الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 165الرجوع إلى "الثقافة"

اللثغ ومخارج الحروف، وأثرهما فى اللغة

Share

قد تكلمنا في المقال الأول عن اللثغ وما تفرع منه وما ترتب عليه من آثار ، وابدينا رابنا في ذلك وما ينبغي أن يتخذ نحوه حين وضع معجم جديد . وفي مقالنا هذا سيكون كلامنا في موضوع أهم من السابق ، لما له في اللغة من آثار في مفرداتها  أكثر عددا واوسع

دائرة ، ذلك هو مخارج الحروف وصفاتها ، وقد اهتم به أئمة اللغة وأعلام العربية ، وكان أشدهم اهتماما وأكثرهم به عناية علماء التجويد الذين افردوا له ابوابا او صنفوا فيه كتبا ، لأن صفات الحروف ومخارجها مما يتعلق بالقرآن الكريم والقرآت ؛ فهم مثلا يحتاجون إليها ليعرفوا ما يصح فيه الادغام وما لا يصح ، وبخاصة في الإدغام الكبير في قراءة أبي عمرو بن العلاء المازني

ويكفي أن نعلم ايضا ان الخليل بن أحمد حينما صنف كتابه " العين " في اللغة لم يضعه على ترتيب الحروف الهجائية ، وإنما سلك فيه طريقا اخرى ، حيث رتبه على نظام محارج الحروف . وقد كان لصفات الحروف أو تقاربها في المخارج أثر كبير في مفردات اللغة كما قدمنا ، نتج عنه تضخيم المعاجم العربية وتكثير موادها ؛ ولكنا

بشئ من التمحيص والمراجعة بعد معرفة لهجات العرب ولغاتهم ، نستطيع أن نلحق كثيرا من هذه المواد إلي أصولها التى تفرعت عنها ، بعد ان كانت تتفرد بمادة خاصة بها . وأول ما نبدأ به من الحروف الحاء والهاء ، فهما حرفان متقاربان جدا ويدغمان معا إذا تجاورا ، واولهما وهو الحاء لا يوجد في كثير من اللغات ، واللغة الفارسية لا يوجد فيها حرف الحاء أصلا ، وإنما هو دخيل عليها من العربية ، ومع ذلك فإذا كتب فانما ينطق به هاء ،

ولهذا لو وجدنا كلمة في اللغة الفارسية مشتملة علي الحاء فاننا نعتبرها دخيلة عليها وفي معاجم اللغة العربية الفاظ كثيرة اتحدث في الوزن والمعنى ، وليس من فرق بينها إلا ان هذه بالحاء وتلك بالهاء وهذه بعض الأمثلة : المزح والمزء ، المليح والمليه ، المدح والمده ، اللحس واللهس .

تمدهي ما شئت أن تمدهي   فلست من هوئي ولا ما اشتهي

ويسمى إبدال الهاء من الحاء " ههة ؛ وذلك الأبدال إنما هو من قبيلتي " لخم " و سعد بن زيد مناة ابن تميم " وهاتان القبيلتان كانتا متصلتين بالفرس اتصالا وثيقا ، إما بسبب العمل والولاية وتلك قبيلة لخم ، وإما بسبب الجوار والسكنى وتلك قبيلة سعد من تميم ؛ وإذا فنستطيع ان نضع قاعدة صحيحة يمكننا ان نسترشد بها في وضع معجم جديد

١ - كل لفظين جاءا ) ١ ( على وزن واحد ) ب ( وبمعنى واحد ) ج ( ولم يكن الاختلاف بينهما إلا في الحاء والهاء فالأصلي منهما ما كان بالحاء ، وهو ما يجب ان يستقل بمادة اصلية في المعاجم ، ثم تلحق به، في مادته ما كان بالهاء مشيرين إلى أنه تأثر بقبيلتي لخم وسعد بن زيد مناة اللتين كانتا متأثرتين بالفرس ، فنقول مثلا : المليح هو الحميل ، ومما يلحق به " المليه " بمعناه على لغة لخم وسعد من تميم

