخمرة وتجرير أذبال الفسوق .

ويتضح مما تقدم أن السعادة عامة مطلقة تقريبا عند العاديين ، نسبية عند الأرستقراطيين . وسواء أكانت السعادة مطلقة أم نسبية فإنها ممكنة ، لأنها تقوم على ارضاء ما لنا من حاجات أمارة قاهرة .

فإذا أسعدنا الحظ واستطعمنا قضاء تلك الحاجات كنا على ما أعتقد راضين من الحياة مطمئنين إليها راغبين فيها . وأى شئ بحق لنا معشر الآدميين أن تتطلب من الدنيا أكثر من هذا الشعور بالرضا والارتياح ؟

ذلك الشعور الحقيقى الذى قد يصفو ويكدر بين حين وحين ، كما يشتد ويضعف تبعا لأمزجتنا الخاصة ولما يكتنفنا من مؤثرات وعوارض .

قد تقول إن الانسان طماع مفطور على الجشع والاستزادة ؛ فهو لا يدرك هدفا من الأهداف حتى يطمع فى اهداف جديدة متفرعة فى اكثر الأوقات عن الهدف الأصلى ومتممة له . فالشاب الذى يستهدف الباكالوريا مثلا بدافع اللذة العلمية لا ينال هذه الشهادة حتى يطلب الليسانس وبعدها الدكتوراه وهكذا دواليك .

فهذا المثل وما شاكله من الأمثلة التى لا تحصى يبين لنا بصورة جلية أن حياتنا كلها حاجات متسلسلة متعاقبة آخذ بعضها برقاب بعض .

إن هذا الاعتراض حق لا نزاع فيه ، ولكن أى ضرر فى ذلك ما دمنا كلما بلغنا هدفا من الأهداف نشعر بلذة فائقة وسرور عظيم ، وما دام السعى نفسه وراء الهدف مما يحرك قلبنا وبقميه غبطة وانشراحا ؟

إن تسلسل الحاجات وانبثاقها بعضها من بعض لا يبعد عنا السعادة كما نتوهم ، بل يدنيها ويجعلها دائمة الحركة مطردة النمو والازدهار ، كالشجرة المثمرة نغرسها وتتعهدها بالسقاية والعناية ، فان تمت تلك الشجرة وارتفعت خضراء مناوجة وارفة الظل طيبة التمر ابهجك ما أولينها من نعمة الوجود ، وتمعنت بما لها من منظر رائع وظل منعش وثمر مشتهى .

على أن السعادة إذا لم تكن - كما زعم الممري وأناتول فرنس وغيرهما من أقطاب التفكير - عنقاء مغرب خيالية التكوين مستحيلة الوجود ، فانها ليست أيضا طيرا من طيور الجنة ، لانشتهى حتى تلبي رغبتنا طائعة منقادة ، بل لا بد للوصول إليها من عمل .

وقد خصتنا الطبيعة بمواهب سامية ، وجهزتنا

مؤهلات عظيمة ؛ فعلينا أن نستخدم هذه القوى ، وأن نعلم حق العلم أن استخدامها عنصر من عناصر سعادتنا وهنائنا .

على أن فريقا من الناس عاديين كانوا فى حاجاتهم أم أرستقراطيين ، وإن وفقوا فى أعمالهم ، وبلغوا ما لهم من مآ رب جوهرية ، فانهم لا يستسبقون السعادة ولا يؤمنون بها ، ذلك أنهم مرضى .

إن النفوس كالأجسام لها أمراضها المختلفة المتنوعة التى تؤذيها ، وتنفع فى بهجة الحياة وأفراحها بما بغير طمعها ويجعلها مريرة المذاق بعد أن كانت حلوة طيبة . وكما أن الأمراض الجسمية حقيقية أو وهمية ، كذلك الأمراض التى تعتور النفس ، فإنها إما أن تكون حقيقية أو وهمية .

فالأولى إن لم تكن من غرس الطبيعة نصيب بعض الأفراد الذين تحققت أحلامهم بلا عناء ، كما تصيب فى أكثر الأحيان أولئك الذين ازدمحت عليهم المصاعب فى مقتبل العمر وأطبقت من كل جانب ، فأعمت بصائرهم ، وعليشت سهامهم ، وخبيت مرة بعد مرة ما لهم من آمال عزيزة وأحلام غالية . أما الأمراض الوهمية فهى التى نخلقها بتفكيرنا وشرود خيالنا او نقتبسها بالعدوى من البيئة التى نعيش فيها .

