هذا رأيي وعلي تبعته وحدي ، فمن سره فهو لي صديق ، ومن ساءه فليس أحب إلي من أن يخلو لي رأيه ويعرض برعاته لتصحيح رأي ، أو تعديل فكرة ، أو تحقيق خير . وإن من الفضيلة ألان نثبت على الرأي إلا بمقدار ما تؤمن به .
المجلة المصرية
هل في مصر " مجلة مصرية " واحدة ؟ . .
أعني : هل في مصر مجلة واحدة يسوغ لي أن أزعم أنها صورة صادقة التعبير عن " حقيقة " مصر التى تعيش اليوم على ضفاف هذا الوادي ، تعرف بها من لا يعرفها ، وتريه مالم ير من شئونها ، وتقرب البعيد من رسومها ، وتكشف عن الغامض من أسرارها ، وترسم بريشة الفنان وعدسة المصور وقلم الكاتب ما يختلج في أمانيها ، وما يصطرع من أهوائها ، وما يتنازعها من قديم الرأي وجديده وحديث الري وباليه ؟ . .
هل في مصر مجلة واحدة استطيع ان اهديها إلي اخي في بغداد ، وابن عمي في دمشق ، وصديقي في بيروت ، وجاري في القدس - واقول له : هذه بلاد وهؤلاء أهلي بعواطفهم ونوازعهم ورسومهم الاجتماعية وعوائدهم الخاصة والعامة ؟ .
هل في مصر مجلة واحدة تصلح ان تكون " بريدا عاما " من كل مصري هنا إلي أبناء عمومته هناك ، تربط بينه وبينهم برباط من المعرفة والرأي ، وتعرف بعضا إلى بعض على الوجه الذي ينبغي أن يتعارف عليه أهل أسرة واحدة ووطن واحد تقاذفتهم البلاد وترامت بهم الأقطار ؟
اللهم لا . . بلى ، في مصر عشرات من المجلات : الرسالة والثقافة ، الإسلام والفتح ، المصور
والأثنين ، آخر ساعة وروز اليوسف ، الصباح واليمكوكة المجلة الجديدة . . إلي مجلات وعجلات لا تدخل تحت حصر . . ولكن أين المجلة المصرية التي وصفت ؟
تستطيع أن نجمع صفحة إلى صفحة إلى صفحات من عشرين او ثلاثين او اربعين مجلة مما ذكرت لتخرج من جملتها صورة واحدة في لون واحد من الوان حياتنا التي تحيا كل يوم ، وتقول : هذا " عدد " واحد من " المجلة المصرية " التي لم تنشر لقارئها بعد . وهذا طيب وفيه عناء ، لو لم يكن إلى جانب هذه الصفحات القليلة المختارة من ثلاثين أو أربعين مجلة - مئات ومئات من الصفحات لا تصور إلا هوي محرريها ، ولا تكشف إلا عن شهوات اصحابها ، ولا ترسم في ذهن قارئها إلا الصورة التي ينبغي أن تمحي ويسكب عليها الليل من ظلماته السوداء فلا تقع عليها العين إلا مطموسة متوارية في مداد الظلام
وإن القارئ في الأقطار البعيدة ليقرا كل أولئك فلا يعرف أين " حقيقة مصر " من كل أولئك بل لعل بريق الباطل يخدعه ونبضات الهوي والشهوات تجتذبه فيزعم أن مصر هنا وإنها لهناك !
