إبراهيم الدسوقى الشهير بعبد الغفار من نسل سيدى موسى الدسوقى ، أخى سيدى إبراهيم الدسوقى ، صاحب المقام بدسوق ، من أسرة تنتمى إلى الحسين بن على بن أبى طالب ؛ ولذلك كان يعد هو وأسرته من الأشراف ؛ ولد ببلدته دسوق سنة ١٣٢٦ ه - ١٨١١ م .
ونشأ يتيما ، فقد مات أبوه وهو صغير فأرسل إلى الكتاب وحفظ القرآن ؛ وكان بدسوق معهد صغير ، هو صورة مصغرة جدا للأزهر ، فحضر فيه بعض الدروس ، فلما نما جسمه وعقله حضر الأزهر مع طائفة من قومه .
وكان بالأزهر علماء كبار أصلهم من دسوق ، أمثال الشيخ محمد عرفه الدسوقى والشيخ مصطفى البولاقى ، كما كان فيه - ولا يزال - عصبية بلدية وعصبية منطقية .
وساعد على هذه العصبيات وجود الأروقة ، فرواق الصعايدة ، ورواق الفشنية ، ورواق البحاروة ؛ وهكذا كانت العصبية ، فعصبية أهل كل بلدة بعضهم لبعض ، وعصبية لأهل المنطفة جميعها ؛ وكثيرا ما أدت هذه العصبية - حتى فى أيامنا بالأزهر - إلى منازعات ؛ فاذا كانت بين صعيدى وبحيرى انتظم معسكران : معسكر للصعايدة ومعسكر للبحاروة ، ودار الضرب بجميع الأسلحة الممكنة ، إلا الحديد والنار ؛ والحق يقال أن الصعايدة كانوا أشد بأسا وأكثر انتصارا ، فكانوا أعز جانبا وأعظم هيبة ، وكثيرا ما يتقى قتالهم باجابة مطالبهم .
على كل حال اتصل إبراهيم الدسوقى بعلماء بلده وغيرهم من علماء عصره ، كالشيخ محمد عليش شيخ المالكية ، والشيخ محمد الشبينى ، والشيخ عبد الرحمن الدمياطى .
وحضر على حد تعبيرهم علوم المعقول والمنقول ، فنحو وصرف ، وبلاغة وتفسير ، وحديث وفقه ، ومنطق وتوحيد ، كما يحضر كل طلبة الأزهر .
ولكن يظهر أنه تأثر تأثرا خاصا برجلين من شيوخه كانت لهما نزعتان خاصتان نادرتان فى علوم الأزهر فى ذلك العصر .
أولهما شيخه وقريبه وبلديه الشيخ مصطفى البولاقى ، فقد كان هذا الشيخ مع تبحره فى العلوم الأزهرية ميالا إلى العلوم الرياضية ، كالحساب والهندسة والفلك ، وأداه شغفه بهذه العلوم إلى مصادقة مشهورى الرياضيين ، مثل محمود باشا الفلكى ، وأساتذة مدرسة المهندسخانة ؛ ومهر فى هذه العلوم حتى ألف رسائل كثيرة فى الجبر والمقابلة وحساب المثلثات .
والثانى الشيخ أحمد المرصفى - والد الشيخ حسين المرصفى صاحب الوسيلة الأدبية - فقد كانت له نزعة أدبية إلى نزعته الفقهية ، واسع الاطلاع ، وكان سميرا لطيفا ، ومحدثا ممتعا ، صحب أحد مماليك محمد على باشا وسافر معه إلى الصعيد ، وأقام معه سنتين ، فكان خبيرا بالدنيا وشؤونها ، وكان مهيبا فى درسه ، إذا عرض لطالب سعال ابتعد حتى لا يؤذى الشيخ بصوته .
اقتبس شيخنا الدسوقى قبسة رياضية من شيخه الأول ، وقبسة أدبية من شيخه الثانى أفادتاه فى عمله بعد ، كما اقتبس العلوم الشرعية واللسانية والنحو والصرف والبلاغة من شيوخه الآخرين .
عاش الدسوقى فى الأزهر مجاورا فقيرا ، بأنيه الزاد من بلده من حين إلى حين ، خبز جاف وقليل من السمن وشئ من الفريك ، ونحو ذلك مما يرسله الأهل الفقراء إلى أبنائهم فى الأزهر ، وسكن مع رفقة من أهل بلده فى حجرة قريبة من الأزهر ، إذا دخلتها رأيت حصيرا
باليا ، ومسامير كبيرة سمرت فى الحائط يعلق فيها الطلبة ملابسهم ، وفى الركن صندوق يحتفظ فيه الشيخ بكتبه وملابسه ، وفرشة يفرشها إذا نام ويطويها إذا قام ، وهذا كل ما فى الغرفة - أستغفر الله - ففى الغرفة أيضا (( حلة )) وصحن ، قد يشتهى هو وصحبه اللحم فيشتركون فى شراء رطل ، ويتعاون جميعا على شرائه وطبخه ، وتقوم فى الغرفة حركات عنيفة ، وبذاآت وأوامر ونواه ، وتمتلئ الغرفة بالدخان . وقد يعوزهم الخشب فيتممون الطبخ بالورق ، ثم يتحلقون لأكله فى لذة ونهم ، وتكون هذه الأكلة الفخمة حديث الأسبوع أو حديث الشهر .
