الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 158الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب فى أسبوع :

Share

بلغت الصحافة المصرية من قوة الأثر فى الرأي العام مبلغا يحق لها أن تتبوأ مكانها بين أصحاب الجلالة ؛ فرأيها رأي وحكمها حكم ، وما استحسنت أو استقبحت فهو الحسن أو القبيح ؛ بل إنها لتنزل منزلة الأب في البيت ، ومنزلة المعلم في المدرسة ؛ فالرأي ما نراه لا ما يراه الآباء والمعلمون ؛ بل وإنها لتزحم الكتاب في المكتبة ، فان لها من وقت القراء ما لا يظفر مثله الكتاب أو يحلم به ؛ حتى أوشك علمنا أن يكون علما صحافيا ، وأوشكت كتبنا أن تكون قصاصات ملمومة ، وأوشك كتابنا أن يكونوا . . يكونوا ماذا ؟ . وأي كاتب في مصر يستطيع أن يزعم أن له الرأي الخالص في كل ما كتب وألف ؟

ولست أعلى بقوة أثر الصحافة المصرية أنها بلغت مبلغ النضج والكمال ، لا ، فلعلها اليوم في حقيقة معناها أبعد من الكمال مما كانت منذ سنين ، يوم كانت وليدة تحبو مستشرفة إلى أمل ؛ فليس لا كثر صحفنا اليوم من أمل تهدف إليه أو تتنور مظلمه على بعد ، إلا أن تتكثر من القراء بالزلفى إليهم ، والتدلي إلي مستواهم العقلي والغريزي . . وبذلك بلغت مبلغها من قوة التأثير بقدر ما بعدت عن حقيقة معناها الرفيع

ولم يقف أثر الصحافة المصرية علي قرائها المصريين فحسب ، فإن لها لقراء في كل دار من كل قطر عربي ، وإنها لمثال تحتذ به الصحف العربية في الشرق كله ؛ لا جرم كانت بذلك قوة تهدم وتبني ، ولها من الأثر هنا وهناك ما تستطيع به أن تطبع الشرق الجديد وترسم له صورته ومثاله ، في يومه وغده .

وأي قاريء عربي لا يجد من حاجته اليوم أن يلم بما تنشره الصحف والمجلات في مصر وغيرها من بلاد

العربية ؟ ومن أين يقرأ هذه الصحف والمجلات جميعا على كثرتها وتعدد ألوانها وفنونها ؟ .. ثم كيف يتهيأ له أن يحكم حكمه على ما يقرأ ويعرف وجه الرأي فيه وإن له لفنا واحدا منها وإنها لفنون ؟ .

أترانا في هذا الحيز المحدود من هذه الصحيفة ، تستطيع أن تقدم للقارئ العربى في كل أسبوع حاجته من كل أولئك ، فنقرب له البعيد ، ومختصر المبسوط، وتجمل الدعوة ، ونجمع صفحات في صحيفة ؟

إننا لنرجو ، وما نريد أن يقتصر عملنا على التلخيص والعرض ؛ ولكنا نأمل ان يكون في طاقتنا أكثر من ذلك ؟ فننوه بالدعوة الصالحة ، ونشيد بالرأى الناضج ، وتعلق على الخير المهم ، ونكشف من بواعث الحادثة العامة ، ونهدي إلي الطريق السوي كل من ضل طريقه - لتكون الصورة التي تقدمها لقارئنا عن الصحافة العربية في كل أسبوع ، مغنية بقليلها عن الكثير ، وافية مجملها عن كل تفصيل ، واضحة الدلالة في إيجازها عن كل إسهاب ؛ فتدخر للمسرع العجلان وقته ، ونوفر للمتعب المكدود راحته :

وما تزال " المطبعة العربية " تخرج لنا كل يوم من مفتوح العلماء والأدباء وأهل الاختصاص فنونا من الكتب ، لا يعرف عنها القارئ العربى إلا العنوان ، أو ما يقرأ عنها من فنون الإعلان ؛ وليس من حاجة كل قارئ أن يملك كل كتاب ، وليس لديه من وسائل العلم ما يعرف به ما يحتاج إليه لفنه ؛ فقد يشتري الكتاب لعنوانه او لكاتبه ولا حاجة به إليه ، وقد يغفل عن كتاب آخر فيه حاجته ، لأن عنوانه لا يدل عليه ، أو لأن اسم مؤلفه ليس فى الأسماء ! .

