في شهر اذار نمشي الأرض بخطى وثيدة نحو الربيع ، وترتتفع الشمس فوق الأفق ، مرسلة أشعتها عمودية على خط الاستواء ، ويتعادل الليل والنهار ، وينضر الزرع ، ويتفتح الورد ، وتبهتج الطير . ذلك ان آذار بشير الربيع ، والربيع هو التجدد والحياة ، والبشر الطافح ، والطبيعة الفتية الضاحكة .
ولكن قضاء عجيبا ، قد أحال بشير الحياة إلي نذر الموت ، وباعث السعادة إلى جانب الشقاء . وابت إرادة الطغاة إلا ان يكون الربيع موسم عدوان وبلاء . لذلك كان من حسن حظ الديمقراطية ، التى اضطرت برغمها على خوض غمار هذه الحرب ، ولم تكن قد اتخذت لها
عدتها ، أن استقبلت الربيع بقوة جديدة ؛ فان أمريكا وهي اكبر من انجبت الديمقراطية ، قد مدت يدها أخيرا ، وبعد لأي ، لنصرة الدين الذي تدين به ، ولتدرا عن نفسها وبلا كان لا بد ان يحل بها إذا هي قصرت أو أحجمت .
في الحادي عشر من شهر مارس الجاري استطاع الرئيس روزفلت ان يمضي قانون الأعارة والتأجير . وبهذ القرار الجليل ، تمهد أمريكا السبيل لأن تبذل مواردها الهائلة للدفاع عن الديمقراطية . فلقد ادركت امريكا بعد انقضاء عام ونصف عام على الحرب ان كيانها في خطر محقق ، وان انتصار الطغيان في الجانب الشرقي من المحيط
الاطلسي بنذرها هي بالويل والثبور ، ولهذا بادرت بالأستعداد لتزويد الديمقراطيات بمساعدات هائلة ، هي في الحقيقة أجل وأعظم مما قدمته في الحرب الماضية : فلقد كانت أمريكا في الحرب العالية الأولى تتقاضى ثمن ما تقدمه اما اليوم فانها تريد ان تبذله على سبيل الاعارة والتأجير ، بحيث لا يحتاج الديمقراطيات لان تدبر لنفسها مالا في امريكا ، وقد نضبت أموال الحلفاء في أمريكا او أوشكت أن تنضب .
ولقد بأدر الرئيس روزفلت فطلب من برلمانه أن يخوله الحق في إنفاق سبعة مليارات من الدولارات ( أي نحو القى مليون من الجنيهات ( لتنفيذ مشيئة الشعب الأمريكي في مساعدة الحلفاء . وهذا القدر من المال لا يقل كثيرا عما تنفقه بريطانيا علي الحرب في عدة أشهر
إن هذه الحرب الحديثة العجيبة لا تعتمد على الرجال وحدهم ، بل عمادها قبل كل شئ العدة الحربية والالات المخربة المدمرة . ويقول النقات إن كل جندي بحارب في الميدان لا بد أن يكون من ورائه أربعة أشخاص يعملون دائبين لتزويده بما يحتاج من سلاح وذخيرة . فمنذ اليوم يعمل الشعب الأمريكي لتزويد الأمم التي تدافع عن كيانها ، وفي طليعتها بريطانيا العظمي ، بما هي في حاجة إليه من سفن ومدافع وطائرات ودبابات وما إلى ذلك
ولقد بادر الرئيس روزفلت ، بعد إمضاء ذلك القانون مباشرة ، إلى المطالبة بتلك المليارات ، لكي يثبت ان امريكا مصممة على أن لا يظل هذا القانون حبرا على ورق ، وان لحظة واحدة لن تضيع في إبراز تلك المساعدة في صورة كاملة رائعة . وقد ارتفع إنتاج الطائرات في أمريكا إلي ألف طائرة في الشهر ، وهو رقم يزيد كثير على ما كان مقدرا من قبل .
في الناس من يظن ان امريكا قد قضت وقتا طويلا
قبل أن تتخذ هذا القرار الحاسم . ولكن علينا أن يذكر ان كثيرا من قادة الرأي في أمريكا قد جنحوا إلي خطة السلم والتفاؤل والاطمئنان ، حتى بات أكثرهم يتوهم ان امريكا بنجوة من اي عذاب يحيق بأوربا . والتي المحيط الواسع العريض كفيل بأن يجعل كل شر يجتاح العالم القديم بعيدا كل البعد عن العالم الجديد . وصاح صائحهم : دعوا اوربا وما بينها من اضغان واحقاد ولدتها المنافسات الاستعمارية ، وقلة الانصاف ، واضطهاد بعضهم لبعض ، ولقد ساعدناهم في حريتهم الأولى ، فكان جزاؤنا ضياع المال والأرواح دون ان يكون لهذه التضحيات اثر يذكر.