كم قارئ وقارئة قد زين الباطل له ولها أن ما يقرأ ويشاهد ما صور في بعض المجلات هو صورة مصر الحقيقية ، وانه آخر مبتكرات المدنية ، فاندفع واندفعت وجرفهما التيار ، فإذا الفتى غير أبيه ، وإذا الفتاة عدو أمها ، وإذا صورته وصورتها وخبره وخبرها بعض ما تنشر المجلة في " العدد التالي " للإيحاء والتقرير والإيهام
بلى ، في مصر عديد من المجلات ، تعبر عن رأي " أصحابها " في الأدب ، وتصور مذهب " كتابها " في الفن وتكشف عن اهواء محرريها " في الحياة ولكن المجلة المصرية التي تعبر عن " حقيقة مصر " كانها لم تنشأ بعد
حذار حذار يا إخوتنا في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق ، وفي عمان والرياض وصنعاء - حذار ان تسيئوا الظن بنا وتستبيقوا الحكم علينا مما ترون وتقرءون في
هذه الصفحات التى ينقلها إليكم بريد القاهرة . إن حقيقة مصر العربية المسلمة ليست " كلها في هذه الصفحات ، وليس منها " كل " هذه الصفحات
أسواق الحسان
كتب الأستاذ محمد فريد أبو حديد إلى محرر الصور الكتاب الثاني :
" تحيائي واحترامي ، وبعد فإنه جميل جدا أن تقام الاحتفالات الرائعة من أجل مساعدة الأعمال الخيرية وجميل جدا أن يشترك الأمنون في تخفيف الويلات عن ألمجاهدين الذين يبذلون دماءهم في سبيل الحرية والديموقراطية ولكن . . الاتري مع ان هذه الاحتفالات يجب ان يسودها روح المساواة ، وان تسري فيها نفسية العطف على النكبات المروعة التي تصيب الإنسانية ؟
" إنه لما يثير نفسى أن أري صور المرح والرقص الصاخب والسرور الصائح في تلك الحفلات التي تقام من أجل مواساة جراح الإنسانية المعذبة التي تئن وتبكى ؛ فهل أنا وحدي المخطئ في هذا الشعور ؟ "
وأجابه محرر الصور في العدد ٩١٨ :
" . . إن أهل الخير يستعينون بالتناقضات والمتنافرات على النفوس التي " لاندفع " إلا لتفيض مرحا وسرورا ولذة
اسمع يا فتى واسمعي يا فتاة .
" هذه الحفلات الرائعة التي تقرأ وتقرأين من وصفها وخبرها ، وتري وترين من أزيائها وصورها ، فيستهويكما ما تقرآن وما تريان - هي مزيج من طائفتين : طائفة تبيع المرح والسرور واللذة وطائفة تشتري المرح والسرور واللذة ، وهي الباب باب من أهل الخير " يقبض ثمن المرح والسرور واللذة لينفق منه على البائسين والمحرومين والأشقياء
لقد طالما شاقك أيها الفتي ؛ وطالما شاقك أيتهما الفتاة . . فأين يرضكما أن يكون موضعكما من السوق "
التي قامت لتجارة الربح والسرور واللذة وليس فيها إلا بائع أو مشتر ، وكل طائفة تتغفل اختها لان كل طائفة لهواها تعمل ؛ والبائس المحروم وراء الأسوار ينتظر انفضاض السوق
شيطان وشيطانه
بهذا العنوان قرأت في " الأنصار " مقالا للمرحوم مصطفى صادق الرافعي ، يعيب فيه اختلاط الجنسين في معاهد التعليم ، ويقول
أفما رأيت شابا وشابة حول كتاب علم وكأنهما على زجاجة خمر ؟ . . إن هذا العلم شيء ومخالطة الشبان شئ آخر ، فذلك يطلق فكرها يتجاوز الحدود ، والاختلاط يحمل فكرها يحصرها في حدود احساسها ، وأحدهما يرهف ذهبها لادراك الأشياء ، والأخر يرهف عواطفها لإدراك الرجل
" . ومن هذا الذي يستطيع أن يقرأ قصة تؤلفها أربع أعين في وجهين ؛ وكيف تكشف الحقيقة التي أول وجودها كتمان الكلام منها ، وأول الكلام عنها الهمس بين اثنين دون غيرهما ؟ ومن ذا الذي في طاقته ان يمد بدء إلي قلبين أصبحا في تلقي الرسائل كصندوقى البريد ؟ "
وهذا الذي نقرؤه للرافعي اليوم ، هو مذهبه ورأيه الذي ظل يدعو له مدة حياته ، وما زال صداه يتردد على شفاه طائفة من أصدقائه وانصار رأيه ؟ وقد ذهب الرافعي إلى ربه منذ سنوات ، أفتراء كان يثبت على رأيه ذاك لو امتد به أجله إلي اليوم ؟ . . وإن ابنة الرافعي اليوم لطالبة في كلية الآداب ، وما أراها رضيت ذلك لنفسها على خلاف في الرأي لأبيها ، وأحسبني فرأت لها رأيا في " الرسالة " منذ سنتين تنكر فيه على المرأة أن تزاحم الرجل في الأعمال العامة ؛ فأين رايها من رأي أبيها في اختلاط الجنسين تعاهد التعليم ؟ واين عملها من رايها ؟
أتراني أظفر من الآنسة الأدبية بالجواب ، فأقرن
رأيا إلي رأي ، وأعرف أين " التجربة " من " النظرية " ؟
شاعر الوحل أيضا :
عرضت في هذا الباب - منذ اسبوعين - لأبيات من الشعر نشرتها الرسالة " للشاعر المجهول " يعتب فيها على محبوبه أنه أباحه من نفائس عطفه ، " وصرف عليه من ماله " فلم يسلم صدره من سهامه ، ولم يسلم " جيبه " أيضا . إلي آخر ذلك " الغزل القروشي . . " وقلت إن هذا لون جديد من الغزل يستحق التسجيل ، لأنه يمثل مظهرا من مظاهر " السياسات الاقتصادية " التي فرضت نظامها في هذا العصر على كل شئ ، حتى قلوب العاشقين و جيوبهم " !