وتنفرج الأزمة بعض الشئ بالجراية ترتب له ، ثلاثة أرغفة كل يوم ، فيكون فيها سداد من عوز ، ويدخر منها أحيانا ، ويبيع ما يدخره ليشترى بثمنه إداما لبعضه الباقى .
ويجاهد فى الحياة ، وينسى البؤس بلذة العلم والتحصيل ، حتى يتم دراسته فى الأزهر ويبدأ فى التدريس ، وليس للمدرس مرتب يتقاضاه ، فهو فى فقره مدرسا - كما كان فى فقره طالبا .
ثم يسعده الحظ ، فيعين (( مساعد مصحح )) للكتب الطبية فى مدرسة أبى زعبل سنة ١٢٤٨ ه - ١٨٣٢م فكان أطباء هذه المدرسة يؤلفون ويترجمون ويطبعون ، ويساعد هو فى تصحيح اللغة وتصحيح الطبع .
ثم ينقل إلى مدرسة المهندسخانة ، ويترقى إلى وظيفة مصحح . وكان يدرس بهذه المدرسة علوم شتى ، فمكانيكا وديناميكا ، وتركيب الآلات ، والجبر ، وحساب التفاضل ، والطبوغرافيا ، والكيمياء والطبيعة ، والمعادن ، والجيولوجيا ، والهندسة الوصفية ، وقطع الأحجار والأخشاب ، والظل والنظر ، ولم تكن هناك كتب فى هذه المواد ، فكان التلاميذ يكتبون عن المدرسين
ما يسمعون فى كراريسهم ، ويفوتهم منها أشياء كثيرة ، ثم تقدمت المدرسة فأنشأت مطبعة حجر يطبع عليها الأساتذة بعض كتبهم بأشكالها ورسومها ؛ ثم أنشئت فى المدرسة مطبعة حروف بجانب مطبعة الحجر ، وتعين الشيخ الدسوقى لتصحيح هذه الكتب .
وانتقلت هذه المدرسة بعد إلى بولاق ، فعهد إليه أمران : أن يعلم فرقتين من طلبة المهندسخانة اللغة العربية ليحسنوا الترجمة من الفرنسية إلى العربية ، وأن يصحح ما تطبعه هذه المدرسة من كتب الرياضة .
وظل الشيخ يسكن فى حى الأزهر ، ولــكنه اشترى حمارا يذهب به كل يوم إلى المدرسة ببولاق .
ثم أغلقت مدرسة المهندسخانة فى عهد سعيد باشا ، تحول الشيخ الدسوقى إلى المطبعة الأميرية ببولاق أيضا ليصحح فيها الكتب ويشارك فى تحرير الوقائع المصرية .
خرجت كتب كثيرة من المطبعة الأميرية تحمل اسمه ، فهو فى آخر كل كتاب يصححه يضع له خاتمة بأسلوبه المسجوع حسب مألوف عصره ؛ ولما كان لقبه (( الدسوقى )) - وهي كلة صعبة فى المزاوجة - فهو يجهد نفسه فى البحث عن سجعة تناسب هذا اللقب ، وأحيانا يفر منها إلى سجعة أسهل منها تناسب عبد الغفار ؛ فيقول مثلا - فى آخر تاريخ ابن الأثير : (( يقول المتوسل إلى مولاه بالنبى المختار ، إبراهيم الدسوقى الملقب بعبد الغفار ، خادم تصحيح كتب العلوم والفنون ، بدار الطباعة ذات الطبع السليم المصون )) .
وفى آخر كتاب (( تزيين الأسواق )) : (( يقول المتوسل إلى مولاه بالقطب الحقيقى ، إبراهيم عبد الغفار الدسوقى )) . وفى آخر كتاب (( الإنسان الكامل )) : (( يقول المتوسل إلى الله يا لجاء الصديقى ، إبراهيم عبد الغفار الدسوقى )) ، وفى آخر شرح العكبرى : (( يقول المتوسل إلى الله بالجاه الفاروقى ، إبراهيم عبد الغفار الدسوقى )) .
وفى كل ذلك يدعو للخديو إسماعيل وأنجاله الكرام ، كما يدعو لذى المهارة والفطانة ، مدير المطبعة والكاغدخانة ، وملاحظ المطبعة ذى القدر الممجد ، أبى العينين أفندى أحمد . وقد خرجت كتب كثيرة مختتمة بكلامته الدالة على تصحيحه غير ما ذكرناه ، ككتاب (( منار الهدى ف الوقف والابتدا )) وصحيح مسلم ، وصحيح الترمذى ، وقانون ابن سينا فى الطب ، والتنوير على سقط الزند ، إلى غير ذلك وقد وضع خاتمة لكتاب الكشاف المطبوع فى بولاق ذكر فيها ترجمة الزمخشرى وقيمة تفسيره .
