-1-
من أروع ما وعاد تاريخ الأدب فى سفحاته تلك المناظرة الحادة العنيفة بين إمامين من أئمة الأدب ، أبى بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمذانى ، وقد أسفرت عن هزيمة أولهما هزيمة ساحقة ، لم يقو على احتمالها فقضى نحبه بعدها بقليل !
ما ذكرت تلك المصاولة قط إلا غام الحزن على عينى ، وملأ شِعاب قلبى ، وشعرت للبديع بمقت شديد يكاد يعقل لسانى عن الترحم عليه !
ففى الحق أن هذا الرجل بالرغم من وصف الثعالبي ( ١ ) له : يحسن العشرة ، ونصاعة الظرف ، وعظم الخلُق ، وشرف النفس و كرم العهدة ، وخلوص الود ، وحلاوة الصداقة ، قد التائت نفسه بأمراض تتوارثها الكثرة الكاثرة من الأدباء جيلا بعد جيل ، وتتمثل فى تلك الصورة الشوهاء من حدة الغيرة , وفرط الاثرة وحمل الحقد ، وحب الانتقام والزراية على النظراء والسعي الجاهد فى هدمهم بالحق والباطل ، حتى كاد مدلول الأدب لطول ما اتسم أصحابه بهذه المثالب ، يرادف في الأذهان نشوز الطبع وانحراف المزاج ، وانحلال الخلق ، والتمرد على الشرائع المرعية والارتكاس فى الخلاعة والمجون ، ورحم الله من قال :
ليس الأديب أخا الروا ية للنوادر والغريب
ولشعر شيخ المحدثين ( م ) أبي نواس أو حبيب(2)
بل ذو التفضل والمرو ءة والعفاف هو الأديب
ولد أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي ( بخوارزم )(3) ونشأ بها متأدبا ، وإن كان أصله من طبرستان ثم جاب الأقطار من الشام إلى أقصى خراسان فى محصيل العلم والادب ، فبرع فى كل فن من فنون العربية ، وغزر محصوله من اللغة والشعر
حتى كان يحفظ عشرين ألف( ١ ) بيت من شعر النساء خاصة
ورشحه فضله لخدمة الملوك والأمراء والوزراء فى الدويلات المتفرعة عن الخلافة العباسية ، وكانت خاتمة مطافه ، مدينة نيسابور من اعمال خراسان ، فاتخذها دار إقامة ، واقتنى بها الدور الفاخرة ، واعتقد الضياع المغلة ، وفرغ إلى الكتابة والشعر وتصدر للتدريس ، وظن انه يستطيع ان يقضى بقية عمره هادئ النفس ناعم البال ، فى ظل النعمة الفاشية والثراء الواسع والجاه المريض ، ولكن ما كل يتمنى المرء يدركه ، فقد منى بهذا الواغل الدخيل ، فنغص عليه عيشه ، وشاب صفوحياته ، وساقه إلى الفناء الذريع !
ولم يكن الخوارزمى دون الهمذانى فى حوك القصائد ، وتحبير الرسائل ، وجمع اللغة ، وحفظ الأشعار والأخبار ، بل ربما كان أوفر منه حظا فى كل ما يتصل بالنقل والرواية ؛ ولكن الهمذابى كان يمتاز بحدة القريحة وحضور اليديهة وشدة العارضة وسرعة الخاطر وقوة الارتجال ، وهى أمضى سلاح يملكه المناظر لقهر خصمه وإفحامه
وما ظنك برجل ( 2 ) كان ينشد القصيدة تبلغ خمسين بيتا لم يسمع بها قط ، فيحفظها كلها ويؤديها لا يخرم منها حرفا واحدا ! ويقترح عليه إنشاء قصيدة أو رسالة فى معنى من المعاني ، فيفرغ منها فى الوقت والساعة ! وينظر فى أربع أوراق أو خمس من كتاب نظرة طائرة فيحفظها ويسردها عن ظهر قلبه ! ويقترح عليه الكتاب فيبتدئ بآخر سطر منه ، وينتهى بأوله ويخرجه كأحسن شىء وأملحه ! وتلقى عليه الأبيات الفارسية فيترجمها شعرا إلى العربية جامعا بين الإسراع والإبداع ! إلى غير ذلك من العجائب والغرائب التى يحلو لي أن أسمها بشعوذة البيان !