وانتهيت إلي قول الشاعر المجهول لحبيبه :
مضيت إلي غيري جهارا وخنتني
فمن أي وحل صيغ طبعك خبرني
فتوهت بعبقريته في قوله : " من أي وحل صيغ طبعك ؟ " وهو تنوعه كان ينبغي ألا يفوتني فيما أظن فليس من اليسير أن يقع الانسان على كثير من مثل هذا التعبير بين شعراء الغزل
ولكن الشاعر المجهول - لم يرضه ما كتبت تنويها بشعره وتعريفا بفضله ؛ فنشر بالعدد ٤٦٣ من الرسالة كلمة على اسلوبه وطريقته يهدد فيها " كاتب الثقافة " بالرجفات التي تزلزل قمم الجبال ، ثم راح يلقي علينا درسا " هو الفيصل في معضلات النقد الأدبي وإنى ليسرني ان استمع إلي كل متفضل يحاول أن يعلمني ما لم أكن أعلم
ولكن ماذا قال ؟ . . لقد ظن أن كل ما عبته على شعره هو استعمال كلمة وحل " فراح يحاول إثبات انها أبلغ كلمة في هذا المقام ، قال :
" . وكلمة وحل وردت في قول مسلم بن الوليد : مشينا بها مشي المقيد في الوحل " . وأقبح من كلة وحل كلمة مستنقع ، وقد
وردت في قول أبي تمام :
فأثبت في مستنقع الموت رجله
" لو كان ) قاف الثقافة ( يعرف أسرار البلاغة لأدرك أن الكلمات تأخذ قوتها وبلاغتها من السياق . . الخ وإني لأشكر له محاولته الوصول إلي كل ذلك ؛ ولكن حق العلم يقتضيني ان ازيد على ما قاله شيئا لعله لم يقله استصغارا لشأنه لاجهلا به : أما مسلم بن الوليد فذلك قوله في الخمر :
اذا ما علت منا ذوابة شارب
تمشت به مشي المقيد في الوحل
وهي كما نري صورة بديعة للسكر ان تتجاذب الأرض رجله ؛ وكان الظن ان يعرف ان الوحل الذي يقيد رجلي السكران غير الوحل الذي صيغ منه حبيبه الخائن جهارا نهارا بعد ما انفق عليه من جيبه
وأما أبو تمام فذلك قوله في رثاء محمد بن حميد الطومسى :
فتي مات بين الضرب والطعن ميتة
تقوم مقام النصر إذ فانه النصر
وما مات حتي مات مضرب سيفه
من الضرب واعتلت عليه الفنا السعر
وقد كان فوت الموت سهلا فرده
عليه الحفاظ المر والخلق الوعر
ونفس تعاف العار حتي كأنهه
هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر
فأثبت في مستندفع الموت رجله
وقال لها من تحت أخمصك الحشر
وإنما عنيت بأن أذكر هذه الأبيات كلها على قلة احتفالي بالشواهد فيما اعالج من نقد الشعر ؛ ليعرف ان " مستنقع الموت " في شعر ابي تمام غير المستنقع الذي أوحي إليه أن يقول لحبيبه يعاتبه : " من أي وحل صيغ طبعك ؟ "
