يحتفل العالم الإسلامي اليوم باستقبال عام جديد ، فيقفون وقفة قصيرة أو طويلة يستعرضون فيها ماضيهم وينظرون إلى حاضرهم ، ويتطلعون إلى مستقبلهم ؛ فيرون ماضيا جليلا في أوله ، متعثرا في وسطه ، مخجلا في آخره وليس ذلك كل تاريخه ، إنما هو تاريخ يوم واحد من ايامة ؛ ومن أجل هذا بدا يتطلع إلي شروق اليوم الثاني ، فأحس بمواضع النقص فيه ، وكان قد وصل إلي درجة انه لا يحس ، وبدا يعمل وكأن لا يعمل ، وهذا يضع خطة لمستقبله ، وهذه أول علامة الحياة ، وبدأ يغربل ماضيه ينتقي خيره وينفي شره ، وهذا يغربل الحضارة الغربية يختار خيرها ، ويستبعد ضررها
وماذا ينقصه الآن للسرعة في سيره وتحقيق مثله ؟ ينقصه الإيمان الحق القوي المتين بالله وبالفضيلة ؛ فهذا هو ما أنجح أولهم ، وبضياعه ضاع آخرهم . لقد جاء الإسلام فدعا إلى عبادة الله وحده ، وتمجيده وحده ، والإيمان بخيريته ، وبذل المال والنفس في سبيله ، لأن سبيله هو الحق ونصرة الحق
فلما أن دخل هذا الإيمان نفوس قوم واختلط بدمائهم ، لم تقف أمامهم قوة بشرية . لم تقف الحضارة أمام بداوتهم ، ولا الأسلحة الحديثة امام عصبهم ونسبهم وسيوفهم ، ولا الفيلة أمام إبلهم ، ولا كثرة العدد أمام قلتهم ؛ لأن الإيمان يجب كل شئ ولا يعوقه عن سيره
شئ - اعتبر ذلك بالحرب الحاضرة ؛ فالايمان بالوطنية هو الذي يثابر ويدافع ، وهو الذي يكتب له النصر ، ومن ثم يؤمن انهار لحينه ، ومن آمن ثبت بقدر إيمانه والمصابرة الآن مصابرة إيمان لإيمان ، فكيف بإيمان العقيدة ، وإيمان نصرة الله ، وإيمان نشر الفضيلة ، والحق في الله وبالله .
إن لنا في تاريخ الرسول ) ص ( والصحابة عبرا جمة . وأمثلة رائعة لما يفعل الإيمان . خد لذلك مثلا يوم الأحزاب " ! فقد تضافرت قريش كلها على استئصال محمد ومن امن معه ، وأعانتهم القبائل حولهم ، وحالفهم يهود المدينة ومنافقوها ، واختارت كل قبيلة خير قادتها ، وجمعوا خيلهم واحابيشهم ومؤنهم وذخائرهم ، وبلغوا نحو اثني عشر ألفا ، فيهم من يعد بألف كخالد بن الوليد في شجاعته وقيادته ، وعمرو بن العاص في رأيه ومكيدته ؛ فكل جزيرة العرب عليهم ، وكل يهود المدينة ومنافقيها أحلافهم ، وكل هؤلاء وهؤلاء علي فئة قليلة من المسلمين بالمدينة ، لا يتجاوز جنودهم الالف ، ولكن ما قيمة العدة والعدد بجانب الايمان ؟
لقد اهتدى المسلمون إلى فكرة الخندق حول المدينة فحفروا ؛ فأبو بكر وعمر ينقلان التراب في ثيابهما ، إذ لم يجدا مكاتل ، ومحمد رسول الله يأخذ المعول فيكسر به حجرا اعترضهم في حفرهم ، وقد تم الخندق ، وأخذ الجيش القليل يحرس التسلم ، ورسول الله معهم يحرس تامته وهم يتناولون الحراسة في البرد القارس والجوع الشديد فماذا كان مع هذا كله ؟
كان الإيمان الصادق الذي لا يتطرف إليه شك " ولما رأي المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله . وصدق الله ورسوله ، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ؟
في اشد هذه الأوقات الحرجة التي بلغت فيها القلوب الحناجر ، كان النبي يعد قومه بنصرة دعوته ، ولا يخالجه
شك في أن الحق لا بد أن يسود ؛ وفي هذا الوقت العصيب الذي لا يفكر فيه أحد إلا في النجاة من هذه الغمة ، كان محمد " يقول : " والله لتفتحن الشام ، ولتظهرن عليه ولا ينازعكم أحد ، ولتفتحن اليمن ، ولتفتحن هذا الشرق " ويري في هذه الأزمة الحادة قصور اليمن والشام ، والقصر الأبيض لكسري بالمدائن ، كلها تتساقط في يد المسلمين ناشرين دعوتهم داعين لربهم ، ويبعث إلي أبي سفيان يقول : " أما بعد فقديما غرك بالله الغرور ، لقد ذكرت انك سرت إلينا في جمعكم ، وانك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا ، وذلك أمر يحول الله بينك وبينه ، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزي
" ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفي الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " .
