من علامات العصر الحاضر وخصائص تفكيره اتجاه الكتاب الخالقين وممثلى الثقافة الحديثة إلى معالجة الشؤون الاجتماعية والخوض فى المشكلات العملية والانحياز إلى أحد معسكرات المذاهب السياسية المتطاحنة ؛ وفى الماضى القريب كانت مسألة تقسيم الكتاب والمفكرين تبعا لرأيهم فى نظام الحكم والمبدأ السياسى الذى يؤثرونه ويناضلون عنه ، تكاد تكون وهما من الأوهام ومذهبا خاطئا من مذاهب النقد والتحليل ؛ والأمة الوحيدة التى كانت تخرج على هذه القاعدة وتشذ عن تلك السنة هى الأمة الروسية ؛ فقد كان المألوف عند الروسيين أن يعبر الشعراء والكتاب والنقاد عن ميولهم السياسية ونزعاتهم الحزبية ؛ ومنذ أوائل القرن التاسع عشر لم يستطع أكثر كتاب روسيا الفرار من مواجهة مشكلاتها الاجتماعية وأزماتها السياسية ؛ وقد كان اسكندر بوتكين كبير شعراء الروس ضالعا فى ثورة ديسمبر سنة ١٨٢٥ ، وأعدم الشاعر رايلييف لأنه كان من جنائها ؛ وقد آزر الثائرين رجال الأدب وزهرة المفكرين . وكتاب ((مذكرات صياد)) الذى وضعه الكاتب الروائى العظيم إيقان ترجنيف كان بعد من الحوادث الاجتماعية الهامة التى أثارت الضمائر وهزت النفوس ، وكانت عاملا من عوامل تحرير الفلاحين ورفع نير العبودية عن كواهلهم . وآراء طولسطوى فى التقليل جهد الطاقة من سلطة الحكومة ونبذه لسلطان الكنيسة ودفاعه عن الطبقات المظلومة ، جعله قوة هائلة فى روسيا ، مؤيدة للتعاليم الثورية ؛ وقد مرت بالأدب الروسى فترات متقطعة كان يؤثر فيها القيم الفنية والأدب الخالص ، ويضعهما فوق سائر القيم ؛ ولكنه
فى اتجاهه العام وحركاته الشاملة كان يقترب على الدوام من النقد الاجتماعى والنزعات السياسية ، وكان يروق الشعراء والروائيين والقاصين أن يلتمسوا الموضوعات التى تنطوى على تحد للسلطة ومناوأة لتقاليد المجتمع ونقد للأحوال العامة .
وليس فى مستطاعنا أن نقدر مدى تعمق هذه الاتجاهات الأدبية عند الروسيين إذا أغفلنا الإشارة إلى حقائق حياتهم وحوادث تاريخهم ؛ ولروسيا ظروفها الخاصة وملابساتها الاجتماعية ، ونظمها السياسية والدينية التى تسوغ هذا الاتجاه وتبين ضرورته وخضوعه لمنطق الحوادث ؛ فقد كان نظام روسيا الاجتماعى فى القرن التاسع عشر فريدا عجبا بين النظم الأوربية لأنه كان قائما على بقاء العبودية ، ولما ألغيت العبودية وعطلت أحكامها ظل هذا النظام الاجتماعي مرتكزا على الاحتفاظ بالحكم الأوتوقراطى المطلق ؛ ومن ثم كانت الحياة الأدبية والنزعات الفكرية ثورة على هذا الجمود ومقاومة لهذا الطغيان الذى كاد يمحو الحياة ويشل القوى ؛ وكانت لزاما على الكتاب والمفكرين والمصلحين أن يتعاونوا على مكافحة الخرافات والجهل والاضطهاد والقسوة ، وأن يعملوا على تأكيد القيم الانسانية والمثل الأخلاقية فى مثل ذلك الجو الخانق والسجن المطبق الذى شهدته يد الاستبداد . وقد كان بعض القياصرة الروس يبدأ بداية حسنة مبشرة ، ويعد المستنيرين بالإصلاح والحرية ، ولكن سرعان ما كان يخلف الظن ويخيب الأمل ؛ وقد تتلمذت القيصرة كاترين الثانية لفولتير والانسيكلوبيديين ، ولكن هذه التلميذة النجيبة المجدة كانت تخمد الثورات بقسوة وعنف ، ولم تكن فى إهمال حقوق الشعب وإهدار كرامته أحسن حالا من غيرها ؛ وكذلك كان حفيدها الإسكندر الأول ،
فقد تتلمذ للاهارب ، وتحمس فى أوائل حكمه للاصلاح ، وأفضى به الأمر فى النهاية إلى ترك زمام الأمور فى يد الرجعى الرهيب ار كشايف . وقد ظلت الرقابة على الصحف والمجلات والمعاهد والجامعات وبرامج التعليم قائمة فى روسيا طوال القرن التاسع عشر ، وكان نظام الجاسوسية من الدقة والاتقان بحيث لا تخفى عليه خافية ولا تفوته حركة .
