الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد الخامس عشرالرجوع إلى "الرسالة"

القلب المحطم، رسالة الى صديق

Share

بغير هذا اللون من الصور الشاحبة الحزينة ، كنت أود أن أصور لك عواطفى ومشاعرى ، وبغير هذه السطور التى  تترقرق فى خلالها دموع البث والشكوى، كنت أحب أن  يجرى بالكتابة اليك قلبي. ولكنى لا أريد أن أخدعك فى  شأن من شئون نفسي. وما أحسبك تريدنى على أن اصنع  لك كلاما عن راحة القلب وهدوء الضمير فى الوقت الذى  تعصف بى الأحداث فيه عصفا يزلزل كيان النفس، ويزعزع  أشد الأفئدة احتراماً لقوانين الأرض، وايماناً بعدالة السماء،  لقد شغلت فى مطالع الشباب وبواكر الصبى بما يشبه أن  يكون استجابة حارة لرغبات القلب ونوازع الهوى، وألهتنى متعة  اليوم عن التفكير فيما عسى أن يطلع به الغد، وقنعت بتلك  النشوة التى يملأ بها الحب شعاب القلب فى عالم تتألق حواشيه  بالبسمات والأحلام. وكنت لغفلتى أحسب الحياة ستظل  على هذا النحو رخية لينة، وأن الحب ما دام يعمرها ويخلع  عليها من مفاتنه سلاما وابتساما ونورا، فثمة ملقى العصا ،  وغاية الأمل، ونهاية المطاف. فلو أننى أحطت هذه الحياة  الأثيرة لديَّ بسياج يكفل لها على الأيام بقاءً واطرادا  لما تعثرت فى أذيال هذه الخيبة الأليمة. ولما صرت الى  ما أعانيه اليوم من تعس وشقاء.

أيها القلب! لقد سعدت بالحب حلما ذهبياً سلسل فى  نواحيك الأمل، وأشاع فى جوانبك الرجاء، ولكنك  شقيت به يقظة رهيبة تكشفت لك فى ضوئها عناصر  الجريمة من خيانة وغدر وعبث اليم بقداسة العهد والوفاء.

فهل تراك يا قلب معتبرا بما أسلفك الحب من تجاربه القاسية  الأليمة، فتظل بنجوة عن الوقوع فى شرك البسمات المغريات،  والنظرات القاتلات، ترسلها العيون الذابلة المريضة ؟  أتراك معتبراً بعد أن عرفت أن الحب انما يصور لك الحياة

روضة مسحورة تشدو بلابلها، وتَطرد جداولها، وتتأرج  بالعطر الجميل أزاهرها؟ ثم. . ثم تجف الروضة وتغيض الجداول  وتصمت الأطيار، وتتحطم الأماني، وتتبدد الأحلام. واذا  الدنيا مناحة قائمة. واذا الحب الذى سعدت به تلك اللحظات  الخاطفة يستحيل الى حسرة الماضي، وفجيعة الحاضر، ولعنة  المستقبل. واذا تلك الأناشيد الداوية تحور الى أنين خافت،  وآلام دفينة خرساء. واذن ففيم هذا التهالك العجيب على تلك  الشجرة الملعونة وقد بلوت المر من ثمرها؟ وفيم تلك الخفقات  السريعة المتلاحقة كلما رنت اليك غانية بنظرة. أو توامضت  لك على شفتيها ابتسامة؟ وهذا الجسم الذى أذبلت زهرته،  وأيبست عوده، وعطلت نشاطه، وصرفته عن مثله العليا،  وفجعته فى أقدس ما كان يرجيه من أمل ويحرص عليه من  سعادة، ألا تأخذك فيه عاطفة من الاشفاق والرحمة، فتدعه  يفرغ لما تتطلبه الحياة من جهاد طويل الشقة، وعر المسالك،  فادح الأعباء. أيها القلب! انك أن تظل سادرا فى غوايتك،

فانى لأخشى أن أناجيك غداً بقول الشاعر: أقول لقلبى كلما ضامه الأسى    اذا ما أبيت العز فاصبر على الذل برأيك لا رأيى تعرضت للهوى  وقولك لا قولي، وفعلك لا فعلي فان تك مقتولا على غير بغية    فأنت الذى عرضت نفسك للقتل

اشترك في نشرتنا البريدية