الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 39الرجوع إلى "الرسالة"

المصرى الغريب فى مصر !, المصرى الغريب فى مصر

Share

هو مختار رحمه الله. فقد كان فى حياته مرآة صادقة كل الصدق لنفس مصر الخالدة التى لا تحد ولا تحصر. كنت تجد فى هذه المرآة صورا صادقة لنفس مصر القديمة، ولنفس مصر الإسلامية،  ولنفس مصر هذه التى يكونها هذا الجيل، ولآمال مصر ومثلها  العليا بعد أن يتقدم الزمان ويتقدم، وترث أجيال أخرى ارض  الوطن عن هذه الأجيال التى تضطرب فيها الآن

كان مختار هذه المرآة الصافية المجلوة التى تنعكس فيها حياة  مصر على اختلاف أزمنتها وما يحيط بها من الظروف، فكان من  هذه الناحية اشد أبناء مصر اتصالا بها وقربا منها وتمثيلا لها.  ولكنه على ذلك كان غريبا فى مصر أثناء هذه الأسابيع التى ختمت  مساء الثلاثاء حين ختمت حياة مختار. اقبل من أوربا فلم تكد  الصحف تتحدث عن إقباله، ولم يكد يخف للقائه من أصدقائه  إلا نفر قليلون. وأقام فى مصر مريضا مكدودا يلح عليه الألم والسقم  فلا يكاد يذكره من المصريين الذين كانوا يعجبون به ويحشدون له  ويهتفون باسمه ويعتزون بمجده ويرفعون رؤوسهم بآثاره إلا نفر  يحصون، ولعلك إن أحصيتهم لم تبلغ بهم العشرين، أخشى ألا تبلغ  بهم اقل من هذا العدد اليسير , ثم اشتد عليه المرض والجأه إلى  المستشفى فلم تكد الصحف تتحدث عن ذلك إلا حديثا يسيرا  جدا. وخف أصدقاء مختار إلى المستشفى يسألون عن صديقهم

ويريدون لقاءه فحال المرض بينهم وبين اللقاء. وأعلن إليهم أن  الحجاب قد ألقى بينهم وبين هذا الصديق وان كانت الحياة ما تزال  تتردد فى جسمه النحيل. ثم اصبح الناس يوم الأربعاء وإذا نعى  مختار يملأ القاهرة ويقع من نفوس أهلها موقع الألم اللاذع  والحزن الممض. ثم أمسى الناس يوم الأربعاء، وإذا جماعة  من خاصة المصريين وقليل من الأجانب عند محطة القاهرة  يستقبلون جثمان مختار، ثم يسعون معه إلى المسجد. ثم يفترقون  ويمضى مختار إلى مستقره الأخير، ومن حوله قل فى إحصائهم  ما شئت فلن تستطع ان تبلغ بهم نصف المئة. ثم يصل مختار إلى  قبره، ثم يهبط مختار إلى هذا القبر، وهؤلاء الأصدقاء قائمون قد  ملكهم وجوم عميق لا يقطعه إلا هذا الصوت الرفيق المزعج،  صوت المساحى والمعاول وهى تسوى القبر عليه، وتقطع ما بقى بينه وبين الحياة من اسباب، والا هذا النداء الذى يتردد بين حين وحين  عنيفا يتكلف الرفق، طالبا الماء الذى يحتاج إليه فى تسوية هذا  القبر، وإقامة هذا السد بين صاحبه وبين الحياة، وإلا هذا اللغط  الذى يؤذى الأسماع، وكان من حقه أن يكون موسيقى عذبة رقيقة  تأسر القلوب الجريحة وتهدئ النفوس الثائرة، وترد الجازعين  اليائسين إلى ما ينبغى لهم من الإذعان لقضاء الله والرضى بحكم الله. وهو  لغط هؤلاء القراء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وقد كره الله أن  يلوى الناس ألسنتهم بالكتاب، لانه كتاب مبين مستقيم لاعوج فيه  ولا التواء. وانما فيه هداية للعقول وشفاء لما فى الصدور. ثم  ينقطع كل صوت، ويتفرق هؤلاء الأصدقاء يحملون فى قلوبهم  ما يحملون من حب ووجد، ومن أسى ولوعة، يحملون هذا كله  لينغمسوا به فى هذه الحياة التى تنتظرهم على خطوات قليلة قصيرة  من مستقر الموتى.

