الى الشباب أسوق الحديث
رحلت إلى بعض بلاد الغرب ثم إلى بعض أمم الشرق فلم اجد شعبا كهذا الشعب هان وجوده على نفسه ، وانطمس تاريخه فى ذهنه , فأعطى الضيم عن يد وهو صابر !!
أسرف فى اللين حتى رمى بالجبن , وأمعن فى التسامح حتى وصف بالبلادة , وأفرط فى التواضع حتى نسى الأنفة , وبالغ فى إكرام الغريب حتى أصبح هو الغريب !!
فليت شعرى يا ابن العرب أو يا سليل الفراعين من أين داهمتك هذه الذلة ؟!
نسب يزحم النجوم , وحسب يطول الدهر , وماض كالشمس نفذ الى كل أرض وسطع فى كل أفق , وواد كرفرف الخلد زخر بالغنى وفاض بالنعيم ! فكيف لا يرفع رأسك هذا النسب , ولا ينصب صدرك هذا الماضى ؟!
مالك تمشى فى أرضك خافت الصوت , خافض الجناح . ضارع الجنب , كأن النيل يجرى لغيرك , وكأنما الآثار تتحدث إلى سواك ؟!
لقد أصبحت فى بلدك المنكود تحيا حياة الجسم كما يحيا الاجير والخادم ، اما حياة الروح التى ينبض فيها القلب بعزة القومية وصلف الوطنية ، فقد أماتها فيك الوباء الوافد من كل مكان !
إن اخوانك فى سورية لا يحبون الغريب الا صيفا ، وان إخوانك فى العراق لا يكرمون الاجنبى الا ضيفا ،
أما الدود الذى يمتص الدم ويقذي العيون ويغثى النفوس فلا يجد مغذاه ومرواه إلا على النيل!! وليت الذى قاسمنا أنعُمَ الوادى الحبيب يذكر فضيلة الإحسان، ويشكر عطف الانسان على الانسان!! انما يتمتع بخيرنا تمتع الغازى الفاتح، فى يمناه سيفه، وفى يسراه قانونه، فاذا عاملناه احتقرنا، واذا عاتبناه انتهرنا، واذا ضج المغبون، أو صاح المسروق، أو صرخ الجائع، ضربه (الخواجة) ضربته، ثم استعدى عليه دولته!!
فى أى بلد من بلاد العالم اليوم يأتى محام أجنبى ، ليدافع عن مجرم من جنسه أجرم على هذا البلد، فيجد له قضاء فى قلب قضاء هذا البلد، وقانوناً بجانب قانون هذا البلد، وقوة فوق قوة هذا البلد، ثم يقوم بين يدي قضاة من جنسه فيقول فى بلاغة ديمستين وحماسة مَنْ، لا أدرى :
" أظهروا أيها السادة أنكم قضاة تنشقون هواء الأكروبول، وانكم لا تخوضون فى ماء النيل العكر "
معك الحق كله يا متر بابا كوس! لقد تركت أثينا فى اليونان ثم عبرت البحر فوجدت أثينا فى مصر!! فالفنادق للروم، والمطاعم للروم، والمقاهى للروم، والمواخير للروم، ودور السينما للروم، وقاضيك من الروم، وجانيك من الروم، وبقالك من الروم، وحلاقك من الروم، وخادمك من الروم! واذا طلبت الماء، أو أردت الكهرباء، أو ركبت الترام، أو دخلت البنك، أو قصدت المتجر، وجدت كل ذلك فى أيدى أقوام سحنتهم غير مصرية، ولغتهم غير عربية!! فاذا سألت (مخالى) عن المصريين قال لك أنهم أجراء عند (خريمى) فى المزرعة، أو سكارى عند (ينى) فى البار!! معك الحق كله يا متر بابا كوس ان تهين شعبا يسمع إهانته فى كل يوم وفى كل مكان فيغضى ثم يمضى! وأى إهانة آلم وأشنع من (الامتيازات) وهى طعن فى انسانيته وقدح فى كفايته وتجريح لعدله!! ولكن الحق يبرأ منك حين تقول وأنت وريث أرسطو ومِدْرَهُ أثينا إنك لم تقصد بهذه الجملة إهانة مصر، وانما هى : (عبارة من عبارات البلاغة التى يستعملها المتكلم عادة) فلسنا من البلاهة بحيث يخدعنا عن جد الجريمة هزل الاعتذار!!
رحم الله أستاذنا المهدى ! لقد كان يرى الرجل المتمدن يرمى الرجل المتمدن بالكلمة العوراء يندى لها جبينه ، ويغلى منها دمه ، فما هو إلا أن يقول الشاتم المتمدن للمشتوم المتمدن : (سحبتُها) حتى يجف عرق الجبين ، ويكف غليان الدم !
فيقول الأستاذ بلهجته العربية :
" عجيب ! كلمة قيلت ( كيف تسحب ! ولطمة أصابت كيف تسترد ؟! "
لا نريد من شبابنا أن يدفعوا البغى بالبغى ، وإنما نريد منهم أن يفهموا الواغلين أن كدر النيل ليس من أهله، وأن الطريق الذى يسفى عليه الغبار والاقذار هو الطريق الذى فتحه لهم الاقتصاد المستعمر، فاذا ملكناه ونظفناه عادت الى نيلنا نقاوته، وإلى شعبنا كرامته
ليس على الأجنبى من حرج فى أن يزاحمك فى بلدك، فانما جهاد الدنيا زحمة، وهو حين ينافسك ينافسك فى حمى القانون ، ويغالبك فى حدود الطبيعة ، وانما الحرج كله عليك اذا ظللت تشترى وهو يبيع، وتغرم وهو يغنم!!
نضَّر الله الشباب العاملين !! لقد أخذوا يَجْلون عن وجه مصر الجميل غيرة القرون وذلة الأحداث وإهانة الدخيل ! نزلوا ميدان الاقتصاد جنودا متطوعين، وعمالا متواضعين، فعرفوا أين تكون المعركة الفاصلة بين الاستعباد والحرية، وبين الاستعمار والحق، وشقوا الطريق القاصد الى انقاذ مصر من احتلال دولى شديد الخطر قبيح الأثر لاتكائه على العدل واعتماده على القانون
إن (عيد الوطن الاقتصادى) و (مشروع القرى) و (تعاون الشباب) و (تعاون الطلبة) و (جماعة تمصير مصر) وشركات الدخان والألبان والاعلان والجزارة والمقاهي. . . فتح مبين فى جهاد مصر الفتاة، وان تَحَلَل الشباب المثقفين من ربقة التقاليد واسار العرف فلا يرون غضاضة فى أن يقيموا المشارب والقهوات فى مولد النبى ومولد الحسين يكونون فيها الطهاة والباعة والنُّدُل والمديرين، لهو تحلل لحاضر الطموح الناهض، من قيود الماضى القنوع العاجز. وليس على أولئك الشيوخ الذين مكنوا بجمودهم وقعودهم للأجنبى فطغى بيده، وبغى بلسانه، الا أن يطووا معهم هذه الصفحة المخزية من تاريخ مصر، ويتركوا الشباب يجدد ما بلى ، ويدعم ما وهى، ويسد ما خلَّ
إن شطط المبشرين قد انقلب الى تبشير بالاسلام ودعاية الى المؤسسات الخيرية ، فهل تنقلب سفاهة (الممتازين) الى اعزاز القومية المصرية، وتحقيق الأمانى الوطنية؟؟

