الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 180 الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والأدب في أسبوع :، هذا رأي ، وعلي تبعته وحدي . .

Share

أزمة القراءة - أين الهدف ؟ - أخلاق مترجمة - قرأت في هذا الأسبوع :

أزمة القراءة:

" لاحظت وزارة المعارف أن لغة كثير من الكتب العلمية التي يتقرر تدريسها لتلاميذ المدارس ، لا تناسب مستواهم العقلي واللغوي ، فلا تؤدي مؤداها ولا يستفيد التلميذ منها بشيء من حقائق العلم ؛ وعلاجا لهذه الحالة تفكر الوزارة في إنشاء مكتب فني خاص يقوم على تهذيب ما يتقرر تدريسه من الكتب العلمية ، وتقريب ما فيه من حقائق العلم إلي عقول التلاميذ وقلوبهم ، بأسلوب شائق وعبارات بريئة من التعقيد والعجمة ! "

قرأت هذا الخبر في جرائد الأسبوع فسألت نفسى : تري هل آن الأوان لعلاج أزمة القراءة في مصر ؟

وإن بين هذه الحالة التي تنبهت إليها وزارة المعارف أخيرا - أو قيل إنها تنبهت إليها - وبين ما نشكوه من قلة قراءة العربية في مصر - لسبباً وثيقاً ؛ بل إنها هي كل السبب ومصدر الداء , نعم لأعزو إليها فوق ذلك ما نشكوه من ضعف اللغة العربية في ألسنة التلاميد ومنشآتـهم ، على شدة ما يبذل المعلمون من جهد في تقويم ألسنتهم وتصحيح منطقهم ؛ وإنها لبسبيل إلي هذه العجمة التي تعقل ألسنة سادتنا وكبرائنا حين يتحدثون او يكتبون ، على شدة ما يلتمسون أسباب التجويد والفصاحة :

وأحب أن أعرض للموضوع من بابه وقد اشتغلت بالتدريس وصحبت الحركة الأدبية زمانًا ؛ فإني لأزعم أن لى من التجربة ما يتيح لي ان اتحدث وان يكون لحديثي وزن واعتبار عند من يعنيهم هذا الأمر من المربين وأهل الأدب :

فليس من شك في أن اللغة تلقين ومحاكاة ، وأن الأذن حين تسمع ، والعين حين تقرأ ، إنما تقدمان للسان مادته وبيانه . هذا هو مذهب الطبيعة ، وهو وسيلتها في إنطاق الطفل الأعجم ؛ فكل وسيلة غيرها في تعليم اللغات عبث باطل لا يؤدي إلي غاية ؛ ولكن الأذن اليوم ، في البيت ، وفي الشارع ، وفي المتجر ، وفي الترام - لا تسمع من العربية ما يساعد اللسان على البيان والإفصاح ، بل لعلها لا تسمعه في المدرسة ، فليس ثمة وسيلة إلي تعلم اللغة والتزود من مفرداتها وأساليبها وطرق التعبير فيها غير العين ، أعني الكتاب ؛ فلكي نعلم الطفل الناشئ في العلم لغة من اللغات ، يجب أن نحمله علي القراءة الكثيرة ، ونعقد آصرةً من الود بينه وبين الكتاب ، ونحبب إليه الخلوة به ، ونشوقه إلي موضوعه ، ونسعي به إليه ، ونجعل القراءة له عادة ؛ فإذا بلغنا ذلك فقد فرغنا من الدرس الأول والأخير ويقوم الكتاب من الناشئ مقام المعلم والمدرسة والأب والصديق ، ويستبين سبيله .

ووزارة المعارف لم تكن تجهل هذه الحقيقة ، ولكن حقيقة اخرى كانت في غفلة عنها ، فأخطأت التطبيق وعكست النتيجة ، ذلك أن أول كتاب قدمته إلى الطفل في مدارسها كان في يده اثقل من وزنه ، فلما بسطه تحت عينيه ليقرأ ، ثراءت له سطوره كفرقة زنجية راقصة تتلوي وتعتدل ، وتلتقي وتفترق ، ولها ضجة وعجيج كما تدق الطبل وتقرع الودع بالودع ؟ وثقل على سمع الفتي وعينه ما يسمع وما يري فدار رأسه ؟ وكان الكتاب أول قسوة المدرسة المصرية على تلميذها ، ورآه من أول يوم عقوبةً وضريبةً ، فتمرد عليه ورمي به إلى حيث لا يراه بعد إلا أن تحمله عصا المعلم على استظهاره !