وكذلك انتهت قصة مختار مع انتهاء النهار يوم الأربعاء، وكذلك  أسدل ستار الموت على حياة مختار فى الوقت الذى أسدل فيه ظلام  الليل على حياة الأحياء. وما اكثر ما تنتهى قصص الناس فى كل  يوم، بل فى كل ساعة، بل فى كل لحظة. وما اكثر ما يسدل ستار  الموت حين تشرق الشمس أو حين تغيب، فلا نحس ذلك ولا نلتفت إليه،  لان الذين تختطفهم المنية أو تحصدهم فى جميع الأوقات قوم مجهولون  لم تميزهم الظروف أو لم تميزهم أنفسهم، فهم يمضون دون أن يحسهم  أحد كما يقبلون دون أن يحسهم أحد. ولكن مختار كان غريبا حقا  فى آخر حياته، وكان غريبا حقا فى أول موته، وأى عجب فى هذا؟ لقد آثر  حياة الغربة منذ أعوام، فكان لا يزور وطنه إلا لماما، ولقد تعود الجفوة

من مواطنيه. واكبر الظن أن ذلك كان يؤذيه، ولكنه كان اكرم على  نفسه من أن يشكو أو يظهر الألم. ولقد سمعنا انه احتمل المرض  شجاعا، واستقبل المرض شجاعا، لم يدركه جزع ولا فرق. ولو انه  رأى بعد ان مات كيف ودعه مواطنوه لما اثر فيه ذلك اكثر مما  أثرت فيه جفوة مواطنيه قبل أن يموت. ولعله كان يألم لذلك فى  قرارة قلبه الممتاز، ثم لا يظهر من ألمه شيئا كما كان يفعل  أثناء الحياة، إنما نحن الذين ينبغى لهم أن يألموا اشد الألم،  وان يحزنوا اشد الحزن، وأن يستشعروا شيئا غير قليل  من اللوعة والحسرة وخيبة الأمل حين ترى هذا العقوق، وحين نقدر  أثره فى نفس صديقنا الراحل العزيز. فقد كنا ومازلنا نتحدث بان   مختارا هو الذى رد إلى مصر بعض حظها من المجد الفنى، وكنا وما  زلنا نتحدث بأن مختارا قد مكن مصر من أن تعرب عن نفسها وعما  تجد من الألم والأمل بلسان جديد لم تكن تستطيع أن تصطنعه  من قبل، وهو لسان الفن. وكنا ومازلنا نتحدث بأن مختارا قد  انطق مصر بهذه اللغة التى يفهمها الناس جميعا وهى لغة الجمال، لغة  الفن، بعد أن كانت لا تنطق إلا بهذه اللغة التى لا يفهما إلا جيل  بعينه من الناس، وهى لغة الكلام. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختارا  قد جدد فى مصر سنة كانت قد رست ومضت عليها قرون وقرون.  وهى سنة الفن، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختار قد لفت الأوربيين  إلى مصر، أقام لهم الدليل على أن مطالبتها بالاستقلال لم تكن عبثا  ولا لغوا، وإنما كانت نتيجة لحياة جديدة، ونشاط جديد، وقد لفت  مختار الأوروبيين إلى ذلك فى اشد الأوقات ملاءمة، فى وقت الثورة  السياسية. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختارا على حداثة عهده بالفن  كان اسبق المصريين إلى إعجاب أوربا، ألم يعرض آثاره فى باريس؟  ألم تتحدث صحف الفن عن مختار قبل أن تتحدث صحف الأدب  عن كتابنا وشعرائنا؟ ألم تستقر أثمار مختار فى متاحف باريس  قبل أن تستقر آثار كتابنا وشعرائنا فى مكاتبها؟ كنا نتحدث بهذا  كله، وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختارا قد ردإلى المصريين شيئا  غير قليل من الثقة بأنفسهم، والأمل فى مستقبلهم والاطمئنان إلى  قدرتهم على الحياة الممتازة الراقية. كنا وما زلنا نتحدث بهذا  وبأكثر من هذا، ومع ذلك فقد قضى مختار آخر حياته شريدا  أو كالشريد. وقد قضى مختار آخر أيامه فى مصر منسيا أو كالمنسى  وقد عبرت جنازة مختار مدينة القاهرة يطيف بها جماعة من الخاصة  ليس غير!! نستغفر الله بل مرت جنازة مختار أمام التمثال الذى  صنعه بيديه كما تمر أمام أى شى لم يظهر على التمثال ما يدل على الحزن