... وما يزال النقد فى اللغة العربية فنا رخيصا من فنون الإعلان ، أو فنا وضيعا من فنون التشفى والانتقام ، أو فنا باليا من فنون القدماء ، يعني بالشكل دون

الموضوع ، وباللفظ والأسلوب دون الرأي والفكرة ولا سبيل مع كل أولئك إلي الاعتماد علي رأي أكثر النقاد من كتابنا في تقدير ما تخرج المطبعة العربية من كتب ، فان القاري العربي لفي حيرة بازاء كل كتاب جديد : لا يعرفه حتى يراه ، ولا يراه حتى يحصل عليه ، ويحصل عليه بالثمن الغالي ثم لا يرضيه ؛ والقاريء العربى لم يدرك بعد ان على كل قارئ لكل مؤلف حقا يدفعه من ماله في كل كتاب يصدر ، وافق رأيه أو خالفه ؟ فهو لا يدفع ثمن الكتاب إلا أن يقدر قدره في رأيه وهواه ؛ ومن اين له ان يقدر قدره قبل ان يحصل عليه ويبذل ثمنه والناقد العربي هو ذاك ؟

فهل لي أن أجعل بعض هذا الباب للتعريف بكل جديد في المكتبة العربية ؟

إني لأرجو أيضا ؛ وما أريد أن يكون عملي هنا نقدا او تقريظا ، فما أبري نفسى وقد اتهمت النقاد جميعا او اكثرهم ، وإني لأعيش في الجو الذي يتنفسون فيه ؛ إنما أريد أن يقتصر عملي هنا على العرض الكاشف ، والوصف المبين ، فأتحدث عن موضوع الكتاب ، والغرض منه ، وما اشبه في موضوعه ، وابوابه وفصوله وما بذل فيه مؤلفه او ناشره من جهد ، ومقدار توفيقه في إصابة الغرض الذي انشأ له ، وحظ القارئ من الانتفاع ثم عن طريقته في العرض ، وأسلوبه في اللغة ، إلى غير ذلك مما يصوره لمن لم يره كانه رآه ، ويعرف به تعريف الفهرس الدقيق لا تعريف الناقد ؛ لعل ذلك ينقض شيئا من الغبار عن كثير من الكتب طال احتباسها عن قارئها وإن به إليها لحاجة ، ويفتح للقارئ . بابا من العلم يُفضي به إلى سبيل غير سبيله ، وينشئ في بابي التأليف والنقد البريء حركة فيها بركة ؛

فالصحف والكتب في أسبوع : ما فيهما من جديد ، وما تدعوان إليه من الرأي ، وما تسعيان إليه

من غرض ؛ ما بهم القارئ من ذلك ، وما ينبغي أن يعرفه

ذلك سبيلي في هذا الباب ، وإن الأشواك لتكتنفه من جانبيه ، وإن مزالقه لكثيرة ؛ وإن دواعي الهوى لتتجاذب من يسلكه غير مزودة بإيمان راسخ ، وجنان ثابت ، وعين بصيرة ، وعدة من الحق يتوفي بها أن يلين لشفاعة صديق أو مخافة متسلط ؛ وإني لأرجو أن يكون لي من ذلك سبب يمضي بي في سبيلي علي هدي وبصيرة ؛ وفي حسن توجيه القراء وكريم عفوهم ما يجنيني كثيرا من مزالق الخطأ ومهاوي الضلال

وبعد فماذا أقدم للقارئ في هذا الأسبوع من حديث الأدب والصحافة ؟

هذه طائفة من الصحف عن يمينى ، وتلك جملة من الكتب الجديدة إلي جانبي ، وهأنذا أتصفح جرائد الأسبوع ورقة ورقة ، وأطالعها صورة صورة ؛ فماذا أقرأ وماذا أري ؟

العيد . العيد . العيد . فما هذا الدخان قد انعقدت فوق الرموس ضبابته ، واستطار في كل قلب لهيبه ، وتسعر في كل دم حريقه ؟

العيد فما هذه الأنات المكبوتة تتناحي بها الألحاظ في صمت ، وتخافت بها الألسنة في حذر ، وتتجاوب بها الأصداء من طلل إلى طلل . وما نطق بها ثم ولا انفرجت عنها شفتان ؟

العيد .. فما هذه الأشباح المسحورة السارية في جوف الظلماء ، ممدودة الأيدى إلى غير هدف ، شاخصة الأعين إلى غير منظور ، فاغرة الأفواه لغير نداء ؟

العيد . أهذا هو اليد وهذه مجاليه ، أم تلك " طبعات جديدة " لجرائد قديمة نفدت طبعتها منذ سنوات ؟

ولكني أوثر أن أتحدث عن الجديد ، فأين الجديد ؟ لقد طال حديثى اليوم إلى أصدقائى ، والموعد الأسبوع القادم

اشترك في نشرتنا البريدية