غني عن البيان أن القاهرة متحف عظيم للعمائر الاسلامية من مختلف الطرز الفنية ؛ فلا يزال جامع ابن طولون يشهد بعظمة الطراز العباسي بمصر في القرن الثالث الهجري ) ٩ م ( ، منذ انتقل إليها علي يد مؤسس الأسرة الطولونية الذي نشأ في سامرا . ولا يزال الناظر إلي القلعة يعجب بالجامع العثماني الطراز الذي شيده فيها مؤسس الأسرة العلوية الكريمة . أما ما بين العصر
العباسي والعصر التركي من حقبة طويلة ، فإن طرز العمارة الاسلامية فيه ممثلة بالقاهرة فيما خلفه الفاطميون والأيوبيون والمماليك من مساجد وأضرحة وأسوار ومدارس وقصور وبيوت واسبلة وكنائس ، كالجامع الازهر وجامع الحاكم وجامع الصالح طلائع وباب النصر وباب الفتوح وباب زويلة من العصر الفاطمي والقلعة
وضريح الإمام الشافعي والمدرسة الصالحية من العصر الأيوبي ، وجامع الظاهر وقبة وبيمارستان قلاوون وقصر بشتاك وجامع المارداني وجامع صرغتمش وجامع السلطان حسن من عصر المماليك البحرية ، ومدرسة برقوق وجامع المؤيد ، وضريح النوري وخان الخليلى من عصر المماليك الجراكسة ، ومسجد المحمودية ومسجد
سنان باشا ومسجد الملكة صفية وبيت جمال الدين الذهيى ومسجد محمد بك أبي الذهب وسراي المسافرخانة من العصر العثماني . أما الكنائس فمنها كنيسة المعلقة وكنيسة الست بربارة وكنيسة أبي سيفين . وقد شيدت قبل العصر الاسلامي ، ولكن معظمها هدم ،
وأعيد بناؤه وزيد عليه بعد الفتح العربي .
وطبيعي أن معظم هذه العمائر الأثرية دب إليها التخريب والدمار وضاع أو نهب ما كان فيها من تحف ونفائس إلى أن صدر امر عال في ١٨ ديسمبر سنة ١٨٨١
بإنشاء لجنة حفظ الآثار العربية لصيانة تراثنا القوي في العصر الاسلامي . وقد استطاعت هذه اللجنة أن تنقذ مئات العمائر الأثرية من الدمار المحقق ، وان تجمع نفائس التحف الاسلامية في دار الآثار العربية ، التي أنشأتها لهذا الغرض ، وأقبلت على رعايتها حتى نمت
وازدهرت . ولا سيما يفضل حفائر الفسطاط ، وألحقت الدار سنة ١٩٣٠ بوزارة المعارف . وظلت لجنة حفظ الآثار العربية تابعة لوزارة الأوقاف حينا من الزمن ، ثم ضمت إلي وزارة المعارف أيضا ؛ فأصبح في هذه الوزارة هيئتان للآثار الاسلامية : إدارة حفظ الآثار العربية ،
ويشرف عليها مجلس أعلى للآثار الإسلامية ، ومهمتها صيانة العمائر القائمة من العصر الاسلامي ، ثم دار الآثار العربية وهي المتحف الذي يضم التحف المصنوعة في العصر الاسلامي .
ولسنا نستطيع أن نذكر إدارة حفظ الآثار العربية بدون الاشارة إلى عملين جليلين لها ، يحسبان من اجل الأعمال التي تمت لحفظ الآثار في العالم أجمع : وهما تجديد جامع ابن طولون وجامع محمد علي .
