الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 144الرجوع إلى "الثقافة"

العدل الاجتماعى

Share

غمرت النزعة الاشتراكية الدول جميعا ، فأدت بها إلى التدخل فى مجالات النشاط الفردى الاقتصادية والاجتماعية بغية إقرار التوازن المنشود بين أعضاء المجتمع ، وبالتالى تحقيق العدل الاجتماعى في ربوعه . وهذا التدخل يتخذ صورا متباينة ، ذهب بعضها إلى حد إدماج أفراد الشعب فى طبقة واحدة ، أعضاؤها سواسية كأسنان المشط على حد التعبير المأثور .. واقتصر بعضها الآخر على التقريب بين الأفراد حتى تنتظمهم طبقة واحدة ذات درجات بعضها فوق بعض . ولا تزال بعض الدول تسعى إلى مثل هذه المساواة سعيا حثيثا ؛ ولقد ترجم شعورها المستر تشرشل إذ قال : " حينما تفوز فى الحرب سنوجه اهتمامنا إلى إنشاء حالة اجتماعية تصبح فيها الامتيازات التى تحظى بها الآن طائفة محدودة من المجتمع حقا لسائر أفراد الشعب " .

ولقد يصدر بعض الداعين إلى المساواة عن مثل عليا أو فكرة إنسانية - ولعل الدعوة كانت هكذا فى منشئها - أما رجل الدولة فلا يحدو به إلى إقامة المساواة مثل عالية ، بل حرصه على كيان وطنه فى المجتمع الدولى كدولة ذات حرية واستقلال ... ويغريه بها بوثبه إلى النهوض بالوطن ، وتوطيد أمنه واستقراره الداخلى ، إذ لا يعزب عن ذهنه أن المجتمع الذى يشيع فيه انتهاك العدالة الاجتماعية وتوأد فى دياجيره المساواة لهو مجتمع مزلزل القواعد مصدع الجوانب ، ينخر فيه داء الطبقات ، وما يجره من شرور وأخطار . فالأفراد متنابذون متنافرون . الغنى يصعر خده للفقير ، وينظر إليه شررا . والفقير يرنو إلى الغنى مشبعا حنقا وحقدا . . . أصحاب الأعمال ينظرون إلى العمال نظرتهم إلى الآلة أو الفريسة ، لا الزميل

أو المواطن . . . والعمال ينظرون إليهم نظرتهم إلى الصائد لا المنظم أو القائد . . . وهكذا يستحيل الوطن الواحد معسكرات متعادية ، يتربص أحدها بالآخر ليرديه أو إن استطاع ليفنيه . . . ويستحر النضال بينها فتآكل جميعا وتمنى الحياة الاقتصادية - وهى عصب الدولة فى السلم والحرب - بشلل وخسران . فيتضاءل الانتاج ، ويضطرب التداول ويسوء التوزيع . . وقد ينضج البلد للثورة فتجتاحه عاصفة هدامة مدمرة لا تبقى ولا تذر .

ومصر فى حالها الحاضرة مجتمع يجب البدار إلى القيام بثورة إصلاحية فيه صونا لكيانه ، وحفظا لسلامه الداخلى والخارجى ؛ ذلك أنه مصاب بمظالم اجتماعية جائرة وبرزج تحت أوزار أخطاء اجتماعية فاقرة ، نفت المساواة ، وأزهقت العدالة ... فالنفوس تتأذى من شيوع النزعات الارستقراطية ، وتأصل الاتجاهات الرأسمالية ، والأنظار تتغذى من رؤية أقلية فى الذروة ، تسيطر على الثروات وتتحكم فى الموارد والأرزاق ... وأغلبية فى الحضيض ، تعانى الفقر والبؤس والحرمان .

منذ قرن ونصف أكد مستر جودوين أن فى العالم من الثروة ما يكفى كل الأحياء ، إلا أنها ليست موزعة عليهم جميعا ، فالمشكلة فى التوزيع وليست فى الانتاج ؛ وهذا التقدير مسلم به فى أيامنا هذه بالنسبة إلى المجتمع الدولى ، وهو كذلك يصدق على المجتمع المصرى . لا مراء فى أن إنتاجنا القومى لم يبلغ بعد أشده ، ولكن ليس هذا علة تقهقر الحالة الاجتماعية ، بل علته سوء التوزيع ، وسوء التوزيع هذا هو التجسيد المادى لانهيار العدالة الاجتماعية ، وهو واضح فى مجالين : مجال يقف فيه المصريون قبل الأجانب . . . ومجال يبدو فيه المصريون وحدهم .

