الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 123 الرجوع إلى "الثقافة"

الصحة أساس العمران

Share

يخفى على كثير من الناس أن العلوم الطبية الصحية بجميع فروعها من عوامل وفى الأمم وعمرانها وحضارتها ، بل هى من أهم العوامل ؛ فالعلوم الطبية الصحية هى لا ريب أكبر أثرا فى عمران الأمم وحضارتها من العلوم الاقتصادية أو العلوم الاجتماعية . ولا تغيب هذه الحقيقة عن رجل الشارع فحسب ، بل قد يستوى فيها هو وغيره من رجال العلم والفضل والأدب . فهذه كتب التاريخ حافلة بأخبار الأمم والشعوب ، تشرح لقرائها أسباب الرقى وعوامل الانحطاط والتدهور ، وتبين لهم مدى تأثير الحروب وما تجره من مقم ومغرم . وتبين لهم أيضا تأثير الاضطرابات والثورات والانقلابات ، وتفصل لهم الأحوال السياسية وأساليب الدهاء فى حل المشكلات ، وتقفهم على ما للأديان والآداب والمسائل الاقتصادية من الشأن فى ارتفاع الدول وسقوطها . وقلما يجد الانسان فيها شيئا عما للمسائل الطبية الصحية من الأثر .

وهل تدرى ما هو السر فى أن أكثر الناس لا يفطن إلى تأثير العلوم الطبية الصحية فى تقدم الأمم ؟ ذلك لأن تأثيرها سلبى على غير ما هى الحال فى تأثير العلوم الطبيعية والاجتماعية مثلا ، فهو إيجابى . فمن ذا الذى لا يدرك مزايا السيارات والطيارات والتلغراف والتليفون وأعاجيب اللاسلكى ؟ ومن ذا الذى لا يشعر بصفاء السلام ونعمائه وأهوال الحروب وبأساتها ؟ أما العلوم الطبية الصحية فمدار نفعها سلبى وهو اتقاء الأمراض .

ولتوضيح شأن العلوم الطبية الصحية يصح أن أقول : هب أن أغلب الناس فى مدينة راقية كالقاهرة أو

الاسكندرية عندهم سيارات يتمتعون بمزاياها العظيمة التى لا يستهان بها فى هذا العصر . وهب أن هذه المدينة كانت - لا قدر الله - موطنا لمرض من الأمراض المعدية شديد الفتك بالناس كالكوليرا أو التيفوس أو الطاعون - وقاك الله شرها - وهب أن من الممكن تخيير الناس بين أن يحافظوا على سياراتهم مع بقائهم عرضة للمرض المنتشر ، وبين أن يأمنوا على أنفسهم من هذا المرض مع استغنائهم عن السيارات ، أفلا يختارون السلامة نازلين عن السيارات . بل لم أذهب بك بعيدا فى عالم الخيال لأن هذه الأمراض قد قطع دابرها أو كاد . وقد ذكر قريبا عن أحد أغنياء أمريكا ممن تقدر ثروته بملايين الدولارات أنه أصيب بسرطان فى المعدة فأخذ فيه مأخذا عظيما وند عن الجراحة ، وأصبح الرجل لا يستمرىء الطعام ولا يستقر فى جوفه . ولقد قيل عنه وقتئذ إنه كان يود لو استطاع أن يسترد صحته ويشتريها بثروته التى أقام بها تحت ظلال العز والرفاهية .

ألا يدرك المؤرخون مدى تأثير العلوم الطبية الصحية وفى وسعهم أن يعرفوا كيف كانت الأمراض المعدية تفتك بالجيوش فى أثناء الحروب فتكا يغير الأمور من حال إلى حال ؟

ولأضرب لك مثلا : وباء الجدرى الذى حل بجيش أبرهة الأشرم ، وقد توجه لهدم الكعبة فى عام الفيل وهو عام ٥٧٠ ميلادية . وتتلخص قصته فى أنه لما استتب له الأمر فى اليمن بنى فى صنعاء كنيسة لم ير مثلها فى زمانها ، وكان يريد أن يصرف إليها حج العرب . ولما صحت عزيمته على ذلك توجه بجيش جرار إلى مكة واستصحب معه فيلا . وكان يغلب كل من لقيه من القبائل فى طريقه إليها . ولما تحفز الجيش للوصول إلى الكعبة لهدمها فشا الجدرى فيه ، فصاروا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك

على كل سهل . وهكذا جعل الله كيدهم فى تضليل ومنع بيته من هذا الجيش الذى يسمى فى التاريخ بأصحاب الفيل . وكان العامل الأكبر فى فناء الجيش هو الجدرى الذى انتشر فيه .

