" عندما نسمو من مظاهر الجمال الدنيا إلى الجمال الكامل نلمح ضياءه ، نحس أننا قد دنونا من الحب . وفى الحق ما الحب إلا شوط نبدأه مما فوق هذه الأرض من جمال ، والبصر منعقد بالجمال المطلق ما يزال يرتفع إليه درجة فدرجة على طول السلم : من جمال الأجسام إلى جمال المشاعر ، ومن جمال المشاعر إلى جمال الأفكار ، حتى نصل إلى المعرفة المطلقة التى هى إدراك الجمال المطلق . إدراك ذلك المثال الخالد الذى تمنح مشاهدته الحياة قيمتها " .
بذا يتحدث سقراط فى مائدة أفلاطون عن مراحل الحب الذى هو سعى وراء الكمال ، وإليه وصل " دانت " Dante يقوده جمال " بيتريس " ولكن ترى أحقيقة ما يقول سقراط ، أم هو أفلاطون ذلك الحالم الأبدى يرنح بؤس الحياة فى أنسجة جميلة من الخيال ؟ ثم ما بال دانت ، وقد رأى فى النفس البشرية " طفلة تجمع فيها النزوات بين البكاء والابتسام " يثبت على حب تلك الفتاة الرائعة ، فإذا هى تستحيل رمزا للايمان ، وإذا هى تلوح له فى الجنة ، وقد انتشر من حولها ما تشع من ضياء هى منه كالطائر من العش ؟ .
يا عجبا ! فتاة صغيرة ترسل ابتسامتها إلى هذا القلب النبيل ، فترتد الابتسامة شعرا كم هز من نفوس وأتى البلى على الابتسامة وخلد الشعر ! أكذب إذا أننا " أمواج إن تسترح تمت " ؟ وقد سكن دانت إلى قلب بيتريس يغمره ضياؤه ، فاذا به قبس من شعاعها ؛ ولكن
آه ! لقد دفع دانت ثمن هذا السكون الذى لم يركن إليه إلا منهكا ، وقد ألقته أمواج الحياة إلى شاطئ النفى ، ولكم استشعر من ألم " فى أن يرقى سلما إلى الغير ، ولكم وجد من مرارة فيما قدم إليه من خبز " ، ولكم التمس عن محنته عزاء فى ابتسامة بياتريس تطالعه من غفوة الأحلام فيصوغ ابتسامتها جمالا فيه أعز نشوة ، نشوة الخلق .
ولدت بيتريس مع دانت سنة ١٢٦٥ بمدينة فلورانس مهد كل فن جميل ، إذ أكبر الظن أن أحد أبناء الشاعر قد كشف القناع عن حقيقتها التاريخية ، عندما أخبرنا أنها بنت فولكو بورتنارى Folco Portinari أحد أغنياء المدينة إذ ذاك ، ورآها الشاعر لأول مرة فى حياته وهما فى التاسعة من عمرهما ، ومنذ ذلك اليوم لما تفارق نفسه ، وعنها تحدث أجمل الحديث فى مجموعة من الشعر والنثر Vita Nova " عهد الشباب " حيث التمس لما قال من شعر مناسبات يقدم لها نثرا ، فإذا نحن أمام قصة اختلط فيها الأدب بالحياة كما اختلطا بنفس دانت ، التى اهتزت لكل شعور ، واتسعت لكل معرفة . قال : " رأيتها فى ثوب أحمر جليلة متواضعة ، وقد علق حزامها الثوب فيما ينم عن طفولة خالصة ، فاهتزت فى قباب قلبى الخفية روح الحياة ، وسرت تلك الهزة العنيفة بأوعية دمى ما دق منها وما جل ، وصاحت بى روح الحياة : ها هو إله أقوى منك سلطانا ، ها هو قادم ، وإنه لخصمك . ومنذ ذلك الحين مازج الحب نفسى التى أضحت أسيرة له ، وزاد من سلطانه ما منحه خيالى من قوة ، حتى لم أستطع إلا أن أذعن له فى كل أمر ، ولكم أمرنى أن ألتمس هذا الملك - ملك الشباب - ولكم عدوت فى الطرقات وأنا بعد غض الاهاب خلف تلك الحسناء ، ولكم رأيتها قادمة وفيها من الجلال والنبل ما يحق معه أن نقول فيها ما قال
هوميروس : " فى الحق أنها لا تلوح بنت بشر ، بل بنت إله " .