فالأجانب يمتلكون حوالى عشر الثروة العقارية

الزراعية ، وتكاد تكون الشركات المؤسسة فى مصر احتكارا لهم تدر عليهم أرباحا موفورة ، ومع ذلك يضنون على المصريين بالعمل فيها . . . وأدهى من ذلك وأمر أن اليونانيين وحدهم يمتلكون ثلث الأسهم والسندات المتداولة فى مصر ؛ فأى مجتمع أكثر تهاونا فى حقوقه من مجتمعنا ؟ وأى اوضاع أكثر شذوذا من هذه الأوضاع ؟ ولئن كانت الدولة تستطيع فى الماضى الاحتجاج بنظام الامتيازات الذى يغل يدها ، فها قد سنحت الظروف الملائمة لاجتثاث أخطاء الماضى واستئصال مظالمه .

أما فى المجال الثانى فمظاهر عدم المساواة كثيرة ، وليس للدولة أى تبرير لتقصيرها فى قطع دابرها حتى الساعة ، وبحسبى أن أشير إلى ان 4 , 1 من الملاك الزراعيين يحتكرون ملكية نصف الأراضى . وأن مرتبات الموظفين ومعاشاتهم تستنفد ٣٥ ٪ من ميزانية الدولة ، وأن النسبة بين أعلى مرتب وأدناه ، هى نسبة واحد إلى ثلاثمائة ، على حين أنها فى فرنسا واحد إلى أربعين . وأن مالك الفدان يدفع ذات النسبة من الضريبة التى يخضع لها مالك عشرات الألوف من الأفدنة ، وأن أقل من أربعة ملايين هم الذين ينعمون بالماء الصالح للشرب ، أما الاثنا عشر مليونا أو يزيد فيشربون طينا وغسلينا يعجل بهم إلى غياهب القبور !

كل هذا وكثير غيره من الأنظمة الرأسمالية الفاسدة شائعة عندنا ، وما زالت تزيد الغنى غنى والفقير فقرا ، حتى قضت على التوازن بين طبقات الأمة ، وأردت التناسق بين الثروات الفردية .

ولقد يعجب الانسان لرضا المصريين بمثل هذه الحال المتدهورة ؛ والحق أنهم لم يأبهوا بها لما وجدوا حريتهم مسلوبة ، ورضخوا لها راغمين تحت ضغط الحكم

الاستبدادى الذى خضعوا له طويلا ؛ هذا إلى أن الجهل الذى كان يغشى أبصار المصريين صرفهم عن التفكير فى إصلاح شئونهم ، كما أن التقاليد العتيقة والآراء الضعيفة التى صيغها بالصيغة الدينية من لهم مصلحة فى ذلك كانت تستخدم كمقود يوجه به المصريون الوجهة التى يشاؤها الحاكمون . والزراعة حرفة السواد الأعظم من المصريين ، وهى تكون نفسية من طراز خاص تتميز بالصبر والدعة والايمان بالقدر والرغبة عن المغامرة . ولا جدال فى أن هذه النفسية تقبل الحال الاجتماعية على علاتها ، وهذا ما كان ، فانتفت كل خطورة يحتمل أن تنجم عن الأوضاع الاجتماعية الظالمة ، وقد قامت الطبقة المتوسطة بدور الموازنة بين الطبقتين الغنية والفقيرة ، فدعمت المجتمع ، وصانته من التداعى .