وبذلت الدعاية الآلمانية جهودا جبارة من أجل تعضيد هذه الاراء . حتى استمالت إلى جانبها فريقا من قادة الرأي في امريكا ، مثل الطيار لنديرج وزوجه الألمانية الأصل ، وكلاهما كاتب لبق ، وداعية بارع . وفي أمريكا عامة والولايات المتحدة خاصة ، عدد من الالمان يقدرون بالملايين ، هاجروا إليها قديما وحديثا واستوطنوها . واعدت حكومة المانيا إدارة خاصة لتنظيم هذه الجماعات ، وبنت رسلها في جميع انحاء امريكا ، لتقسيم هذه الطوائف إلي فرق منظمة ، مهيأة لكل عمل قد يطلب إليها أن تقوم به .
ورأي النازيون أن في الحصانة التي يتمتع بها رجال السلك السياسي والقنصلي ، وسيلة بديعة لحماية نشاط الدعاة الذين يعملون لمصلحتهم ، فزادوا عدد هؤلاء الرجال زيادة هائلة في الأشهر السابقة للحرب ، وبمد يده الحرب مباشرة . ففي نيويورك ارتفع عدد رجال القنصلية من ٣٨ إلي ١١٦ ، وقد الحق بالقنصلية " قسم سياسي " وهو امر لا يعرف له نظير في أي بلد من بلاد العالم .
وفي فيلادلفيا كانت أعمال القنصلية الألمانية في يد محام امريكي يقوم بها في اوقات الفراغ . أما اليوم فيتولي
امرها قنصل نازي وله اعوان وحاشية . هذا في الوقت الذي نقصت فيه الأعمال التجارية بين ألمانيا وأمريكا إلي درجة تقرب من العدم .
ولعل أغرب هذه القنصليات جميعا ، قنصلية سان فرانسسكو ، فقد ارتفع عدد رجالها من ثانية إلى ثمانية وعشرين . وعلى رأسهم فرتس ويدمان صديق هتلر الشخصي . ولهذا الرجل الرئاسة الادارية على جميع رجال السلك السياسي والقنصلي في أمريكا الوسطى والجنوبية . فميدان نشاطه ينصب على الجانب الغربي من الولايات المتحدة ، وجمهوريات امريكا اللاتينية . وفي شهر ابريل من العام الماضي استطاع شخص يدعي بوش أن يستبد بالحكم فترة من الزمن في جمهورية بوليفيا ، فصفقت الصحف الالمانية وهللت ، ونادت بأن هذه " فاتحة اعمال وبدمان المجيدة في أمريكا " .
ويبدو نشاط وبدمان في القصة الآتية نسردها هنا لدلاتها على عمله الذي اضطلع به :
علم قلم المخابرات الأمريكي أن أحد رسل الألمان ويدعي هربرت هوبني يحاول السفر جوا بحقيبة تشتمل على وثائق خطيرة . فداهمه رجال ذلك القلم وهو يحاول ركوب الطائرة في مطار لوس انجليس . لم يكن ذلك الرسول من رجال السلك السياسي ، ولكن الحقيبة التي معه كانت مختومة بخاتم سياسي لا يجوز فضه فترود رجال البوليس الأمريكي في فتح الحقيبة ، واتصلوا بوزارة الخارجية الامريكية . وهذه لم تستطع ان تبت بسرعة في فض هذا الخاتم المقدس . وفي اثناء هذا التردد حضر رسول من قبل ويدمان مزودا بالوثائق الدبلوماسية اللازمة ، واستولي على الحقيبة ، وركب طائرة أقلته بحقيبته إلى بلاد المكسيك
وفي وسعنا أن نورد أمثلة عديدة لأعمال رجال السلك القنصلي النازي في امريكا ، ولكن حسبنا ما اوردناه دلالة على هذا النشاط الهائل ، الذي لم يتورع عن الانتفاع
بالحصانة السياسية لبث ما يشاء من دعاية هدامة . وكانت هذه الدعاية تعمل أول الامر لعزل امريكا عن الحرب ، ويرجع إلي نشاطها كثير من الفضل في قوة أنصار العزلة وانساع نفوذهم . ولكن هذه الدعاية لم تقف عند هذا المدي فليس بمعقول ان حوادث التخريب التي حدثت في بعض الصانع الخطيرة في الولايات المتحدة بعيدة عن مجرى نشاط هذه الطائفة ) ١ (
بدأت الحرب إذا وأمريكا مخدرة تخديرا عميقا بدعاية السلام والاطمئنان . ولقد درعت نفسها قبل الحرب بزمن بقانون حظر المتاجرة في المواد الحربية مع الدول المشتبكة في قتال ، لكى تبعد عنها أقل احتمال لخوض عمار الحرب . وهذا القيد الذي تقيدت ( أمريكا طالعة مختارة ، كان أول عقبة في سبيل بذل المعاونة اللازمة للحلفاء . وكانت الحكومة الأمريكية أسرع إلى إدراك حقيقة الموقف ، وإلى أن قضية الحلفاء هي قضيتها ، وإلى أن ما يسود أمريكا من سلام واطمئنان يرجع أكثره إلي وقوف الديمقراطيات الغربية في سبيل الطغاة . هذه حقائق كانت حكومة روزفلت أسرع إلي إدراكها من الشعب الأمريكي ، الذي عشق السلم وهام به ، وبات في حالة يأبي معها أن يفتح عينيه للخطر الداهم . هنالك أدركت تلك الحكومة الحكيمة أنها لابد لها أن تسير في طريقها المنشود ببطء ، وأن تفتح عيون شعبها برفق . فكان أول عمل قامت به السعي في رفع الحظر عن إصدار المواد الحربية وطمنت الشعب الأمريكي إلي أنه لن يضحي في هذا بشيء . وأن هذا لن يقدمه من الحرب خطوة ، بل يبعده عنها .