ولا شك أن كلا المرضين منتشران فى الشرق انتشارا عظيما جدا لتحكم التشاؤم المظلم الموروث فى أكثر الأفئدة والعقول ، ولا نعدام الوعى الاجتماعى أو ضعفه فى معظم الأقطار العربية التى توشك أن تكون مقابر العبقرية والطموح .

ولا يخفى ما لهذه الأمراض النفسية أيا كان مصدرها ونوعها من أثر سئ فى حياة الأفراد والشعوب ، إذ من البين أن الانسان عالما كان أم جاهلا عظيما أو صغيرا

هو عبد لعقليته بأمر بأوامرها وينتهى عن زواجرها ، ويستمد منها أحلامه وأمانيه .

فعلى الحكام والمسئولين - كما أن على قادة الفكر من ومرببين - أن يتعاونوا فى معالجة هذه العقلية المريضة وإرجاع الصحة والسلامة إليها ، ليفهم المجتمع جمال الحياة ورو عتها .

إن الحياة وإن تكن مرة قاسية متسلسلة المصائب والرزايا مزدوجه المتاعب والهموم ، فإنها حلوة جذابة محببة إلى كل نفس قريبة من كل قلب ، حتى إن اتمس الناس حظا وأعظمهم بلاء لا يرضون عنها بديلا ولا يغادرونها إلا مرغمين .

وإذا كان حبنا للحياة قويا إلى هذا الحد متمكنا فى الطبع ، فان من الخطأ والطيش والجنون أن نعرض عنها وأن نفنى أعمارنا المحدودة فى البكاء وشكوى الزمن .

إن مثلنا فى هذه الدنيا كمثل قوم هبطوا على غير علم منهم جزيرة من الجزر واضطروا إلى الاقامة فيها . فهل من العقل والحكمة أن يقضى هؤلاء القوم أيامهم باكين منتحبين بحجة انهم نزلوا الجزيرة من غير استفتاء ، أم اأن من الواجب عليهم ان يقبلوا على تلك الجزيرة ويستتمتعوا مما تحويه من مسرات ولذائذ ؟

إن الطبيعة فتانة فى محاسنها غنية فى مواردها معطاء لخيراتها وأرزاقها . فمن الحق علينا أن نقبل عليها وأن نعلم كيف نخضعها لسلطاننا ونفجر من أحشائها وعلى جنباتها ينابيع النعمة والثراء .

ولما كان الانسان لا يستطيع تحقيق أحلامه الواسعة ومشروعاته العظيمة إلا بالتكاتف والتعاون مع ابناء جلدته ، فقد وجب علينا أن ننظم المجتمع الذى نعيش فيه تنظيما يضمن لأبنائه السعة والرخاء ويمكن جهد المستطاع من إرضاء حاجاتهم وإشباع رغباتهم .

على أن الرجل النابه إذا ما أخفق فى سعيه وتنكر له المجتمع لغباوة منه أو حسد ، لا ينكر السعادة ولا يدعى كما نفعل نحن الشرقيين أنها سراب لا يكاد يقع وميضه حتى يختفى عن الأبصار ، ولكنه يرضخ موقتا للهزيمة ، ويقنع مما عنده راضيا إلى ان يستعيد نشاطه ويستجمع قواه ، فيعيد الكرة ثانية يطارد غايته غير وان ولا متقاعس ، ويستوحى من النجاح الذى بلغاء بأسا جديدا وأمالا جديدة .

لذلك يجمع فى صدره بين القناعة والطموح ، ويأخذ من نيتك الصفتين المتناقضتين مالهما من فضائل وحسنات ، فلا قناعة خاتمة مستكينة ، ولا طموح سادر غشوم ، بل سعى مستمر وجهاد منظم ورضى عن الحياة وارتياح إليها ورغبة فيها واجتلاء للذائذها البثوثة فى كل مكان .

اشترك في نشرتنا البريدية