أما فى الوقت الحاضر فالظروف قد تطورت تطورا يصوره بدقة قول سعادة الشيخ المحترم محمد بدير فى مجلس الشيوخ : " إن من الاخلاص لكم أن أصرح بأن بعض المذاهب الاجتماعية النائية هنا قد وجدت لها سبيلا فى نفوس الفلاحين ، فأصبحوا غاضبين فى غير جلبة ، ثائرين بدون عنف ، وإنى أخشى ساعة تجلس فيها الأمة إلى شيوخها ونوابها تسألهم ماذا فعلوا لها وقد أجزلت لهم العطاء ، ساعة يجلس فيها الشعب ليحاسب أولى الأمر وسيكون الحساب عسيرا " ˓˓

وسر هذا التطور الجسيم أن المصريين ، وقد سوى وضع وطنهم فى المجتمع الدولى ، حدقوا بأبصارهم فى الحال الاجتماعية ، فراعتهم البشاعة التى هى فيها ، وأدركوا أنه لكفر بالديموقراطية التى تزعم اعتناقها ، وإهدار لقيمها الروحية والمادية ، أن تبقى على ما فى المجتمع من جور وفساد . والديموقراطية أشعرتهم بأن لهم حق توجيه سياسة الدولة وغير ذلك من الحقوق

فى مقابل الالتزامات التى يتحملون بها ويؤدونها طوعا أو كرها . . . وبدهى أن يضعوا نصب أعينهم حقهم فى الحياة الكريمة كأناس لهم كرامة واعتبار ، وهو لون من الحياة مقطوع الصلة بتاتا بحياتهم الحاضرة . ولئن كان الجهل لا يزال جاثما على صدور الأغلبية ، فان سهولة تنقل الأفراد ونقل الأخبار قد بعثت العقول من مقابرها ، فغدت تبحث وتناقش حقوقها وواجباتها ، ونشرت النفوس من غياهبها ، فطفقت تشعر بأن ثمة شرعة مقدسة هى التضامن الاجتماعى " يقتضى من السعداء بعض التضحية فى سبيل البؤساء " على حد تعبير دولة اسماعيل صدقى باشا ؛ وكنتيجة منطقية حتمية لذلك البعث وهذا النشور ، انكمش سلطان التقاليد البالية ، وبخاصة ما اتصل منها بالدين ، فبدأ الأفراد يشعرون بأن الرضا بالأمر الواقع ، والاطمئنان إلى القسمة المزعومة ليس من الدين فى شئ ، بل هو مناقض للروح الدينية الحافزة إلى الطموح واقتضاء الحقوق ، الحاثة على التسوية بين الناس ، والتى تجعل أمر الرعية شورى بينهم ، وتبيح لهم تقويم ما يبدو من الحاكم من انحراف عن الجادة أو يصدر منه جور عن سواء السبيل . وإلى جانب هذا ازدهرت الصناعة فى مصر ، وتجمع العمال الصناعيون وهم يزيدون عن المليون . . . والصناعة تخلق نفسية مغايرة كلية لنفسية الزارع ، فهى تنير فكره وتقوى روحه ، وتنفث فيه حب المغامرة والكفاح الجرئ . ولعله لا يغرب عن بالنا أن الحركات الاجتماعية تنبع دائما من البيئات الصناعية . ولم تعن الدولة بتدعيم المجتمع بأى وسيلة كانت ، فتركت الطبقة المتوسطة تتآكل ، فهوى أكثر أفرادها إلى حيث اندمجوا بالطبقة الفقيرة ، وارتفع قليل منهم إلى طبقة الأغنياء ، وبذلك تقوضت الدعامة الكبرى ، وأصبحنا نرى الآن طبقتين متقابلتين يتأجج بينهما الصراع رويدا رويدا ، وكل منها

تتشبت بالحياة وتكافح فى سبيل البقاء ، لأن الطبقة لا تنتحر كما يقول كارل ماركس .

وسبيل الاصلاح لحفظ كيان الجماعة هو الارتقاء بالطبقة العامة إلى درجة متوسطة فى السلم الاجتماعى ، والهبوط بالطبقة الثرية إلى هذه الدرجة بالذات ، حيث يتوحد الشعب جميعا فى كتلة عاملة مجاهدة فى سبيل الوطن ! هذه الخطوة ضرورة حيوية يجب أن نعجل بالقيام بها حتى لا يسبقنا الزمن ، ويجئ الوقت الذى نحمل فيه على تنفيذها . ويومئذ نأسو على ما فات ولات حين مناص !

فلننشط إلي هذا، مكتسحين كل عقبة تعترض طريقنا ، فما خلقت العقبات إلا لكى تكتسح . . ولنؤمن أن الحياة إرادة . . إرادة وقوة ومجد وخلود .

اشترك في نشرتنا البريدية