وإذا انتقلنا إلي حرفي " العين والهمزة " وقلبنا الالفاظ التى وردا فيها ، لاحظنا ان لهما طرفين ، فتارة نجد ألفاظا الأصل فيها العين ثم انتقلت إلي الهمزة كالسعف والسأف ودعم الحائط ودأمه وزعاف وزؤاف ، وتارة تجد ألفاظا الأصل فيها الهمزة ثم انتقلت إلي العين مثل خبأت الشئ وخبعته ، والخباء والخباع ، وان وعن ؛ وحينئذ قد تبدو معرفة الأصل منهما أول الأمر صعبة ، وبخاصة

أن كثيرا من اللغات لا توجد فيها العين . هذا إلي أننا نجد قبيلة تميم تجعل الهمزة الأولى عينا ، ويسمى ذلك عنعنة تميم ، فيقولون في " اسلم " عسلم " وفي " إن"   "عن "  ويظهر ايضا من المثال الأتى انهم يقلبون الهمزة الأخيرة عينا ، فالخباء لغة عامة العرب ،

والخباع لغة تميم فيه ؛ وإذا فيمكننا ان نضع قاعدة تصلح أيضا في تنظيم المعجم الجديد ، وذلك بعد ملاحظة " السعف والسأف ودعم ودام وأمثالهما " ، وبعد ملاحظة " ان وعن وخبأ وخبع وخباء وخباع وامثالها فنقول :

١ - كل لفظين جاءا " ا "على وزن واحد " ب " ومعنى واحد " ح " ولم يكن الاختلاف بينهما إلا في العين والهمزة  " ء "ولم يكن حرف العين والهمزة فاء لكلمتيهما ولا لاما لهما فاللفظ الأصلي لهما هو ما كانت فيه العين وهو الذي يجب ان تكون له مادة اصلية في المعجم ، وحينئذ تلحق به ما كان على زنته وفيه الهمزة مع الاشارة إلى أنه متأثر

بقبائل كانت تجاور دولا غير عربية ، كما في دعم الحائط ومما يلحق به   " دأمه "  بمعناه ، والسعف ومما يلحق به السأف بمعناه ؛ هذا إذ لم يكونا فاء للكلمتين ولا لاما لهما كما قدمنا ؛ أما إذا كانا كذلك فاننا نعتبر الأصلي منهما ما كانت فيه الهمزة ، وهو الذي يجب ان يستقل بمادة في المعجم ثم يلحق به ما كانت فيه العين ؛ مع الاشارة إلي انه متأثر بعنعنة تميم كما في خبأ الشئ مثلا ومما يلحق به خبعة بمعناه ، والخباء ومما يلحق به الخباع بمعناه وهكذا

ننتقل بعد هذا إلى الحروف الثلاثة : السين والصاد والزاي . وتلك تحتاج الألفاظ التي وردت فيها إلي شئ من التفصيل قبل وضع القواعد والأسس ، وبخاصة ان هذه الحروف قد تتبادل في لفظ واحد او يتبادل اثنان منها في كلمة واحدة ، وأول هذه الثلاثة حرف السين ، وقبيلة بلعتبر ) بني المنبر ( من تميم تقله صادا إذا وقع قبل احد الحروف الآتية : ) ١ ( القاف ) ٢ ( الطاء ) ٣ ( الخاء ) ٤ ( الغين ) سواء أوقع احد هذه الأربعة تاليا له أم ثالثا

أم رابعا ، لا يبالي أيا كان ذلك مادام واقعا بعد السين فيقولون مثلا في " سلق " : صلق ، وفي سراط : صراط وفي سخر : صخر ، وفي مسغية : مصغبة ، أما قبيلة كلب ، من قضاعة فإنها تقلب السين الواقعة كذلك أو مطلقا " زايا " فيقولون في سفر : زفر ، وفي سراط : زراط ، وقد