وكانت النتيجة المحتومة لهذا الضغط البالغ والحجر الشديد أن يضطلع الكتاب الخالقون والشعراء الفنانون ينقد الأحوال الحاضرة وتناول الشؤون الاجتماعية وتصوير النزعات الراهنة وحقائق الحياة الواقعة .
ومن أشهر كتاب روسيا فى هذا المجال وأسبقهم فى هذا الميدان الكاتب الكبير ما كسيم جوركى الذى ولد سنة ١٨٦٨ وتوفى سنة ١٩٣٦ ، وقد كان فى سنواته الأخيرة فى طليعة الشخصيات البارزة المحترمة فى روسيا الشيوعية ، بل كان يعد فى نظر قومه بطلا من أبطال الجهاد يحفه الاجلال والتعظيم ؛ وقد غير البلاشفة اسم مدينة نجنى نوفجورد التى ولد فيها جوركى ، وكانت مسرح ذكرياته وقصصه ، وسموها ((مدينة جوركى)) فكانت المصانع ودور التعليم وأندية العمال تتبارى جميعها فى حمل اسمه والعناية بأدبه . وكانت فكرة نشوء فن جديد وثقافة مجتمع لا تتفاوت فيه الطبقات ولا تتباين الأقدار تستمد منه الوحى وتلتمس عنده العون والتأييد ؛ وكان الكتاب الناشئون يفخرون بأنهم مدينون لتشجيعه ، وأنهم يحيكون على منواله ويذهبون فى الأدب مذهبه .
وقد ناصر جوركى الثورة الروسية منذ بدايتها ، وكان من حملة أعلامها والمدافعين عنها ، وكانت له علاقات بأقطابها البارزين ، ولا سيما زعيمها الا كبر لينين ، وقد عاونهم بقلمه وأيدهم برأيه ، وناضل عن الاشتراكية
الشيوعية ، وتصدى لخصومها بسفه آراءهم ويفند حججهم ، وكان نقد الثقافة البورجوازية وإبراز عيوبها من الموضوعات القريبة من نفسه الحبيبة إلى قلبه .
ولم يكن الرجل داعية من الدعاة ، كما قد يتبادر إلى الذهن ، وإنما كان صاحب عقيدة ورب فكرة ، وكان يعتقد اعتقادا عميقا مخلصا أن الشيوعية هى طريق الخلاص وباب النجاة ، وأن لا سبيل إلى استنفاذ روسيا من الخراقات والأوهام ، وبعثها من الجمود والفنور المستولى عليها إلا بالشيوعية .
وقد نبغ جوركى من صميم الشعب الروسى ، ونشأ نشأة عجيبة قليلة الأمثال ، فقد كان أبوه إسكافا ، ومات وهو لم يبلغ الرابعة من عمره ، وكفله جده وأرسله إلى المدرسة عدة أشهر قلائل ، ولم يمكنه فقره من إبقائه فى المدرسة ، واضطر جوركى إلى العمل فى سن مبكرة ، فاشتغل فى حانوت صانع أحذية ، وفى الثانية عشرة من عمره فر من منزل جده وأخذ يضرب فى الأرضين ويتقلب فى شتى البلاد ، واشتغل مرة باحدى البواخر يغسل الأوانى والصحاف ، وكان طاهى الباخرة رجلا ضخما عملاقا له مشاركة فى الأدب وميل إلى القراءة والإطلاع ، وكان يقول لجوركى إن القراءة هى ألذ المتع وأبقى المسرات ، وقد أثرت كلمات هذا الطاهى الأديب فى نفس جوركى الفضة المتطلعة ، ثم عاد إلى جده ، ولكن سرعان ما اعتراه الملل ، ونبا به المقام ، فعاد يكدح فى طلب الرزق ، ويطوف فى البلاد ، وجاب إقليم الفلجا ، ووصل إلى ضفاف بحر الخزر ، وكان يعمل بهمة وعزيمة ، ولكنه كان يبيت أكثر لياليه خاوى الوفاض قد طواه الجوع وتلغبه السير .