ومع أن هذه الصفات مواهب عظيمة لم يرزقها كل إنسان ولا ينكر خطرها فى ميادين المساولة الأدبية ، إلا أنها لا تصح أن تكون فيصلا فى الحكم على أقدار الرجال وآثارهم . فأبو العتاهية مثلا وهو رأس شعراء البديهة لا يتسامى إلى منزلة مسلم بن الوليد وأبى تمام وابن الرومى من شعراء الروية ، والمتنبي على سنى مكانته - تعد مقطوعاته الارتجالية من سقط المتاع ، حتى تمنى بعض شارحى ديوانه أن لو خلا من هذا السخف والهذر ، وعبد المحسن الكاظمي أقوى شعراء العصر طبعا وأسرعهم
خاطرا ، ولكنه لا يوزن بشوقى من شعراء الأناة ، بل لا يقاس بحافظ وهو اكثر الشعراء تعبا فى نحت القريض وصوغ القوافى
ولم يكن سلاح البديع مقصورا على هذه المزايا الخارقة التى أوردناها ، بل كان - إلى ذلك - فى طراءة عمره وغضارة شبابه وكان الخوارزمى قد علت به السن فتحيفت جسمه وعقله معا
وأنكى من هذين على الخوارزى أن جماعة من وجهاء نيسابور لا يخلو من أمثالهم بلد من بلاد الله ، كانوا يكرهونه وينفسون عليه نعمته ، فصاروا عليه إلبا فى هذه المحنة ، وشدوا أزر خصمه ، ولا شىء أثلم للعزيمة وأقعد بالهمة من خذلان الآل والأقارب !
وهى حال شاذة ممضة أنطقت بالشكاة كثيرا من جِلة الفضلاء ! فقال فى ذلك قاضى الأندلس وخطيبها المصقع المندر ابن سعيد :
هذا المقال الذى ما عابه قند لكن صاحبه أزرى به البلد
لو كنت فيهم غريبا كنت مُطًّرًفًا لكنني مهموم فاغتالني النكد
وقال الفيلسوف ابن حزم :
أنا الشمس فى جو السماء منيرة ولكن عيبى أن مطلعى الغرب
ولو أننى من جانب الشرق طالع لجد على ما ضاع من ذكرى النهب
هنالك تدرى أن للعلم غصة وأن كساد العلم آفته القرب
فواعجبا من غاب عنهم تشوفوا له ، ودنو المرء من دارهم عيب
ولنأخذ الآن فى إيراد هذه المناظرة ، موفقين بقدر الإمكان بين الروايات المختلفة ، فنقول :
في سنة ثمانين وثلاثمائة ه فارق البديع بلده همذان التى نشأ به وتأدب ، إلى حضرة الصاحب بن عباد وزير آل بويه وخليفة ابن العميد ، وهى- إذ ذاك - مريق العيون ، ومناط الآمال ، ومحط الرحال ، فلقى فيها ما يلقاه كل أديب : من كرم الوفادة ، وحسن الرعاية ، وجميل التعاهد
وكان مجلس هذا الوزير العالم الأديب ، آخر مجلس لوزير ضم خيرة العلماء وصفوة الأدباء ، وأعيان المصنفين والمتكلمين ، وهم دائما فى حوار متصل ، وجدال مستحر ، ومذاكرة دائبة لا تهدأ ولا تفتر ، فكان لذلك أثره البالغ في صقل مواهب البديع ، وفتق جنانه ، وتزويده بمعارف جديدة واسعة ، وهو فى مقتبل الشبيبة وميعة الحداثة
وكان الظن بمثله أن يضمن بمفارقة هذا الروض المونق والجناب
الخصيب ، ولكنا رأيناه فى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة يشخص إلى خراسان ، وبعد جولة قصيرة فى ربوعها يرد نيسابور( ١ ) وقد سلبه قطاع الطريق ما يملكه من مال ومتاع !
ونيسابور هذه مدينة مقرورة يهرأ بردها الأجسام ، ويُوسم أهلها (2 ) بالجفاء والشغب والضعف والخبث وكراهة الغرباء ! وفيها يقول السمعانى :
لا قدس الله نيسابور من بلد ما فيه مر صاحب يُسلى ولا سكن
ويقول فيها المرادي :
لا تنزلن بنيسابور مغتربًا إلا وحبلك موصول بإنسان
أولا ، فلا أدب يغنى ولا حسب يجدى ولا حرمة ترعى لإنسان
ويقول أيضا :
قال المرادى قولا غير متهم
والنصح - ما كان من ذي اللب - مقبولُ
لا تنزلن بنيسابور مغتربًا إن الغريب بنيسابور مخذول
فما هو سر اختيار البديع لها بالذات ؟ وقد كان له فى غيرها مراد ومسرح . أهو حب التنقل والضرب فى البلاد ، للدراسة والاطلاع ، واستفادة العلم والمال ؟ وهو الطابع الغالب على علماء هذه العصور وأدبائها ؟ أم هو القصد إلى مناضلة الخوارزمى وانتزاع صولجان الشهرة منه ، حتى يقال عنه : إنه غزا النسر فى وكره واقتحم على الليث عرينه ؟
على أن بعض المؤرخين ( ٣ ) يسوق لهذه الرحلة علة طريفة نذكرها للتفكهة : وهى أن البديع كان في مجلس الصاحب يوما فخرج منه ما يخرج من غير المتمكن فى قعدته ؛ وكان خيرا له أن يعوذ بالصمت ، ولكنه أراد أن يموه على الصاحب فقال : هذا صرير التخت فقال الصاحب : أخشى أن يكون صرير النحت !
