اعتاد الأطفال الصغار أن يمروا أصيل كل يوم بعد خروجهم من المدرسة بروضة الرجل المارد ، حيث يمرحون ويلعبون بين الزهور والأغصان .
وروضة المارود روضة عظيمة جميلة متسعة الارجاء . يغطي ارضها الزررع الاخضر السندسي ، قد انتثرت خلاله الزهور الناعمة ، تبدو جميلة بيضاء كالنجوم اللامعة . . وتنمو في أنحائها المختلفة اثنتا عشرة شجرة من اشجار الخوخ التي تزهر في الربيع ، فتبدو أزهارها جميلة تجمع إلي احمرار الورد بياض اللؤلؤ . . حتي إذا حل الخريف تحملت تلك الشجرات بالثمار اليانعة
واعتاد الأطفال كذلك أن يوقفوا لعبهم ليطربوا بأصوات الطيور تشدو فوق الغصون بألحانها العذبة حتى إذا تملكتهم نشوة الطرب صاحوا جميعا : " كم نحن سعداء في هذا المكان ! " .
أما المارد فكان في زيارة لأحد أصدقائه منذ سبع سنوات . . ثم هاد ذات يوم إلي قصره الخاص فوجد الاطفال يلعبون ويمرحون في حديقته ، فصاح فيهم صيحة منكرة : " ماذا تفعلون هنا ... ؟؟ "
ارعبت الصيحة الاطفال ، فلاذوا بالفرار واستمر المارد في صياحه : " حديقتي لي وحدي ، وكل امرئ يستطيع فهم هذا . . وسوف لا اصرح لأي من الناس باللعب فيها . . وبعد أيام بنى حول الحديقة حائطا مرتفعا وعلق عليه لوحة كتب فيها :
" من تخطى هذا يحاكم " فلقد كان المارد أنانيا ان المارد انانيا والآن . لم يعد للأطفال مكان يلعبون فيه سوي
الطريق العامة - وهي كثيرة العفر - كثيرة الحجارة والصخور . فسئموها - ولكنهم كانوا يطوفون حول الحائط المرتفع بعد انتهاء دروسهم ، فيستعيدون ذكريات أمهم داخل الحديقة . ويصيحون صيحتهم القديمة : " كم كنا سعداء في تلك الحديقة . . !! "
تي الربيع فبدت الزهور في كل حديقة وشدت الطيور فوق كل غصن . . إلا روضة المارد الأناني ، فلقد بدت وكأنها ما زالت في فصل الشتاء ، طيورها لم تعن بالغناء إذ الحديقة خلو من الأطفال . . وكذلك أبت الاشجار ان تزهر ، وحاولت زهرة مرة أن تطل من بين الأوراق . . ولكنها رأت الإعلان المعلق فحزنت لغيب الأطفال واختفت ثانية كي ترقد في أمن وسلام . .
وهكذا بقيت الروضة مغطاة الجليد والصقيع اللذين صاحا في فرح وسرور . . " لقد نسي الربيع هذه الروضة فلنتخذها إذا مقرا لنا طول العام .." ولهذا بدا الحشيش الأخضر الجميل ، وقد علاء الصقيع الأبيض ، كما بدا الشجر وكأنه رسوم من الفضة المنقوشة ، وحلت للجليد مع الصقيع الاقامة فدعموا ريح الشمال لتشاركهما في تلك الروضة . وسرعان ما لبت الريح الدعوة . وخلا لها الجو ، فعلا زئيرها طول اليوم في جميع انحاء الحديقة . . حتى كسرت مدخنة القلعة . وأحبت الريح بعد ذلك أن تدعو البرد فدعته . واعتاد البرد أن ينهمر في كثرة ثلاث مرات أو اربعا في اليوم على سقف القلعة حتى خر السقف أخيرا.
وفي يوم جلس المارد الأناني في نافذة قصره ينظر إلي حديقته البيضاء الباردة يحدث نفسه : " أنا لا استطيع
أن أفهم لم تأخر الربيع هكذا ؟ . . وإني لأمل أن يتغير الجو قريبا . . "
ولكن الربيع لم يأت - ولم يله الصيف . . وكذلك شاء الخريف أن ينيل كل حديقة ثمارها الذهبية ولكنه بخل بواحدة على روضة الأناني المارد.
وبقيت الروضة لا تعرف إلا فصل الشتاء ، وما سمعت غير زئير الريح الشمالية . . وما عهدت غير ضربات البرد المتساقط المؤلمة - كما أن الأشجار ما عادت تذكر غير رقص الجليد والصقيع على أغصانها وأوراقها .
وفي فجر يوم جميل . سمع الأناني المارد وهو مضطجع في فراشه نغمات موسيقية محبوبة فقارب لها ايما طرب . حتى لقد حسبها موسيقي الملك وقد مرت بقصره ؛ وفي الحق ما كانت هذه النغمات إلا صوت عصفور صغير يغني على نافذته ، فأحس - وقد مضت عليه مدة طويلة لم يسمع فيها طيرا يشدو في روضته - أن صوت ذلك العصفور أعذب نغمات موسيقية في العالم كله ...
وفي لحظه دخل العصفور يرقص فوق رأسه وولت الريح الشمالية بزئير كالرعد ، وشم المارد رائحة الزهور العطرة ثانية خلال النافذة المفتوحة . . فقفز من فراشه وهو يصيح : " يقينا لقد حل الربيع أخيرا . " ونظر من النافذة ، تري ماذا رأي ؟! لقد رأي منظرا جميلا . لقد ثقب الأطفال ثقبا في الحائط . ودخلوا إلي الروضة واعتلوا غصون الاشجار - وفوق كل شجرة كان يرى المارد طفلا صغيرا ، وفرحت الأشجار للرجوع الأطفال إليها فغطت أنفسها بالآزهار والرياحين ، وأخذت تتمايل بأوراقها كي تحمي رؤوس الصغار ، وعلت الطيور في الجو تطير وتشدو في فرح وسرور ، وظهرت الازهار تطل من بين الحشيش الأخضر ضاحكة باسمة.