قرئ بها عن أبي عمرو قراءة صحيحة . أما الصاد فإن قبيلة طئ تقلبها دائما زايا ، ومما يحكى أن حاتما الطائي كان اسيرا عند بعض العرب فجاء بعض الأضياف فأمرت صاحبة الخباء حاتما أن يقصد بعيرا لهم - وكان من عادة بعض العرب ان يقصدوا بعيرا ثم يؤخذ ما سال من الدم فيوضع

في الماء ويغلي معه وبعد ذلك يقدم هذا الحساء إلي الضيف يفعلون ذلك إذا لم يكن الضيف جديرا بأن ينحر له ، وقد حرم ذلك عليهم بقول الله تعالى " حرمت عليكم الميتة والدم " - فأقبل حاتم علي البعير ونحره ولم يقصده كما طلبت منه ، فقالت له : لفعلت ذلك ؟ فقال : هكذا فزدي أنه ) ١ ( وإذا فما تقدم نستطيع أن تستخرج قواعد تصلح أساسا في وضع معجم جديد .

١ - كل لفظ جاء بالسين مرة وبالصاد مرة أخري وبالزاي مرة ثالثة فاننا نعتبر ما كانت فيه السين هو الاصلي وهو ما يجب ان يستقل بالمادة الأصلية في المعاجم ، ثم يلحق به في مادته ما كان بالصاد مع الاشارة إلى انه لغة بلعتبر من تميم ، وكذلك يلحق به ما كان بالزاي مع الاشارة إلى انه لغة كلب من قضاعة ، فنقول مثلا : السراط ومما يلحق به الصراط بمعناه على لغة بلعتبر ، والزراط بمعناه على لغة كلب .

٢ - كل لفظ ورد بالصاد مرة وبالزاي مرة أخري فحسب ، فاننا نعتبر ما كانت فيه الصاد هو الأصل وهو ما يجب أن يستقل بالمادة الأصلية ، ثم تلحق به في مادته ما كان بالزاي مع الاشارة إلي أنه لغة طيء ، فنقول مثلا القصد ومما يلحق به الفزد بمعناه على لغة طئ .

٣ - ما ورد بالصاد مرة وبالسين مرة أخري فبناء على

ما تقدم يكون الأصلي منهما ما كان بالسين وأما ما كان بالصاد فلغة بلعتبر

4 - ما ورد بالسين مرة وبالزاي مرة اخري فبناء على ما تقدم يكون الأصلي منهما ما كان بالسين ، أما ما كان بالزاي فلغة كلب .

ثم ننتقل بعد ذلك إلي حرفي الخاء والغين وهما حرفان متقاربان جدا كتقارب الهاء من الحاء ، وفي المعاجم العربية ألفاظ متفقة في الوزن والمعنى وفي الحروف ، ولكنها تختلف في الخاء والغين فحسب ، مثل يخطر ويغطر واختضر واغتضر ، فيجب ان نضع لهما قاعدة بحيث نلحق احدهما بالأخر ؛ وهنا قد نتوقف في أيهما يكون الأصلي وأيهما الذي يلحق به . أما أنا فاني أرجح ان الخاء هي الأصل بأدلة ثلاثة

) ١ ( مخرج الخاء في الحلق أسبق من مخرج الغين ) ٢ ( الخاء فيها من القوة والانتشار اكثر مما في الغين ) ٣ ( وهو الاهم أننا نجد الألفاظ التي اشترك فيها هذان الحرفان إنما المستعمل منها ما كان بالخاء وهو الذي يتداوله الناس غالبا كيخطر واختضره ، وفي هذا دليل على أن ما كان بالخاء هو الأصلي وهو الذي حقه أن يستقل بالمادة في

المعاجم ، ثم يلحق به ما كان فيه الغين على اعتبار أنه متفرع عنه بمعناه ، وهذا خير من ان تدعهما في مادتين مختلفتين فتكثر عدد المواد في المعاجم من غير ضرورة ملحة تدعونا إلي ذلك على أننا يمكننا أيضا أن تزيد على الأدلة الثلاثة السابقة مرجحين اخرين لأصالة ما فيه الخاء على ما فيه الغين اولهم ان الخاء متقدم على الغين في الترتيب الهجائي ، وثانيهما أن الخاء أيضا متقدم في الترتيب الابجدي