أو ما يدل على الاكتئاب، أو ما يدل على الشكر أو عرفان الجميل.  وعبرت جنازة مختار مدينة القاهرة تجهلها الحكومة المصرية أو  تكاد تجهلها، لم يمش فى جنازة مختار ولم يقم على قبر مختار وزير  العلوم والفنون. ولم يلق أحد على قبر مختار كلمة الوداع، وإنما  كان الصمت يشيعه، وكان الصمت يواريه التراب. وكان الصمت  يودعه حينما تفرق من حوله الأصدقاء. ولو قد مات مختار  فى بلد غير مصر لكان موته شأن آخر. ولو قد كان مختار فرنسيا  أو انجليزيا أو إيطاليا وأدى لبلده مثل ما أدى لمصر لقامت الدولة  له بشىء آخر غير الإهمال والإعراض. إذن لكانت جنازته  رسمية تنفق عليها الدولة، ويمشى فيها رجال الدولة، ويخطب فيها  كبار الدولة، ولكن مختارا نشأ فى مصر، وعمل فى مصر، ومات فى  مصر فحسبه ما أتيح له يوم الأربعاء من توديع الذين كانوا من  أصدقائه وأحبائه ليس غير.

ولا ننس ان رئيس الوزراء قد تفضل فندب من مثله فى جنازة  مختار. وهذا، وبالسخرية الأقدار، كثير جدا ينبغى أن يشكر لرئيس  الوزراء. فقد ينبغى أن لا ننسى أن مختارا لم يكن من أنصار السياسة  الرسمية، ولا من الذين يستمتعون بعطفها وحبها ورضاها، فكثير  أن يتفضل رئيس الوزراء فيندب من يمثله فى جنازة هذا المعارض  وان كان صاحب فن، وأن كان قد انفق حياته كلها لمصر لا لحزب  من الأحزاب ولا لجماعة من الجماعات. لا اكذب المصريين أن  لنا فى مثل هذه الأحداث والخطوب مواقف لا تشرفنا ولا تلائم  ما نحب لأنفسنا من الكرامة، ولا تشجع العاملين على أن يعملوا.  ومن الذى نسى موت الشاعرين العظيمين حافظ وشوقى وموقف  السياسة منهما. ذهب المعارضون بحافظ، واستأثر المؤيدون بشوقى،  ثم ذهب المعارضون بمختار منذ أيام، وضحى بالأدب والفن فى سبيل  الأهواء والشهوات، وظهر المصريون فى مظهر العقوق الذى لا يليق  بالشعب الكريم. لا اكذب المصريين انهم فى حاجة إلى أن يرفعوا  أنفسهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم عن هذه المنزلة المهينة، انهم فى حاجة  إلى أن يرفعوا الأدب والعلم والفن عن أعراض الحياة، واغراض  الخصومة السياسية، لان فى الحياة أشياء أرقى واطهر واكرم من  السياسة وخصوماتها، والأدب والعلم والفن أول هذه الأشياء.

(البقية على صفحة ٥٥٨)

بقية المنشور على صفحة ٥٢٣

لقد هم أصحاب حافظ أن يخلد واذكر حافظ فلم يوفقوا. وهذا حافظ  يخلد ذكر نفسه - ولقد هم المستاثرون بشوقي من رجال السياسة  الرسمية أن يخلدوا ذكر شوقى فلم يفلحوا. وهذا شوقى يخلد ذكر  نفسه. فهل بين المصريين من يهمون بحماية آثار مختار من الضياع  وبتخليد ذكر مختار، وهل هم إن فعلوا موفقون إلى ما يريدون؟  أم هل تدخل السياسة فى أمر مختار فتفسده كما أفسدت أمر حافظ  وشوقي؟ سؤال مؤلم، ما كان ينبغى أن يلقى، ولكن انظر جوابه لن  يكون طويلا، ولعله لا يضيف ألما إلى ألم، وحزنا إلى حزن.

اشترك في نشرتنا البريدية