وما أكثر العبر ، وما أكثر الأمثال ؛ كان هذا والمسلمون لا يتجاوزون الآلاف ، فما بالهم اليوم وقد بلغوا حول مائتين وخمسين مليونا موزعين على القارات الخمس ، ما بالهم اليوم لا يحتلون المكان اللائق بهم وبدينهم وبتاريخهم ؟ إنهم لا ينالون ذلك إلا بأن يؤمنوا ويعملوا ، وليس الايمان تلفظا ومظاهر عبادة ونطقا بالشهادتين ، إنما الايمان قلب ينبض وعقيدة تمزج بالدم ليس الإيمان يعد بالاجسام بل بالأرواح ؛ ولرب روح واحدة أنفع من آلاف ، بل أجدي علي الانسانية من ملايين ، إن الحياة بلا عقيدة نافعة لا طعم لها ، كالطعام بلا ملح والخبز بلا إدام ، ولا خير في الحياة من غير مثل اعلى تتجه إليه الامم ويعمل له الافراد ، يحمل تبعة هذا قادة العالم الإسلامي ، سواء في ذلك قادتهم الدينيون وقادتهم الاجتماعيون والسياسيون
فأما قادتهم الدينيون فالمسلمون أطوع لهم ، وإصلاحهم اسرع على ايديهم ، وهم يقصرون دعوتهم في الاعم
الأغلب - على الاتيان بالشعائر ؛ ولكن وراء ذلك يجب ان يدعوا إلى قلب يحيي وواجب يؤدي وتضحية في سبل الخير تبذل ، واطلاع على الكون وشؤونه يلقن . ومبادئ قويمة تغرس . لكل زمن تعبيراته ، وفي كل موقف للآمة واجباته ، وفي أحداث كل زمن عبرة ؛ فلا بد ان يخاطب رجال الدين الشعوب بأحداث زمانهم ولغة زمانهم ومطالب زمانهم ، ولا بد ان يعنوا بالقلوب فيحيوها ، وبالمثل العليا الصالحة فيرسموها ويبثوها ، وإلا ظل المسلمون مسلمين جغرافيا وبالتعداد ؛ ولا يتم ذلك حتى يعرف قادة الدين الدنيا وشؤونها ونزعاتها واتجاهاتها ، ويعرفوا موقف اممهم من هذه الاتجاهات وما يصلح لهم وما لا يصلح ، ثم يوجهوهم خير توجيه وانفعه لدينهم ودنياهم .
لقد أتي الاسلام لمحاربة الأصنام ولكل عصر أصنامه واوثانه ، وأصنام عصرنا شهوات تقضي على التوحيد وسلطات تحارب العدل والحق ، واموال تعبد من دون الله ، وتذبح أمامها الفضيلة فواجب قادة الدين أن يجعلوا هذه الأوثان كما حطمها مؤسس الدين وانصاره ، وليدعوا - كما دعوا - إلي عبادة الله وحده والحق وحده .
وأما قادة الاجتماع والسياسة فحملهم كذلك ثقيل ، وتبعاتهم عظيمة ؛ فالعالم الإسلامي يعاني المشاكل الاجتماعية والسياسية ما بنوه بالعصبة اولى القوة ، واصبح المسلمون - رضوا أو كرهوا - جزءا من عالم حي نشيط ، لابد ان ينشطوا بنشاطه ، ويحيوا من جنس حياته ، ويسابروا حركته ، ومجري دورتهم الدموية جريانه ، وإلا تخلف العضو ومات ، ومعاذ الله ان يموت ؛ ثم هم امام قوي تتناحر ، وهم بعض الغرض ، وجزء من الغاية ، فكيف يصح ان ينام قادتهم ، ويغمضوا عيونهم عما يجري حولهم ، وكيف يصح أن يتنازعوا على القليل التافه ، ويختلفوا هي الأعراض ، وينقسموا علي الأشكال ؟ ثم إن الإسلام أتي وكان دينا ونظاما اجتماعيا معا ، والمسلمون يجرون على
هذا النمط في حياتهم إلي اليوم ، قد رسم الدين عبادتهم . وشكل حياتهم الاجتماعية ، وقد دخل على الدين في عصوره المختلفة ما لم يكن منه ، وترك اثره في حياتهم اليومية ، وغزت المدنية الحديثة المسلمين في مناحي حياتهم . فأي الأمور أصلح ؟ وأي الخطط توضع ؟ وأي الأمور يجب ان يكون ؟ وانها يجب ان يستبعد ؟ ولاحد في هذا كله أن يتعاون قادة الدين وقادة الاجتماع ، فليس الشأن عندنا كالشأن عند غيرنا " مالقيصر لقيصر وما لله لله " .
هذه ونحوها أمور تواجه العالم الاسلامي اليوم ، ويجب ان تحل ، ويجب ان يواجهها قادة الدين وقادة الاجتماع ، ولا يتركوها للزمان ، فالزمان وحده لا يحل الأمور كما ينبغي ؛ وليس غيرنا يترك زمانه يعمل وحده ، فأولي ألا نترك زماننا .
نرجو أن يكون عامنا الهجري الذي نستقبله اليوم خيرا على العالم الاسلامي ، ينطقنا بالثناء عليه يوم وداعه ، ونحتفظ له بالذكري الجميلة عند استقبال أخيه