ونشأت العداوة بين التلميذ والكتاب من أول يوم ، فلما صار التلميذ رجلا لم يتغير رأيه في الكتاب بعد ،

واستمرت بينهما القطيعة ؛ ولو عود من أول يوم لتعود ! ألا إن وزارة المعارف لتستطيع أن تستغني عن نصف البرامح المقررة ، وعن نصف المعلمين وعن نصف اليوم المدرسي ، لو أنها أحسنت اختيار الكتاب الأول الذي تقدمه للتلميذ المستجد . .

إنها لتؤدي رسالتها كاملة وتبلغ كل ما تريد لو أنها بلغت أن تحمل تلاميذ مدارسها على القراءة وتشوقهم إليها . إن المدرسة للتوجيه لا للتعليم . هكذا ينبغي ان يكون عملها ، وسبيلها أن تفتح الكتاب للتلميذ وتقول له : اقرأ .....فهل لي بعد ذلك أن أقول إن المدرسة المصرية لم تعلم كثيرا ، لأن كثيرا من المتعلمين في المدرسة المصرية لا يقرءون ، وتنقطع صلتهم بالعلم يوم يطوون آخر كتاب مدرسي ؟

إن أكثر الكتب المدرسية المقررة اليوم في مدارسنا في حاجة إلي أن تكتب من جديد ، إنها في حاجة إلي " الترجمة " من عربية مؤلفيها إلي العربية المبينة ، ليستطيع التلميذ ان يقرأها وحده ويفهمها وحده ؛ لا ، بل ليجد فيها من قوة الجذب ما يحمله علي أن يقرأها وحده ، فتنشئ له لذة وتحدث أثراً .

ليس يكفي أن يحكم أهل الاختصاص في " العلم " أو " الفن " حكمهم على مادة الكتاب ، من غير أن يتناوله " أسلوب الأديب " و " فن المربي " إن القمح هو الخبز بمادته وعناصره وقوة تغذيته ، ولكنه لا يهنأ ولا يمرأ ولا يسمي خبزاً إلا أن تتناوله يد الطحان والعجان والخباز ؛ فإن عمل أولئك هو "ترجمته " من بذر إلى رغيف ! والكتاب الأول للتلميذ الأصغر ، هو الدرس الأخير للرجل الكبير !

أين الهدف

كتب كاتب في صحيفة من صحف الأسبوع يعارض ما نشرت من الرأي في " المجلة المصرية " ويسألني أن

أصور له " المجلة المصرية " التى أريد والتي أنكر وجودها بين هذا العديد من مجلاتنا . . وأنا لا أحسب أنه فرض على كل ناقد أن يبرهن على قدرته أن ينشئ " مثالاً صحيحاً " كلما نقد مثالا فاسدا ؛ فإن النقد غير الإنشاء ، وليس عجز الناقد - إن عجز - دليلا على صلاح الفاسد ؛ هذا الكلف في وجه القمر الشاحب ، عيب يراه الناس فيه عمر الدهر ، أفتراني استطيع أن أصنع قمرا خيراً منه ، لأني رأيت في وجهه هذا الشحوب والكلف ؟

وإن لي أيضا أن أسأل : أين الهدف الذي تقصد إليه أكثر مجلاتنا ؟

قد يكون لبعضها أهداف تعمل لها دائبة ، رغبةً في الإصلاح العام أو رغبة في " المنفعة"  ولكني اسأل عن الهدف العام الذي يصور ؟ أمنية مصرية " يجتمع عليها " رأي المصريين " جميعا أو ترتسم فيها " صورة المصريين " جميعا ، فيعجزني الجواب !

ومع ذلك فهأنذا أقدم مثالاً من مجلة في مصر تطبع عشرات الآلاف ، ويقرؤها شبان وشواب ، تنشر في أحد أعدادها مقالا عنوانه " فن البصبصة في ربع قرن " يحاول فيه كاتبه " أن يعرف مدى تطور هذا الفن الجميل في خمس وعشرين سنة " وفي العدد نفسه حديث لسيدة عن أمنيتها في تربية ابنتها على قواعد الشرف والدين والمروءة .

