من القواعد التي لا تكاد تقبل الجدل ، أن الأديب وعصره هما صورتان تعبر كل منهما من الاخري تعبيرا ما ، فبينهما من التشابه ما بين الأثر والمؤثر ، وبينهما من التفاعل ما بين مادتين من مواد الكيمياء ينتج من تشابك عناصرهما مادة ثالثة تمتزج فيها خصائص المادتين كليهما
بلى ، وإن القاعدة لاهم من ذلك ، فليس هو الاديب وحده ، ولكن كل ذي فن في فنه ، وكل ذي رأي في راية ، وكل ميرز في ناحية من نواحي النشاط - هو صورة من عصره ، وتعبير عن حياته ، ولون من الوان بيئته . ومن هنا كان فرضا على كل من يحاول ان يدرس أديبا من الأدباء او حادثة من التاريخ ، ان يعرف العصر الذي نشأ فيه الأديب أو حدثت الحادثة ، وإن ذلك ليدعونا إلى السؤال عن معني العصر : اهو التاريخ العام الذي تناول حياة الامة كلها ، أم هو المؤثرات الخاصة التي ادبت الأديب وأحدثت الحادثة ؟
وسؤال آخر عن معنى " التاريخ " : أهو الحادثة أم هو الناس ؟
لقد غير مؤرخو العرب زمانا لا يعرفون التاريخ إلا انه تاريخ وفيات الأعيان ، أو تاريخ ولاية الأمراء وعزلهم ؛ فصرفوا همهم إلي ذلك واتخذوه غرضا . اما ما سوي ذلك من احداث الحياة ووقائع التاريخ فهو تتبع واستطراد ثم تجمعت طائفة اخري فرتبوا التاريخ فصولا على الحوادث لا على الرجال ولا على السنين ، وسلكوا سبيلا ما يزال نسلكة ، على تفاوت بيننا وبينهم
يتفاوت ما بين زمان وزمان
ولست اري رأي أولئك ولا رأي هؤلاء ؛ فليس التاريخ عندي هو حادثة حدثت ، ولا هو ولاية امير وعزل امير لا ، ولا وهو وفيات الاعيان وموالدهم ؛ ولكنه هو الناس
لأهل التاريخ ما يرون في معني التاريخ ، فليس لي ان اقتحم عليهم ؛ وإنما لي من التاريخ معناه الأدبى وحسب ؛ والتاريخ عندي - بهذا المعنى - هو الناس هو الأفراد الذين ينتظمهم معني الجيل ؛ فهو السوفي كيف يبيع ويشتري ، والنادل في القهوة والمطعم كيف يسمع ويجيب ، وبياع النصيب في محاط الترام وعلى أبواب المساجد . . وهو شرطي المرور ، وبواب العمارة ، وخادم الدار ؟ وهو زوجي وولدي ، وزملائي في الديوان ، وسماري في القهوة ؛ ثم هو طعامي وشرابي ، ورياضتي وعملي ، وفراشي الذي يؤويني ، ووسائل لهوى في فراغي . . إلي أشياء وأشياء هي منا وإن بعدت عنا ، وهي ذات الآثر كل الآثر في حياتنا ، وهي العصر والتاريخ والبيئة : تعبر تعبيرها الصادق عن حياتنا ، وتؤثر أثرها المنتج في فنوننا ، وتبنى وتهدم في نظام حياتنا اكثر مما تبني وتهدم أحداث السياسة ووقائع التاريخ العام .