ولو انتقلنا بعد ذلك إلى حرفي الباء والميم وجدنا أنه مخرجهما من الشفتين ، وإذا درسنا علم التجويد نجد ان الميم حرف يسرع الانتقال إليه ، فإذا وقعت النون الساكنة أو التنوين قبل الباء يحدث ما يسمي عندهم بالاقلاب ، فيقرأون قول الله تعالى : " من بعد ما جاءهم العلم " بحيث يكون في القراءة كما يصوره الرسم الآتي " مم بعد ما جاءهم

العلم كما أنهم يقلبون الباء الساكنة إذا سبقت الميم إلي الميم ، فيقرأون قول الله تعالى " اركب معنا " بحيث يكون في القراءة كما يصوره الرسم التالي : " اركم معنا " هذا ولو قمنا بدراسة اللهجات العربية لوجدنا ان الباء والميم يتبادلان عند قبيلة مازن ، فهم تارة يجعلون الباء

ميما ، فيقولون في بكر مثلا : مكر ، وتارة أخري بجعلون المم باء كأن يقولوا في " ما اسمك با اسمك " ولما كانت هذه القبيلة ثم تسلك طريقة واحدة في الأبدال بين الحرفين فاننا نريد أن نضع قاعدة نختارها نستطيع ان نسير عليها في تنظيم معجم جديد ، بحيث نقلل من عدد مواد اللغة التي يقولون إنها تجاوز ستين ألفا إلي أن تبلع ثمانين ألفا ؛ فأي الكلمتين تجعلهما أصلا بحيث تلحق بها

الأخرى ما دامت ليست هناك ضرورة قصوي ترغمنا على أن نجمل لكل منهما مادة مستقلة ، وبخاصة أننا قد رأينا في اللغة ألفاظا متفقة في الوزن والمعنى ، وليس من فرق بينها في الحروف إلا في الباء والميم ، مثل رأيته عن كثب ورأيته من كثم أما أنا فاني ارجح أن يكون اللفظ الأصلي منهما وما يستحق أن يقوم بالمادة الأصلية

هو ما كانت فيه الباء اعتمادا على الأدلة الآتية : ) ١ ( حرف الباء أسبق في الترتيب الهجائي . ) ٢ ( وهو أيضا أسبق في الترتيب الأبجدي . ) ٣ ( وهو فوق هذا وذاك أقووي من الميم .

) ٤ ( وإلي جانب ما تقدم نري أن الميم في المثالين السابقين من القرآن الكريم ، عند التجويد هو الذي ينتقل إليه متولدا من الباء أو النون الساكنة والتنوين ، فهو متفرع لا أصلي ، وإذًا فيمكننا استخلاص القاعدة الآتية :

١ - إذا اتفق اللفظان وزنا ومعنى ولم يختلفا في الحروف إلا في الباء والميم فالأصلي منهما ما كانت فيه الباء ، ويلحق به ما كانت فيه الميم ، فنقول مثلا : هو يري

عن كثب ، ومما يلحق به ) عن كثم " بمعناه متأثرا بلغة مازن .

وإذًا فمن الكلام في المقال الأول والكلام في هذا المقال نستطيع أن نعرف مثلا اللفظ الأصلي من هذين اللفظين : ) شدخ وثدغ ( ، فهما بمعنى واحد والاختلاف بينهما في حرفين : بين الشين والثاء وبين الخاء والغين ! فبناء على اللثغ تكون الثاء لئغة مركبة للشين كما في فرشط

وفرئط ؛ وبناء على مخارج الحروف يكون الخاء هو الأصل للغين كما في يخطر ويغطر وإذا فكلمة ثدغ ليست هي الاصل ، وهي من حيث الغين فرعية جائزة الاستعمال ؛ ولكنها من حيث الثاء لثغة ممتنعة الاستعمال كما رأينا عند التكلم على اللثغ

اشترك في نشرتنا البريدية