أتظن هذه المجلة وقد جمعت هذين الموضوعين في صفحتين متعاقبتين من عدد واحد من اعدادها تعرف لها هدفا " عاما " يملى عليها الرأي فيما تكتب وما تنشر وما تقدم لقرائها من وجوه الرأي وصور الناس ؟

وثمة مجلة أخري لا تقل عن السابقة رواجاً وذيوعاً تكتب عن " المغازلة التي لا أنساها " و القبلة التي لا أنساها " و " الصورة التى لا أنساها " ؛ ثم تتحدث بعقب ذلك عن الشيخ حسن البنا المرشد العام للاخوان المسلمين ... ...

أتظن مثل هذه المجلة جادة فيما تعمل ، ساعية إلي هدف " عام " يخولها لقب " المجلة المصرية"  ؟

لست أتجني حين أزعم أن مصر - وقد بلغت صحافتها ما بلغت من قوة الفن وقوة التأثير - ليس فيها " مجلة مصرية " واحدة تتيح للقاريء المصري الغريب أن يقول في نأيه وغربته وقد وقع على عدد واحد من أعدادها : هذه بلادى وهؤلاء أهلي !

أخلاق مترجمة :

قرأت في مجلة " أقامت السيدة . . وقرينها وليمة عشاء أعقبتها حفلة ساهرة حضرها السيدات والسادة ....."

" وأحسن ما في الحفلة أن العشاء لم يعقبه لعب الورق ؛ وهذا حادث يعتبر غريباً . . في حفلات الطبقة الراقية . . . ."

هذا هو الخبر ، وله عناصر ثلاثة ؛ ولكل قارئ منه ما يأخذ وما يدع :

١ - سيدة وقرينها وسيدات وسادة . ٢ - وحفلة " ساهرة " والسيدة وقرينها ، والسيدات والسادة . ٣ - والشئ " الغريب " أن العشاء لم يعقبه " لعب الورق " . .

وثمة عنصر رابع يوحي به تعليق المجلة عن حفلات " الطبقة الراقية " ....

وتحاول أنت بعدها أن تقنع زوجك ، وأختك ، وابنتك - وقد قرأن الخبر وبلغتهن الدعوة ونال منهن الايحاء -  أن هذا شيء " هناك " ولكنك لا تبلغ منهن موضع الأقناع ، لأن المجلة قد سمتهن لزوجك ، واختك ، وابنتك : " طبقةً راقية " أفلا تريد لهن أن يرتقين ؟ !

ويقرؤه الفتى والفتاة في فلسطين ، وسوريا ، والعراق ، فيقول : هذه في مصر هي " الطبقة الراقية " !

وتسأل نفسك : من هذه الطبقة الراقية ؟ فتترادف عليك أسماء وصفات تعرف منها وتنكر ، فتعبس وتبسم ، وتمتط شفتيك أسوان ، وتطأطيء رأسك خزيان ؛ ثم تروح  تستنجد بمعاجم اللغة تبحث عن معني " رقي يرقى " فإذا المعني في " ر قى ير قى" وظنّـــها من ظنّها "رقى الانسان " وإنها " رقية الشيطان " :

وأخطأ المترجم في ترجمة كلمة فأوشك أن يترجم أخلاق أمة !

قرأت في هذا الأسبوع :

" .... عندنا وتحمد أغنياء ، وفيهم من يشتري صورة من الزيت لشحاذ في أسمائه البالية بمائتي جنيه فأكثر ؛ فاذا وقف هذا الشحاذ بلحمه ودمه على باب ذلك الغني وطلب لقمة خبز انـهره الخدم وتناولوه بالسب . وربما زادوا في " تكريمه " فاوسعوه ضربا ولكما ! " المصري افندي :             ٢٨٠

من جلسة النواب في مساء الاثنين أول بونية سنة ١9٤٢ " . . وهنا صاح السيد البدراوي باشا معترضاً علي تأجيل المناقشة في مسألة التموين ، قائلا : إنه يستقيل من المجلس ، ذاكراً أن ابنه قال له في التليفون : " إنه جائع " وإنه شرب الشاي بالعسل لعدم وجود سكر ! " الأهرام في صباح الثلاثاء ٢ يونيه سنة ١٩٤٢ . .

اشترك في نشرتنا البريدية