ولكن من يدرينا " وحسن فى عين كل من نود " أن بيتريس كانت على ما وصف دانت ؟ ولم لا ننصت إلى بوكاشيو عندما يقول عنها : " كانت جميلة حتى لتسبى النفوس - جميلة بطفولتها ، وبما امتزج فيها من جلال ودعة ، تحس فى حديثها وفى طبائعها من الوقار والتواضع ما لا يتفق عادة للأطفال ، وفى ملامح وجهها رقة وانسجام . ولقد اجتمع لها من الجمال والسحر ما حمل الكثيرين على الاعتقاد بأنها ملك لا بشر " .
وبالرغم مما كان بين أسرة بيتريس وأسرة دانت اليجيرى Alighieri من صداقة قديمة يزعم الشاعر أنه لم ير فتاته إلا بعد تسع سنوات أخرى ، حتى لكأن هذا الرقم ميزان حياتها . ولقد كان لكل حياة فى ذلك العهد ميزان ، والرقم تسع أسه ثلاث رمز الثالوث المقدس مما ينبئ بما ستصير إليه تلك الفتاة - رآها هذه المرة فى ثوب أبيض ، وهى مارة بإحدى الطرق ، وإلى مكانه اتجهت ببصرها وعلى شفتيها ابتسامة ، وتلقى الشاعر ابتسامتها بقلب خاشع ، وكأن الابتسامة فيض من رضا الله .
وعاد دانت إلى منزله حيث خلا بنفسه كما يخلو عادة مثله ممن حرمتهم الأقدار عطف أمهاتهم منذ الصغر . وهل استطاع أحد يوما ما أن يجد فى زوجة الأب ما يفقد بفقد أمه ؟ وطاردت دانت ابتسامة الفتاة يراها فى أحلام يقظته ، كما تمشى بصره فى ظلام الليل ، حتى نحل جسمه ، وشحب لونه ، وأخذ الناس يسألونه ما به ، وللحب أمارات لا تكذب ، وسألوه : لمن يحمل هذا الحب الذى أضناه ؟ فلم يحر جوابا ، إلا أن تكون نظرة حائرة يصمدها فيهم ، ثم يولى هاربا ، وعلى شفتيه ابتسامة تترقرق .
وجرت الألسنة بما كان من أمر حبه ، وود الشاعر
لو خدع من حوله عن حقيقة ما يشعر ، فتراه طورا " كالعدم يتظاهر بالمرح كى يوارى عن الناس ما به من ألم " وطورا يصطنع ما اصطنع الشعراء من قبله فى مشارق الأرض ومغاربها من تقاليد الغزل ، فيتغنى بغير من يحب دفعا للريبة ، ولم لا ؟ ألم تقل نعم يوما لعمر بن أبى ربيعة :
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا
لكى يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
وكان على دانت أن يسلك هذا السبيل . والتاريخ يحدثنا أن يبتريس كانت متزوجة بالفعل من سيمون دى باردى Simon dei Bardi سنة ١٢٨٥ ، وكان دانت على الراجح قد خطب زوجته جمادوناتى Gema Donati ونحن عندئذ فى القرون الوسطى ، وبالرغم من ذلك لم يستطع دانت أن يصرف قلبه عن تلك الفتاة .