بل فى وسع المؤرخين أن يعرفوا كيف تحول الأمراض المعدية دون إتمام المشروعات الكبيرة التى قد تكون من أسباب عمران العالم ورفاهيته مما جرى فى حكاية قناة بناما . فقد فكر القوم منذ عهد بعيد يرجع إلى القرن السادس عشر فى حفر قناة فى بناما لتوصيل المحيط الأطلسى بالمحيط الهادى ، وحاولوا ذلك مرارا ، لكن المشروع لم ينتقل من حيز الفكر إلى حيز العمل إلا بعد أن باع أولو الشأن امتياز القناة إلى شركة فرنسية تألفت لهذا الغرض فى سنة ١٨٨١ . لكن هذه الشركة أفلست فى أثناء العمل . والسبب الأكبر فى إفلاسها على ما يقول العارفون هو انتشار الأمراض بين العمال فى تلك المنطقة لأنها كانت موبوءة بالحمى الصفراء ، وهى حمى شديدة الفتك شديدة الخطر ، فتعادى العمال وتعادوا وصار بعضهم يموت فى إثر بعض وأصبحوا لا يكادون يتدافنون .

ولما أفلست الشركة باعت امتيازها وما حفرته من القناة إلى الولايات المتحدة التى أتمت المشروع . وكان السر فى نجاحها أن أولى الشأن فيها أدركوا تماما السبب الجوهرى لفشل الشركة الفرنسوية ، وعرفوا ألا سبيل إلى النجاح إلا بتطهير منطقة القناة من الأمراض الفتاكة وقد تم بارسال بعثة طبية إلى تلك المنطقة من عدد عظيم من الأطباء وفى مقدمتهم جورجاس . وجهزوها بكل ما يلزمها من الأدوات والأدوية والعمال . وقام جورجاس بتوفير جميع الشروط الصحية فى هذه المنطقة من تدبير الماء الصالح للشرب وتصريف الفضلات وتوفير النظافة

التامة وإبادة البعوض الذى ينشر الحمى الصفراء . وبالاختصار حول منطقة القناة التى كانت تسمى بمقبرة الرجل الأبيض إلى منطقة صحية جدا تضارع أجود بقاع العالم صحة

وتلاشت منها الحمى الصفراء والملاريا ؛ وبعد عشر سنوات أى فى سنة ١٩١٤ تمكن جورجاس من خفض نسبة الوفيات بين سكان هذه المنطقة إلى ٦ فى الألف . وكانت فى هذا التاريخ نسبة الوفيات فى الولايات المتحدة نحو ١٤ فى الألف .

والأمثلة على فضل العلوم الطبية الصحية على العالم أكثر من أن تحصى ، لكنه فضل سلبى كما بينت ؛ ولذلك لا يفطن إليه الناس إلا فى ندور ، ولا تبلغ إليه مداركهم إلا إذا أحاطهم الأطباء بجملته وتفاصيله ، وعرفوهم ظاهره وباطنه وباديه وخافيه ، وأوقفوهم على جلائله ودقائقه .      وجدير بى أن أقول إن هذا الرأى - الصحة أساس العمران - ليس حديثا ، بل هو قديم جدا ؛ فما أدرك الناس من المأثور عن برز جمهر قوله : (( إن كان شىء فوق الحياة فالصحة ، وإن كان شىء مثلها فالغنى ، وإن كان شىء فوق الموت فالمرض ، وإن كان شىء مثله فالفقر )) .

وقريب من هذا المعنى ما قاله المتنبى :

ولذيذ الحياة أنفس فى النفـ       س وأشهى من أن يمل وأحلى

وإذا الشيخ قال أف فما مل    حياة وإنما الضعف ملا

آلة العيش صحة وشباب        فإذا وليا عن المرء ولى

ولقد نبه روزفلت الرأى العام أخيرا إلى ما للصحة من الأثر الكبير فى الأمم وحضارتها بقوله :

(( تقاس كفاية الحكومات فى أى بلد بما تقوم به من المشروعات الصحية تحسينا للصحة العامة وحفظا للأرواح فالصحة أغلى شىء )) .

اشترك في نشرتنا البريدية