وبدت الروضة في منظر بديع ، إلا ركنا بعيدا من اركانها - لم يبرحه الشتاء بعد .. ووقف فيه طفل صغير
جدا لم يتمكن من الوصول إلي اغصان الشجرة - فأخذ يطوف حولها وهو يصيح ويبكى ، ولكن الشجرة المسكينة كانت ولا تزال مغطاة بالجليد والصقيع ، والريح تهب فوقها وتعصف بها ، واخيرا انحنت الشجرة بكل ما فيها من قوة وقالت : " تسلقني ايها الصغير تسلقني " ولكن الطفل لم يستطع لصغره.
أسف المارد علي ما كان منه وأخذ يخاطب نفسه . " كم كنت انانيا ؟! الآن عرفت لم أبي الربيع أن يزورني سوف احمل ذلك الطفل المسكين لاضعه فوق قمة الشجرة . وسوف أهدم ذلك الحائط .. وستكون روضتي ملعبا للأطفال .. إلي الأبد إلي الأبد .." وفي بطء وهوادة قصد المارد الحديقة وفتح الباب الأمامي في خفة ؛ ولكن الأطفال ذعروا لرؤيته ولا ذوا بأذيال الفرار . وعاد الشتاء للحديقة ثانية غير أن الطفل الصغير لم يهرب لأن عينيه كانتا مملوءتين بالدوع فلم ير المارد عند مجيئه ..
ومشي المارد الهوينا نحو الطفل فحمله ووضعه على قمة الشجرة . . وفي الحال بدت الشجرة في حلة جميلة من الزهور اليانعه . واتت الطيور فعلتها لتغني . وعانق الطفل ذلك المارد وقبله .
ولما رأي الأطفال أن الأناني لم يعد جبارا كما كان . . كروا راجعين . ورجع الربيع برجوعهم فصاح المارد : " ايها الاطفال هذه حديقتكم منذ الآن . . " واخذ فأسا فهدم بها الحائط . . وما إن عاد الناس من أعمالهم ظهرا حتى رأو المارد يمرح ويلعب مع الاطفال الصغار في الروضة النضرة ..!!
لعب الأطفال كما شاءوا طول يومهم حتى إذا حل المساء جاءوا جميعا ليحيوا المارد تحية المساء . فسألهم : " أين زميلكم الصغير . ؟؟ ذلك الذي حملته إلي قمة الشجرة . . " فلقد أحب المارد ذلك الطفل حبا جما لأنه
أنس إليه وقبله . فقال الأطفال "نحن لا نعرفه .. لقد ذهب ولم نره . ."
- " يجب أن تخبروه بألا يخاف وليأت هنا في الغد .." ولكن الأطفال قالوا إنهم لا يعرفون أين يقيم ، ولم يسبق لهم أن عرفوه من قبل : فحزن المارد لذلك حزنا كثيرا .
ودأب الأطفال أصيل كل يوم ( بعد تركهم المدرسة ) أن يذهبوا إلي الحديقة حيث يمرحون ويلعبون مع المارد... إلا أن الطفل الصغير المحبوب لم يعد ثانية وكان الجبار رحيما بالأطفال جميعا . .
ولكنه كثيرا ما افتقد الطفل الصغير ، وكثيرا ما كان يتحدث عنه إلي إخوانه قائلا : " كم أتمني أن أراه..! " مرت السنون وتلتها الأعوام ، وأصبح المارد هرما خائر القوي . وما عاد يستطيع اللعب مع الصغار ، فكان ينتحي جانبا من الحديقة ويجلس على كرسي كبير ذي يدين ، يراقب الأطفال ويراقب روضته وهو فرح مسرور قرير العين . وكثيرا ما قال في نفسه : " عندي أزهار جميلة ، ولكني أري الأطفال أكثر جمالا من الزهور " . وبينما هو يطل من إحدي النوافذ صبيحة يوم من أيام الشتاء إذا به يطيل النظر إلى الحديقة ، ويطيله في شغف . لقد رأي منظرا يدعو إلي العجب والدهشة - رأي في أبعد ركن من أركان الحديقة شجرة مغطاة بالزهور البيضاء الناصعة وأغصانها صفراء تلمع كالذهب الوهاج ، وثمارها بيضاء كالفضة تطل من بين تلك الأغصان ، وتحت تلك الشجرة وقف الطفل الصغير المحبوب .
جري المارد مسرعا نحو الحديقة بنفس مملوءة بالغبطة والسرور ، واقترب من الطفل قليلا قليلا ، حتى إذا حاذاه صاح غاضبا : " من ذا الذي اجترأ على ان يجرحك ..؟ " - إذ كانت آثار وخزات الشوك على كفي الطفل وقدمية -
وصاح ثانية : "أيها الصغير - من ذا الذي اجترأ على أن يجرحك أخبرني اقتله بسيفي" فأجاب الطفل في هدوء "هذه ليست إلا جراح الحب.." فتملكت المارد روعة ورهبة وانحنى امام الطفل قائلا : " من انت ..؟! " فابتسم الطفل وقال : " فلاألعب قليلا في روضتك . ولتصحبني اليوم إلي روضتي . إلي روضة الفردوس . . "
وعندما أتي الأطفال أصيل ذلك اليوم وجدوا المارد تحت تلك الشجرة جثة هامدة مغطاة كلها بالأزهار البيضاء الجميلة...!!