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبا خاليا فتمكنا
ولكن ترى لم لم يتزوج دانت من بيتريس ؟ ذلك ما لا يعلمه إلا الله . ولكنا نعلم أن دانت لم يقف عند حبه لبيتريس ، ولقد كان هذا الحب منذ نشأته شبه تقديس ، وكانت له مغامرات غلى بها دمه ، فأطلقت لسانه بغير صيحة وبخاصة فى غرامه المبرح بإمرأة يسميها Pietra أى " الصخرة " . ومن عجب أن نستمع إليه يوما يشكو من أن تلك المرأة " الصخرة " قد استقرت برأسه " كما تستقر الأزهار بأعلى سيقانها " ، ولكم ألم لهذا الحب العنيف حتى آثاره أن يكون " موضع رحمة " . ومن يدرينا ؟ لعله لم يصب التوفيق فى حبه لبيتريس ، فالتمس عنه بديلا ، فكان كما يجرى المثل (كالمستجير من الرمضاء بالنار) ، وإلى هذا تشير بعض أشعاره . ألم يقل يوما : " ما تزال صورة تلك الفتاة متربعة بقمة أفكارى حيث قادها الحب ، وما يحزنها ما أنا فيه من ألم ، وإنها لمغتبطة ضاحكة . نرفع
إلى بصرها يدعو روحى إلى الرحيل قائلا : إليك عنى ! إليك عنى : بذا ينطق موضع رغباتى فيحز الألم فى نفسى . وإن تكن وطأته قد أخذت تخف ، إذ أن إحساسى قد أنهك وأوشك أن يصل إلى نهاية قدرته على الألم . عندما لاحت لى تلك الفتاة كنت فض الطفولة - بذا تحدثنى ذاكرتى التى أخذت تمحى صفحاتها . ومنذ ذلك اليوم ما أزال أقاسى آلام الشهداء ، حتى لكأن صوتها الذى انطلق إلى فؤادى قد أمسك قواى عن النمو ".
وعلى من يصدق هذا القول إن لم يكن على بياتريس ؟ ترى إذا أشقى دانت بحبه ، لبياتريس حتى إذ ماتت سنة ١٢٩٠ طهر الموت حبه فاستحالت الفتاة ذلك الملاك الذى هدى الشاعر سبيل الكمال ؟
ذلك ما لا نستطيع أن نجزم به ، وإن كان فى شعر دانت ما يرجحه ، ولكنا نعلم عن يقين أن دانت قد تخبط فى شهوات الحب، كما تخبط فى شهوات السياسة حتى شقيت حياته ؛ وإلى هذا يشير فى أول " جحيمه " عندما يقول : " كنت فى منتصف الحياة وإذا بى وسط غابة مظلمة ، وقد ضللت الطريق . آه . ما أشقه على النفس أن تقول ماذا كانت تلك الغابة التى يجدد ذكرها آلامى ، وما أستطيع أن أقول كيف دلفت إليها ، ولقد كنت عندئذ فى نوم عميق فحدث عن سواء السبيل " .
ولقد أنبته بياتريس لضلاله هذا أعنف تأنيب عندما لاحت له ، على حافة الأعراف قبل أن تقوده إلى الجنة
وفى الحق أن نفس دانت كانت نفسا عنيفة صاخبة ، وفى الحق أنه قد انغمس فى الحياة ، بل لقد بلغ من عنفه يوما أن صاح فى شعره وهو يشكو قسوة امرأة : "آه ! ليتنى أستطيع أن أمسك بتلك الضفائر الشقر التى صافها الحب حلقات ذهبية ألقى بها حتفى . إذا لعرفت كيف انتقم لنفسى ولأمسكت بتلك السياط التى طالما ألهبتنى ، ولبقيت
بين يدى من انبثاق الفجر إلى أن تدق نواقيس المساء ؛ ولن استشعر عندئذ برحمة ، بل سأكون كدب يلعب . وما دام الحب لا يمسك عن أن يسوطنى بها فمالى لا أنتقم منها مرة وألف مرة ؟ وأما أعينها التى ترسل إلى قلبى هذه النار التى تحرقه ، فسوف أحدق فيها عندئذ عن قرب وأطيل التحديق جزاء لها على الفرار مني ، ولن أزال بها حتى يجتمع فيها الحب والاستسلام " .
ولكنه رغم كل مغامرته التى مزقت نفسه لم ينس يوما " بيتريس " بل ظل وفيا لحبها ، وإن يكن أكبر الظن أن سنة ١٢٨٥ - سنة زواج بيتريس - كانت بدأ لمغامراته ، إذ أن ذلك مما يتمشى وطبائع البشر . ألست ترى أن ألما قويا أو حزنا ملازما خليقان بأن يحطها فى النفس كل قيادة ؟ ونحن نعلم أن دانت لم يتزوج إلا بعد وفاة بيتريس .