وقد أقبلت إدارة حفظ الاثار على تجديد بعض البيوت الأثرية التي ترجع إلي العصر العثماني . وبين هذه البيوت اثنان أصبح لهما شأن عظيم . وهما بيت محمد بن الحاج سالم الجزار ، وبيت السيدة آمنة بنت سالم . ويقعان
شرقي جامع ابن طولون ، فيمر بينهما دهليز يوصل إلي الباب الشرقي لهذا الجامع . فالبيت الاول ، وهو الذي يعرف الآن باسم بيت الكريدلية ، يقع إلي يمين الداخل من هذا الدهليز إلي باب الجامع ، بينما يقع البيت الثاني إلي يساره . ولكن البيتين متصلان بممر فوق هذا الدهليز
محمول على عقد ستيني ) ١ ( . وبيت الكريدلية يرجع إلي سنة ١٠٤١ ه ) ١٦٣٢ م ( ، وقد انشأ " الحاج محمد بن المرحوم الحاج سالم بن المرحوم الحاج جلمام الجزار " ، كما جاء في شريط من الكتابة بسقف " المقعد " وفي ركنه الشرقي القبلي سبيل ذو سقف به زخارف جميلة ، متعددة الألوان . والباب الرئيسي لهذا البيت إلي يمين الداخل في الدهليز ويؤدي هذا الباب إلي " صفة ،
تبدأ عندها " طرقة " ذات سقف معقود تسير إلي اليسار وتنتهي إلي فناء الدار . وترتيب المدخل على هذا النحو أمر معروف في معظم البيوت الأثرية الاسلامية ، ولعل المقصود به ألا يكون فناء الدار مكشوفا إذا كان باب البيت مفتوحا
ويمتاز فناء بيت الكريدلية ببعض الأساليب المعمارية الطريفة ، ولا سيما بروز الطابقي الأول على خرجة ) ما وارده ( من ثلاث حطات من " المقرنصات " فضلا عن تنوع عقود الأبواب ، ثم النوافذ الجميلة المصنوعة من الخشب والجص . ومقعد بيت الكريدلية في الجنب القبلي يطل على الفناء بعقدين محمولين على عمود من الرخام ويتصل المقعد ) التختبوش ( بقاعة كبيرة تطل على الوجهة القبلية للدار كما تطل على الفناء ، وتؤدي إلي غرفة صغيرة تطل على الوجهة الشرقية ، ثم إلى قاعة كبيرة تطل على
فناء الدار وعلى الوجهتين البحرية والغربية . وفي هذه القاعة الأخيرة سقف غني بالزخارف الجميلة ، وبه إفريز من الكتابة قوامه أبيات من قصيدة البردة . كما ان فيها " مشربيات " جميلة
أما بيت آمنة بنت سالم فان بعض الأساليب والزخارف المعمارية في بابه تدل على انه يرجع إلي عصر السلطان قايتباي ) ٨٧٣-٩٠١ ه ، ١٤٦٨-١٤٩٥ م ( ، ولعله آل بعد ذلك إلى صاحب بيت الكريدلية . وأهم ما في هذا البيت قاعة كبيرة ذات إيوانين ، بينهما جزء أرضه منخفضة قليلا ، وهو الدرفاعة "
والمعروف ان مساحة التنظيم نزعت ملكية هذين البيتين سنة ١٩٣٨ . وأرادت هدمهما تنفيذا لمشروع التوسيع حول جامع ابن طولون ، ولكن لجنة حفظ الآثار العربية اعترضت على ذلك واستطاعت ان تتسلمهما
ثم بدأت في تجديدهما ، وإصلاح ما فيهما ليصبحا من أبدع الأمثلة القائمة لطراز العمارة في العصر العثماني . وقد وقفت اللجنة في ذلك إلي أبعد حد ، واتيح لهذين البيتين أن يعود إليهما ما كان لهما من عظمة وجمال ، حين تقدم الميجور جابر أندرسون بك ) 1 ( سنة ١٩٣٥ إلي اللجنة طالبا أن يسكن هذين البيتين على أن يقوم بتأثيثهما على الطراز العربي ، ويعرض فيهما مجموعته الأثرية النفيسة
وعلي أن يصبح الأثاث والتحف النفيسة ملكا للأمة المصرية بعد وفاته أو حين يغادر مصر نهائيا .
وأقبل جابر أندرسون بك على تنظيم البيتين في همة لا تعرف الكلل وذوق فني وخبرة في الفنون والتحف
يحسده عليهما الاخصائيون في المتاحف ودور الآثار ، وأنفق الأموال الطائلة في شراء الأثاث والتحف والآلطاف من البيوت الآثرية الخاصة ومن أسواق العاديات في مصر وغيرها من البلدان . وأصبح " بيت الكريدلية " من معالم القاهرة التي لا يفوت السياح زيارتها ليروا مثالا حيا
للبيوت الاسلامية في القرن الحادي عشر الهجري ) ١٧ م ( وليتبينوا في قاعات البيتين الترف والبذخ والذوق الفني الجميل وما إلى ذلك مما يتجلي في زخارف الجدران والسقوف والأبواب والنوافذ والخزانات وغيرها . ورتب جابر اندرسون بك بعض قاعات البيتين لتكون معرضا لطراز أو عصر خاص ، كالقاعة التى جمع فيها بعض التحف والأثاث الذي يرجع إلي عصر محمد علي باشا . كما أضاف إلي ذلك كله مكتبة عامرة بالكتب النفيسة على مصر ولا سيما وصف الرحالة لها .
ولكن يلوح أننا لن ننعم طويلا بمقام جابر اندرسون بك بين ظهر اثينا ، فان حالته الصحية تضطره إلى العودة إلى وطنه في انجلترا ؛ ويعمل المجلس الأعلى للأثار العربية على تسلم البيتين الآثرين ما فيهما من اثاث ومجموعات أثرية ليصبحا متحفا عاما ينسب إلي صاحب هذه الهبة الكريمة .

