فى خطاب أرسله أحد الأجانب المقيمين فى باريس بعد الاحتلال إلى صديق له ، ونشرته إحدى الصحف الأمريكية ، يصف به يوما من أيام باريس بعد أن احتلها الألمان . يقول الكاتب : " من الاسراف ان أفرد لك أن الحياة فى باريس قد أضحت لا تحتمل ، ذلك أن الحياة تحتمل فعلا ، ولدى الألمان من الوسائل ما يجبر المرء على احتمالها ، تصور مثلا الاحتجاج على بطاقات توزيع الأغذية ، كان لى احتجاج فى هذا الموضوع ، فقدمته كتابة ، ولم تمانع السلطات فى الاحتجاج ، وأفهمنى المختصون بأنهم سيفحصون احتجاجى ويحققون شكايتى ، وتسلموا بطاقنى الشخصية وأوراقى لإتمام فخص شكواى ، وما حدث بعد ذلك أننى ظللت أربعة أيام بدون طعام ، لأنى لا أملك بطاقة ، وتستطيع أن تتصور مقدار غيظى حينما دعيت ليبلغ إلى قرار السلطات بأن شكواى غير
جدية , فقد تسلمت بطاقتى واستطعت فى اليوم الثانى أن أحصل على الطعام .
" وأرجو ألا يتبادر إلى ذهنك أن الحياة غير عادية ، إن كل شئ يجرى فى مجراه المعتاد ، من حيث سير المواصلات والملاهى وغير ذلك ، غير أنه ينقص كل شئ عنصر واحد ، هو روح الاطمئنان ؛ فالحركة التجارية فى المحلات تسير فى بطء وقلق ، وقد يفلس المتجر بسبب بسيط هو كثرة أوامر الصرف الممنوحة من السلطات ، والتى لا يستطيع أن يستبدلها بضائع . والملاهى خاصة بغير الفرنسيين ، والفرنسيون الذين يذهبون إليها يبدو عليهم شئ فظيع لا أجرؤ أن أسميه كآبة " .
وقد أفاض مرسل الخطاب بعد ذلك فى وصف الحياة فى باريس ، وعلقت الصحيفة الأمريكية على هذه الرسالة قائلة : إنه من المكن تصور مآل فرنسا المحتلة إذا قدرنا أن هذه الرسالة قد استغرقت شهرين ونصف شهر للوصول إلى الجريدة ، أى أنها قد كتبت منذ ستة أشهر .