نعم ظل دانت معلقا بابتسامة فتاته يستلهمها الشعر وكأنها ما تزال عذراء ، ولم لا ؟ ألم يتغزل يوما قيس بن الرقيات بأم البنين ، رغم ما كان لتلك السيدة الجليلة من وقار ؟ ثم ألم يتغزل الماجن عمر بن أبى ربيعة بسكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وليانة بنت عبد الله بن عباس ، بل وبأخت الخليفة عبد الملك بن مروان وببنته ؟ وما دام الغزل عفيفا فما الذى يمنع دانت عن أن يتسقط الشعر من شفاه بيتريس ؟ وإن لم يكن الأمر على تلك البساطة ، فلقد يضطر شاعرنا - عملا بما يشبه وصية نعم إلى عمر - إلى أن يتغزل بغيرها تقية ، وتخشى الفتاة منه الروق عن حبها فتغضب ، وتأبى أن تعود إلى تحيته إن لقيته بسبيل أو " يقول فى شعر جميل ، إن تغزله بغيرها لم يكن إلا صرفا لألسنة السوء وردا لأعين الرقباء " .
وتلك ولا ريب تقاليد أدبية كم أفسدت على الشعر غايته ، وما كان لنفس قوية كنفس دانت أن تقف
عندها . وإنه ليذهب يوما إلى حفل يلقى به بياتريس على غير توقع ، فيلقى قناع الأدب المصطنع :
" لم أكد أدخل حتى أحسست بهزة عنيفة بجانب صدرى الأيسر ، وسرت الهزة إلى كل جسمى ، فاستندت إلى الجدار ، وخشيت أن يفطن أحد إلى ما عرانى ، فرفعت بصرى إلى السيدات المجتمعات ، وإذا بالبصر يستقر بياتريس ، فتخاذلت قواى حتى لكأنى فقدت الحياة إلا من عينى "
ولم يغب عن أحد ما أصابه ، وتغامز به الحضور ، فولى هاربا إلى منزله يغلق بابه ، ثم يسلم عينيه للدموع ، وانجلت أزمة نفسه عن سلسلة من القصائد الصغيرة ( Sonnets )كم تغنى بمقطوعاتها شاعر للبلاء :
" ما أكاد أراك أيتها اللؤلؤة الجميلة حتى تخمد فى نفسى كل قدرة على الكفاح ، وما دنوت منك إلا صاح بى الحب : إلى الفرار ، إلى الفرار ، إن كنت تخشى الموت . ويتم وجهي عن لون نفسى ، وقد تخاذلت قواى ، فالتمست لها سندا . . . على أن سخريتك قد قتلت فى نفسى ذلك الضعف الذى ينشر فوق عينى تلك السحابة الحزينة حزن الموت " .
ويلقى دانت سيدات المدينة وقد عرفن سر نفسه ، فيقلن له وعلى شفاههن ابتسامة ساخرة قولا أشبه ما يكون بما قالته نساء العرب يوما لجهل :
ويقلن إنك قد رضيت بباطل
منها فهل لك فى اجتناب الباطل
فيجيب دانت إنه كان يريد أن يقف حياته على سعادتها فأبت ، وإذا فلينصرف إلى الإشادة بها ما ترددت أنفاسه :
" الآن وقد اتجهت رغبة السماء إلى فتاتى ، بودى أن أحدثكن عن بعض ما لها من فضل . على كل سيدة تريد أن يكسوها الجلال أن تذهب معها ، ما تكاد تخطو حتى يجمد
الحب القلوب الفاسدة فتموت فيها كل رغبة سيئة ، وما يرتفع إليها بصر حتى يغنى أو يرتد نبيلا ، وأما أولئك الذين هم من السمو بحيث يستطيعون أن يرفعوا إليها بصرا فأولئك هم الذين ينفذون إلى ما فى نفسها من جمال ؛ وما إن تبتسم لهم حتى ينتشر الرضا فى نفوسهم ، ويعمر الخير قلوبهم ، فينسوا ألم ما أصابهم من جراح ، وإن لتلك الفتاة لنعمة خصها بها الله ، نعمة تمنع من يتجه إليه حديثها عن أن يضل سواء السبيل " .