هانذا أضرب مثلا لثلاثة من شعراء هذا الجيل ؛ شوقي ، وحافظ ، ومطران
لقد نشئوا وعاشوا في عصر واحد ، ومر بهم من أحداث التاريخ العام ما مر بكل " كائن حي " في هذه الامة ؛ فشاهدوا عصر الخديوية ، وعهد الاحتلال ، ثم رأوا بواكير الاستقلال ، وأدركوا عصر الجمهورية التركية ، وكان كل منهم بالمنزلة التي تجعله فصلا في تاريخ هذه الحقبة السياسي ؟ فهل تري اثر ذلك في فهم متشابها ، وهل يغني عن دراستهم دراسة التاريخ العام في عصرهم ، فيزعم زاعم ان ذلك التاريخ هو تاريخهم ؟
ألا إن ذلك ليس شيئا في تاريخ شوقي وحافظ ومطران ، فان لكل منهم تاريخا غيره فيما يلي وجد من ثيابه ، وفيما طاب وخبث من طعامه ، وفيمن خلع ولبس من خلانه ؛ وفي لياليهم العابسة والضاحكة ، وفي اسمارهم الرزينة والعابثة ، وفي مراكبهم الوطيئة والخشنة وبالجملة فتاريخ كل منهم هو " الناس " الذين عاش لهم وبهم ، وتقلب على عيونهم ، واستمع إلى احاديثهم ، واستمتع او استاء منهم ولهم ؛ فمن هم هؤلاء " الناس " لتعرف بهم ذلك التاريخ " ؟
" الناس " بمعنى " التاريخ " فن لا وجود له في ادب هذا الجيل ، وليس لنا به عناية ولا احتفال . ولعلي لا اكون غاليا إن زعمت انه فن لا يلتفت إليه أحد من ادبائنا اليوم على شدة حاجتنا إليه في كثير من دراساتنا في الأدب والتاريخ
ولست أعني بما أسميه " فن الناس " أدب التراجم العامة ، وإنما هو لون منه : اللون الذي ينقل إلينا صورة هن ناس العصر الدين نعاشرهم ونعايشهم ونبايعهم ونشاربهم على اختلاف مراتبهم في الاجتماع وتأثيرهم في الحياة .
اللون الذي يصور لنا " الناس " الذين منهم الزبال والشيال ومنهم الأمير والوزير .
هو الفن الذي يسجل للأجيال صورة كاملة من ناس هذا الجيل الذين برزت اسماؤهم لمعنى بارز فيها ، بروزا ساميا ، أو بروزا سافلا ، أو بروزا شاذا
ليس وفاء بحق التاريخ أن نقتصر في التراجم السياسية على أسماء : سعد ، ورشدي ، وعدلي ؛ ولا نذكر معها اسماء : السمالوطي ، وبدر الدين ، وسليم زكي ، والطرابلسى ، وكوين بويد .
وهل نستطيع ان نورخ الثورة المصرية تاريخا حقا من غير ان نذكر القاباني ، وابا شادي ، وبشير الشندي ،
وعبد الحميد النحاس ، ويولص غبريال ، وملطي سر جيوس ؟
وليس وفاء يحق الأدب أن تقتصر من أدباء الجيل على أسماء فلان وفلان ، إذا لم يكن معهم حمام ، وعرام ، والخماحي ، وعبد الحميد الديب
وماذا يعرف المؤرخ من حياتنا الاجتماعية في غد إذا لم يعرف الفيشاوي ، ونادى العلم ، وقهوة الحلمية ؟
وأين من تراجم الأعيان : أبو طريقة ، والحلوجي والدهان ، والعجاني ، والعاصي ؛ إلى اسماء اخر لها شهرتها واثرها ، وما منهم إلا له ناد بغص كل يوم بناس وناس من مختلف الطبقات لا يلتقون في مكان ؟
وما هي القاهرة اليوم ، وماذا كانت قبل سنوات ثلاث ؟ ما لياليها وما أسمارها ؟
ماذا يعرف التاريخ عن صالة ببا ، وكازينو بديعة ، ومسرح الكسار وليالي منيرة ، وسهرات يوسف وهبي ، ومرقص اخوات رشدي . . وما اثر أولئك في تلوين حياة القاهرة وتكوين نفوس شباب الجيل ؟
وماذا نطالع اليوم من وجوه في نوادي الشبان المسلمين والشبان المسيحيين ، والأهلي ، والترسانة والمعلمين ، ودار العلوم ، واليمكوكة ، وبيت الامة ، ودار السياسة ، وندوة الرسالة ، ولجنة التأليف والترجمة ، إلي نوادر يقصر عنها الاحصاء ؟
وماذا يأثر التاريخ في غد عن محجوب ثابت ، وحسن شافعي الجيزاوي ، وغلوش ، وعن أبي الوفا الشرقاوي ، والدجوي ، والزنكاوني ، والدسوقي العربي ؛ ثم من البابلي ، ونعمان الاعسر ، وعبد العزيز البشري ، وحسن عبد القادر ، ولويس فانوس ؟
هؤلاء وأولئك وغيرهم ممن اعرف ومن لا أعرف ، سافلين عن ذلك وعالين ، هم تاريخنا وصورتنا ، ومجموع ما ينبغي أن يؤثر عنا ؛ وهم العصر والجيل والبيئة والزمان والمكان .
ليس التاريخ هو السياسة واطوارها وما تجيد من حوادث ، ولكنه هو هؤلاء الناس .