ثم رقى فى عهد الخديو إسماعيل إلى وظيفة باشمصحح المطبعة ، ولم أعرف مرتبه بالضبط إلا أن أمثاله فى ذلك الوقت كانوا يتقاضون خمسمائة قرش ، وقد ظل فيها إلى أن أحيل إلى المعاش ؛ ثم توفي سنة ١٣٠٠ ه - ١٨٨٢ م عن نيف وسبعين سنة .
والحق أن طائفة من العلماء غبنوا حقهم ، ولم يؤرخوا التاريخ الواجب لهم ، وهم هؤلاء المصححون ، فقد كانوا يمتازون فى عصرهم بثقافة أوسع من أمثالهم ، واقتضاهم عملهم أن يطلعوا على كثير من الكتب فى التاريخ والأدب واللغة والفلسفة وغير ذلك ؛ فاتسعت مداركهم وآفاقهم ، واضطرهم عملهم أن يكتبوا خاتمة الكتب ، أو شرحا لغامض ، أو أن ينشئوا تقريظا لكتاب ، أو تعليقا عليه ، أو قصيدة فى مثل هذه الأغراض ؛ فجرت أقلامهم ، ومرنوا على الانشاء والكتابة فى زمن عز فيه الأديب ، وندر فيه الكاتب ، وإن كان إنشاؤهم وكتابتهم مقيدة بنمط العصر ، من التزام السجع المتكلف ، والاستعارة الشدودة ، وما إلى ذلك .
اشتهر من هذه الطبقة الشيخ نصر الهورينى ، ثم الشيخ محمد قطة العدوى ، ثم الشيخ إبراهيم الدسوقى ؛ ويظهر أنهم كانوا فى درجة علمهم وأدبهم كما كانوا حسب ترتيب زمانهم .
نشروا كثيرا من الكتب القيمة ، ولقوا فى
تصحيحها العناء ، واذهبوا فى مسوداتها سواد عيونهم ، وهم وإن لم تبلغ كتبهم منتهى الجودة من حيث الاخراج والضبط ، فقد بذلوا غاية جهدهم ، وجعلوها صالحة للاستفادة منها ، واستخرجوها من أصول سقيمة ، وخطوط عليلة .
حدث للشيخ الدسوقى حادث كان له فى حياته أثر ، وفى قصصه متعة : ففى سنة ١٣٥٨ ه - ١٨٤٢ م ، كتب المستشرق (( لين )) من لندن إلى صديق له فرنسى مستشرق أيضا فى القاهرة يسمى (( فرسنل )) (Fresnel) (كان يتملج باسمه أمام العلماء ، ويقول إن اسمى فرسنل على وزن فرزدق ) يخبره بعزمه على المجىء لعمل هام ، ويطلب إليه أن يبحث له عن شيخ مصرى له ذوق فى الأدب ومعرفة باللغة ، وأن يكون لطيف الحديث حسن العشرة دمث الأخلاق ؛ فاختار له (( فرسنل )) جملة أشخاص وصفهم له ، منهم الدسوقى ، وكان (( فرسنل )) يعرفه ويتصل به ، ويعمل معه فى شرح شواهد كتاب (( الصحاح )) فى اللغة ، وكتب إلى (( لين )) بوصفهم ، فوقع اختياره على الدسوقى ، وبعث يطلب إلى فرسنل أن يبلغه سلامه ويخبره بمقدمه .
ففى يوم من تلك السنة اعتزم الشيخ الدسوقى الذهاب صباحا إلى حمام السوق ، وكانت عادة أوساط الناس وفقرائهم أن يتروددوا على الحمام ، إذ لم تكن بيوتهم صالحة للاستحمام فيها ، فكان لكل حى حمامه ، كما أن لكل حى مسجده ومرافقه ، وكان الشيخ الدسوقى إذا أراد الحمام يخرج من بيته فيخترق خان الخليلى ثم ينحرف إلى حمامه . مر كعادته بخان الخليلى حتى وصل إلى دكان يتاجر فى العاديات القديمة والسبح وما إلى ذلك ، كان صاحبه صالح أفندى كامل صديقا له ، فوجد الشيخ فى الدكان جمعا سلم عليهم ، وسمع صاحب الدكان يقول : هذا هو الشيخ الدسوقى كفانا مؤنة البحث عنه ؛ فسلم الشيخ عليهم ،
وسلم على رجل غريب معهم يلبس زى الأتراك ، ويتكلم العربية الفصحى كأهلها . عجب الشيخ من حسن استقبال هذا التركى ، واستغرب إذ يقبل عليه بالسلام كأنه يعرفه ، والشيخ لا يعرفه . ثم عرفه بنفسه وأنه (( لين )) الإنجليزى فذهبت حيرته ، وجلسا جنبا إلى جنب ، وتعارفا وتآلفا ، ودعاه (( لين )) إلى زيارته فى بيته فى هذا المساء ، فلبى دعوته ، وكانت عشرة لطيفة عجيبة دامت سبع سنوات ؛ سأحدثك عن طرائفها فى الأسبوع القادم إن شاء الله .