وهكذا استحالت بياتريس فى نفس دانت رمزا للكمال وسبيلا إليه ، حتى لكأنها فكرة أكثر منها إنسانا حيا . ومن لا يحس أننا نرقى الآن سلم افلاطون ، ولم يعد فى الفتاة جسم يرغب ، بل جمال روع يستجلى ، وما تعلق بها بصر إلا ارتفعت به إلى عالم المثل حيث يختلط الجمال والخير والمعرفة ، وأى غرابة فى ذلك وقد بصر Brunetto Latini برينتو لاتينى - ذلك الأستاذ الجليل الذى لم ينس له دانتى فضله ، فتحدث عنه فى الكوميديا بقلب كله خشوع - تلميذه بأسرار فلسفة أفلاطون . ثم ألسنا الآن بأزاء تقاليد الفروسية كما عرفتها القرون الوسطى ، عندما كان الفارس الحق هو من يتخذ له سيدة يحبها فى خفاء حبا أشبه ما يكون بالعبادة ، حبا يستلهمه البطولة كما يتلقى عنه وحى الشعر ؟ وسيان بعد ذلك أرغبت السيدة فى حبه أم لم ترغب ؛ بل سيان أكانت حقيقة أم من خلق الخيال ، بل أى سيدة تستطيع أن تسقط شهوات النفوس نظراتها لتحل محلها نور الإيمان يهدى إلى الكمال ، إن لم تكن العذراء التى اختلطت عبادتها فى نفس دانت بحب بياتريس . وهكذا اجتمعت فى فتاتنا كل تيارات الروح التى شاعت فى القرون الوسطى ، فتركزت فى نفس دانت التى تمثل ذلك العهد فى أعمق مظاهره حتى لكأنها نقطة الانقلاب بين عالمين .
ومع ذلك ليمت أبو بياتريس ، وها دانتى يحزن لحزنها ،
ويود أن لو اتجه إليها بقلبه يشاطرها آلامها ؛ ولكن كيف السبيل ، ولم تدع ألسنة الناس إليها سبيلا ؟ ليس له إلا أن يستفسر عائداتها عما صارت إليه ، وقد أضنتها الأحزان ، وحزن دانت لحزنها حتى مرض ! وفيما هو يهذى يوما رأى فيما يشبه أحلام اليقظة أن بياتريس قد لحقت بأبيها
" ولم تكد تلك السيدة تنتقل عن عالمنا حتى لاحت لى المدنية وكأنها قد تيتمت بموتها ، وكأنى يومئذ أصيح بأمراء الأرض كما صاح جيريمى بالكتاب المقدس . كيف للمدنية أن تحيا بدونها ".
وماتت بالفعل بياتريس ، وهى فى ريعان الشباب سنة ١٢٩٠ فى الخامسة والعشرين من عمرها ، " ماتت لأن الجنة كانت بحاجة إليها لتضمها إلى ما تحوى من حور " ماتت ، ولكنها بقيت حية بقلب دانتى ، بل لربما ازدادت بموتها حياة ، وقد حطم الموت ما كان يقل من حماسته لها أو يقص من أجنحة خياله ، وأخذ دانت يتعهد ذكراها ، ولكم جنبته تلك الذكرى من عثرات . ألم يمر يوما بأحد المنازل ساهم الفكر حزين النفس ، وإذا بامرأة جميلة تشبه بيتريس تنظر إليه من نافذتها ، وفى نظرتها حنو ضعفت له نفسه حتى أوشك أن يغرى فى حبها لولا أن لاح له شبح بياتريس . .
" كان الوقت أصيلا . . ولاحت لى بياتريس الخالدة فى ثوبها الأحمر الذى رأيتها فيه قديما طفلة عندما وقع عليها بصرى لأول مرة ، وما كدت أتجه إليها بفكرى حتى عادت إلى ذكرياتها ، فهب الندم بنفسى إليها ، وولت عنى تلك الرغبة الأثيمة التى أوشكت أن تضل بى عن سبيل الهدى ، ومنذ ذلك الحين لم تعرف أفكارى غير بياتريس لها مستقرا " .