فخجل البديع خجلا شديدا حمله على مفارقة حضرته والخروج إلى خراسان !
ويلذ لنا أن نقول : هذه المناسبة - : إن مجلس الصاحب - على رفعة شأنه كثيرا ما كان مهبا لهذه الزعازع ! وكان الصاحب لا يمنعه وقاره أن يعقب على ذلك بالنكتة البارعة والتورية اللطيفة
فمن ذلك أن الصاحب أخذته ليلة سنة من النوم ، وبين يديه جاعة من الأدباء شرع أحدهم في قراءة ( الصافات ) واتفق أن نام أيضا بعض الحضور ، فأحدث صوتا منكرا أيقظ الصاحب من نومه ! فقال - يخاطب سماره - : يا أصحابنا ، نمنا على ( والصافات ) وانتبهنا على ( والمرسلات) وأظرف من ذلك : أن الفقيه ابن الخضيرى كان يحضر مجلسه بالليالى ، فغلبته عينه مرة ، فخرج منه شىء فخجل وانقطع عن المجلس ، فقال الصاحب أبلغوه عني :
يا ابن الخضيرى لا تذهب على خجل
لحادث كان قبل الناى والعود
فإنها الريح لا تستطيع تحبسها إذ لست أنت سليمان بن داود
وكيفما كانت الأسباب التى حفزت البديع إلى انتجاع نيسابور فقد بدات المناوشة بين الرجلين بكتاب ارسله الهمذانى إلى الخوارزمى ، صدره بهذا الكلام الممسول : إنا لقرب ( ١ ) دار الأستاذ - أطال الله بقاءه - كما طرب النشوان مالت به الخمر : ومن الارتياح إلى لقائه ، كما انتفض العصفور بلله القطر ، ومن الامتزاج بولائه ، كما التقت الصهباء والبارد العذب ، ومن الابتهاج بمزاره ، كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب
ثم ختم كتابه بأن طلب منه إرسال غلامه لينفض له جملة حاله والتقيا بعد ذلك على موعد مضروب فى دار الخوارزمى وما نشك فى أنه أكرم مثواه ، وأحاطه بألوان البر والرعاية ، ولكن البديع كان مدخول النية مطوى الجوامح على الضغينة ! فخرج من دار مضيفه غير حامد لقياه ، وأرسل إليه كتابا حشوه عتاب سر ، يذكر فيه : ان الخوارزمى استزراه لغربته ، واقتحمته عينه لرثاثة ملبسه ، وأنه تكلف القيام له والسلام عليه وأنه كان كلمه بنصف طرفه ، ويشير إليه بشطر أنفه ، وأن أهل بلده همذان فى الذؤابة من الشرف والسيادة ، وفى الصميم من الجود والسماحة ، ولو قد حل الخوارزى بينهم لخبئوه فى سواد العيون والقلوب !
وقد رد عليه الخوارزمى ردا جميلا يستل السخائم ، ويطفىء الاحقاد ، ولكن موقف البديع منه أشبه بموقف الروسيا من فنلندا : إدلاء بالباطل وتورط فى الضلال ، وتجن للذنوب ، وتصيد للمثالب ، ومن كان هذا شأنه فإرضاؤه محال
وهكذا أخذت تتردد الرسائل بينهما وهى تزداد عنفا وحدة ، حتى انتهى الامر إلى الخصومة الصريحة ! التى كان يعمل لها البديع ومن وراءه كل وسيلة !
وكان يمكن إطفاء هذه الثائرة لولا أن خصوم الخوارزى الذين سبقت الإشارة إليهم انتهزوها فرصة للنكاية به ، فأذكوا العداوة وأرثوا النار !
وكان أن أرسل نقيب الأشراف إلى الخوارزمى يستدعيه إلى داره ليجمع بينه وبين البديع ، فترفع عن المجىء لانه كان يعرف ما دبر له ، فأحرجه النقيب بإرسال دابته إليه ، وشفع ذلك البديع رسالة يستفزه بها ا فلم ير الرجل بدا من الحضور بحف به تلاميذه البررة فالتقى الخصمان فى بيت النقيب وجها لوجه وقد حُشر الناس ليروا لمن تكون الغلبة ! ( يتبع )