وحين تم لها هذا ، انشأت تجارتها في المواد الحربية وغيرها على قاعدة ان من اراد ان يشتري منها شيئا فعليه
أن يحضر إلي الموانيء الأمريكية ويدفع الثمن ويحمل البضاعة . ثم اعلنت الحكومة أن هنالك بحارا وأقطارا يجوز للسفن الأمريكية أن تدنو منها . وبهذا عطل كثير من السفن الأمريكية ، وأرهقت سفن الحلفاء بنقل البضائع ، واستنفذ الشراء الشطر إلا كبر من الأموال التي يملكها الخلفاء بأمريكا .
وكانت هنالك صعوبة داخلية تواجه الرئيس روزفلت ، قد غلت يده فترة من الزمن عن بذل كل ما يستطيعه من العون لقضية الديمقراطية . ذلك أن موعد الانتخابات لرئاسة الجمهورية العظيمة قد حان . والشعب الأمريكي يعلم ان ليس بين ابنائه من هو اقدر من فرانكلين روزفات على إدارة هذه السفينة الهائلة ، وسط تلك العواصف والصخور التى ليس للعالم بمثلها عهد . ولكن الشعب الأمريكي شديد النفور من أن ينتخب رجلا لرئاسة الجمهورية ثلاث فترات متتالية ؛ وقد أصبح هذا التقليد سنة مقدسة لم تخرج عنها الامة الأمريكية في أي عهد وفي أي وقت . ولكن الحقائق الأليمة ، والمأسي البشرية كانت اقوى من كل تقليد وعرف . فمنح الشعب ثقته لزعيمه القدير ، برغم دعاية الدعاة ، وتالب الصحف الأمريكية ، التي لم يكن بينها من انصار روزفلت سوي عدد قليل
وكانت ألمانيا تعلق أهمية كبري على حالة الارتباك التي تسود السياسة الأمريكية بسبب هذه الانتخابات ؛ فإذا هي تمر بسلام ، وإذا الشعب الامريكي يتحول بالتدريج عن سياسة الاطمئنان الخداع ، إلى سياسة الادراك لحقيقة الخطر الداهم فاذا هو يمنح ثقته التامة لزعيمه وإذا هذا الزعيم نفسه ينهض بنفسه ويعلو بها على الاعتبارات الحزبية ، فيولي وزارة الحربية والبحرية رجالا من حزب غير حزبه وإذا هو ينشد معاونة خصمه في الانتخابات ، فيمد هذا الخصم إليه يده راغبا مسرورا فيبدو الشعب الأمريكي في صورة من التضامن والتازر ، واليقظة التامة ،
والادراك الصحيح للعبء الذي لا بد له أن يضطلع به . وهذه الحالة ترينا انقلابا هائلا في الرأي العام الأمريكي إذا قورنت بما كان يسود هذا الرأي من قلة المبالاة في مفتتح هذه الحرب الطاحنة .
والآن وقد تهيأ الرأي العام الأمريكي ليبذل أقصي مساعدة يستطيعها لنصرة الديمقراطية تتقدم الحكومة إلي برلمانها بمشروع التأجير والاعارة ، فلا يلبث هذا البرلمان أن يوافق على ما تطلبه الحكومة وبمقتضي هذا القانون الجريء تستطيع الحكومة أن تمد الدول التي تدافع عن كيانها بجميع ما تتطلبه الحرب الحديثة من سلاح وعتاد ، دون ان تطالب بثمن عاجل . ولا تكفي أمريكا بأن تسخر مصانعها الضخمة لهذه الأعمال ، بل تضمن وصول هذه الاسلحة والذخائر بأن تحرسها قطع من الأسطول الأمريكي عبر المحيط . ذلك لأن هذه القطع ملك لامريكا وهي إنما تؤجرها او تعبرها . فليس بمعقول أن تترك ممتلكات أمريكا عرضة للعدوان .
ليس من شك في أن كلا الفريقين يتخذ أهبته لمجهود حربي خطير في الربيع المقبل . ومن حسن حظ الديمقراطية وانصارها أن يحسوا ، ونحن في مقتبل الربيع ، ان الولايات المتحدة ، قد خطت هذه الخطوة الواسعة لشد أزر الدول التى تبذل جهدها في دفع ما يهددها من البغى والعدوان .