على أن الأقدار لم تشأ أن تهدأ لدانتى نفس ، وكأنه
قد حاول أن يملأ ما تركته بياتريس فى حياته من فراغ ، فأخذ يتردد على صالونات فلورنسا يقامر فيها ما استطاع حتى عاف هذا العبث الباطل ، فانصرف إلى السياسة ابتداء من سنة ١٢٩٥ ، وكانت إيطاليا فى ذلك الحين منقسمة إلى حزبين كبيرين حزب الجبلان Gibelins وهم جماعة الأشراف الحريصين على المحافظة على النظام الإقطاعى يعتقدون أن أسسه لن تثبت ما لم يؤيدها الأمبراطور بسلطانه ؛ ثم حزب الجلف Guelfes وهم رجال الطبقة الوسطى الذين يغارون على حرية المدن وحرية الأفراد ، ويرون فى بسط نفوذ البابا ما يحقق آمالهم السياسية . وكان دانتى من أتباع هذا الحزب الأخير ؛ ولكن الأمر لم يكد يستتب للجلف بعد هزيمة أعدائهم حتى انقسم الحزب المنتصر شطرين : بيض ، وسود ، وأخذت شهوات النفوس تلعب دورها ودارت معها العقائد ، فانطوى السود تحت لواء البابا ، واتهموا البيض أعداءهم بممالاة الامبراطور ، وانتصر السود فى المعركة ، فشتتوا شمل البيض ، ومن بينهم دانت ، إذ حكموا عليه بالنفى سنتين فى ٢٧ يناير سنة ١٣٠٢ ، وبغرامة قدرها خمسة آلاف جنيه ، بل عادوا فى ١٠ مارس من نفس السنة فاستبدلوا حكمهم هذا بحكم أقسى ، يقضى بنفى دانت نفيا أبديا ، بل باعدامه حرقا إن وقع بين أيديهم ؛ وكان دانت إذ ذاك لحسن الحظ بعيدا عن فلورنسا ، فأفلت من الموت ، ولكنه لم يفلت من النفى الذى شقى به شقاء يكاد يعدل الموت .
وأخذ دانت يجوب بقاع إيطاليا يحسن وقادته قوم ويتنكر له آخرون ، وقد أمل يوما أن يكون مع من نفى معه حزبا يتمكنون بقوته من العودة إلى مدينتهم العزيزة ؛ ولكنه نظر فاذا بشهوات النفوس تفسد ما يدبرون فافصل عنهم ، وقد انعقد عزمه على أن يكون على حد قوله " حزبا من نفسه " ؛ وتقاذفته أحداث الحياة ، وكلما
ازدادت به عبثا ازداد استجماما ، حتى تركزت قواه متبلورة حول شبح بيتريس يتخذ منه أنيسا لوحدته ؛ ولكنه أحس أنه أضعف من أن يستطيع التغنى بما وصلت إليه من مراتب الكمال ، فأمسك لسانه وأخذ فى الدرس يوسع به من آفاق نفسه ويشحذ من مشاعر قلبه
" لقد رأيت فيما يشبه أحلام اليقظة من خوارق الأمور ما حملنى على الإمساك عن التحدث بذكرى ذلك الملك المقدس ، حتى أصبح به جديرا ، فأخذت نفسى بالدرس ما استطعت ، وهى فى السماء شهيدة بصدق ما أقول . ولو أن رحمة الله مدت من حياتى لقلت فيها ما لم يقله فى مثلها أحد من العالمين ، وبعدئذ لتتحقق إرادة الله ، فأرتفع إلى جوار تلك السيدة ، إلى جوار القديسة ييتريس التى تنعم اليوم بمشاهدة وجه ربها الخالد أبد السنين " .
وتحدث بالفعل دانت عن بيتريس فى الكوميديا الالهية التى رآها فى أحلامه فأنبأنا بها ، وقد أخذ يعد لكتابتها عدته . ولقد كانت بيتريس من الرفق به بحيث أرسلت إليه فرجيل يسئله من وسط تلك الغابة المظلمة ، غابة الضلال التى تعثرت بها خطاه ليقوده إلى رحلة طويلة خلال جهنم ، ثم خلال المطهر الذى لاحت على حافته بيتريس نفسها تقود الشاعر خلال الجنة التى لم يكن لنفس وثنية كنفس فرجيل أن تلج رحابها .