إن الحادثة ليست شيئا في التاريخ إلا إذا كان معها ثامها ، فهي بهم تاريخ وهم بها ؛ فإذا تجردت الحادثة من محدثها ، فما هي بشيء وليس فيها عظة ولا معتبر .
هل لي أن أقول بعدما قدمت : إننا لم نشرع بعد في تدوين تاريخنا ؛ وإن الباحث في آثارنا غدا ان يجد بين يديه من مقدمات الحكم ما يهييء له ان يحكم فيصيب ؛
لقد دعوت ادباءنا في بعض ما سبق من حديثي - إلي ان تكون لهم عناية بأدب التراجم ؛ لست اعني بذلك تراجم السادة والكبراء منا فحسب ؛ فليس أولئك كل شئ في هذا الباب ؛ ولقد تكون ترجمة صملوك بارز الشخصية والأثر أجدى على التاريخ والأدب من ترجمات ؛ فان ترجمة السيد العظيم قد تكون منفعتها له وحده وأثرها عائد عليه وظاهر فيه ؛ وترجمة هؤلاء " هي صورة التاريخ وأدب الجيل ؛ لأنهم المؤثر العام الذي ينفعل به الزمان والمكان والحادثة ، ويهم بتأرخ للتاريخ
إنما أدعو إلي أن تكون لنا عناية عامة بالتعبير عن كل ما يحيط بنا من صور الحياة في هذا الجبل ، بتدونين تاريخ البارزين من أهله وحوادثهم وأيامهم ، اعيانا وسوقة ، وأمراء وصعاليك ؛ لا يعنينا في ذلك مكانة المترجم الاجتماعية ، بل أثره في الجماعة ، وخصائصه في الحياة ، وصلته بالناس ، وانفعال البيئة به لنترك لمن بعدنا ديوانا يجمع تاريخ اعيان الجبل ، وتاريخ الجيل في اعيانه على اختلاف منازلهم الاجتماعية في ظاهر الحياة
لست أريد كتابا واحدا بنشئه كاتب واحد ، ولست أريدها تراجم كما تكتب لوحات الرخام على قبور الموتى ! فليس يتم تمام هذا الفن بكاتب وكتاب على ما تعود الواصفون ان يصفوا ؛ وماذا تستطيع العينان ان تريا
إلا ما أمامهما دون سائر الجهات الأربع ؟ . . آرايت إلى السائحين في مصر يحمل كل منهم مصورته في يده يختزن فيها ذكريات رحلته ، ويحبس التاريخ ان يفر ، وبقيد الزمن ان يفلت ؟ . . ارايت صورة مما يرسم احدهم تغني عن صورة ؟ . . كذلك تريد ان يكون تاريخنا تحت أعيننا
تري اكان القدماء ابصر منا بالحقيقة الأدبية العالية ، وأعمق غورا في فهم الأدب والتاريخ حين جمعوا في كتبهم من اخبار الصعاليك والنوكى والشطار والمجانين ما يقرؤه القارئ من سواد الناس اليوم اليوم فيتعجب ويسخر ، ولا يملك إلا ان يضحك ، ويقرؤه الاديب والمؤرخ والعالم السلوكي ، فيستخرج الجد من هزله والحق من باطله ؟
اكان ذلك منهم للهو والترفيه والمراوحة بين الجد والهزل ، أم كان ذلك عندهم علما من العلم وتاريخا من التاريخ وفنا من فنون الأدب ؟
وحتي لو كان القصد كل القصد منه إلى الهزل والترفيه لسكان فنا حقيقا والتدوين ؛ فكيف به وهو وسيلة من وسائل الحكم في التاريخ العام وفي ادب كل اديب وشعر كل شاعر ؟
كتب إلي صديقي شاكيا ، يقول إنه معني بكتاب يؤلفه عن فكاهة حافظ ؛ وقد كان حافظ رحمه الله ضحكه مصورة إنسانا ، فان مزاحة وفكاهته لحديث مشهور ، وخبر مأثور ، ونادرة على كل لسان ؛ ولكن الصديق لم يظفر - على طول ما تتبع واستقصي - بشيء يخف في الميزان او يثقل ؛ ذلك وحافظ ما يزال رطب الثري ، وما زال كثير من خلطائه وصفوة أصحابه في الأحياء وما زال حديثه عطرأ يأرج في كل مجلس ؛ فكيف لو انقضي هذا الجبل ؟ واين منزلته من التاريخ مهما كانت منزلته في الحياة ؟