وقد حاول وهو فى قازان - وكان فى الخامسة عشرة من عمره - أن يلتحق باحدى المدارس ، ولكنه وجد عملا
فى محل خباز ، ولم يلبث أن تركه واشتغل بستانيا ، ثم منشدا فى إحدي الكنائس ، وراقه بعد ذلك أن يعمل مع صائدى الأسماك فى استرخان ، واشتغل مرة حارسا ليليا بالسكة الحديدية .
وقد كان جوركى رجلا كبير النفس واسع الأمل ، فلم يسخط الحظ ، ولم يشك البؤس ، ولم بن عن إدمان التحصيل واستيعاب التجارب واختزان المؤثرات ، وقد مكنه ذلك من أن يلمس قلب الشعب ، ويفهم حاجات الطبقات الفقيرة ، ولف هواه بهواهم ، وعقد المودة الدائمة بينه وبينهم ؛ وقد كانت معايشته لهذه الأصناف المختلفة من الناس ودراسته لهذه الانماط العديدة من الأخلاق من دواعى استثارة عبقريته ، ومن العوامل التى خلقت منه كاتبا فريد الطابع فذ الشخصية .
وشرع يكتب بعض القصص القصيرة فصادفت إقبالا ورحبت به المجلات الأدبية . وفى سنة ١٨٩٨ ظهرت له مجموعة من القصص فى مجلدين لقيت رواجا . وفى مدى عام أو عامين أصبح ذلك الصعلوك الشارد الجوال الذى تقاذفته البلاد ، ولفظته مختلف المهن ، فى طليمة كتاب روسيا ، وترامت شهرته ، وعظم تأثيره حتى قرن اسمه باسم أديب روسيا العظيم طولسطوى والرواني الكبير شيكوف .
وقد وصل جوركى إلى أوج شهرته عند تمثيل روايته " فى الأعماق " سنة ١٩٠٢ بمسرح موسكو ، وقد انضم إلى تعسكر الماركسين واشترك فى تحرير مجلتهم ، وقد عطلت المجلة لأنها نشرت له قصيدة تنبأ فيها بالثورة القادمة ، وقبض عليه ونفى إلي تجنى ، وألغى انتخابه لأكاديمية العلوم ، فاستقال منها شيكوف وكور الشكو احتجاجا على ذلك ، وعمل جوركى مع الثائرين الناقمين وحضر مؤتمراتهم .
وفى أيام اشتداد الثورة الروسية استطاع جوركى
بجاهه ومكانته عند زعماء الثورة أن ينقذ الكثيرين من الكتاب والمستنيرين من مخالب الموت وبراثن الفقر ، وحاول جهده أن يلطف من ميول الثورة الحاطمة ، ويخفض من غلوائها ، وقد نفعته فى ذلك السبيل صداقته المتينة لزعيم الثورة وكبير رجالها " لينين " . وليس غريبا أن تنشأ بين هذين الرجلين النادرين تلك الصداقة المتينة والتقدير المتبادل ، فقد كان لينين مفكرا ممتازا وعالما واسع الاطلاع ، قبل أن يكون زعيما سياسيا وثائرا هادما ، وكان يعرف جوركى وإخلاصه وحسن بلائه ؛ وكان جوركى يسمع عن لينين قبل أن يراء ويعجب بشخصيته ، وقد رآه أول مرة فى لندن عند حضوره مؤتمر حزب العمال الروسى الدمقراطى الاشتراكى ، الذى عقد سنة ١٩٠٧ ، ولما التقيا صافحه لينين وحياه تحية حارة وفرح به فرحة الأديب بالأديب ، وقال له فى عرض الحديث : " أعتقد أنك من هواة النضال ، وستدور فى فى المؤتمر معارك تروقك " ، وقد حضر هذا المؤتمر كثيرون من الزعماء والقادة ، بينهم بليكانوف وتومسكى ومارتوف وروزا لوكسمبرج ؛ وقد وصف لنا جوركى لينين عندما جاء دوره فى الخطابة فقال : " أسرع فلادمير إلى منصة الخطابة ، وصاح بصوته المنبعث من الحلق : (أيها الرفاق) ، وبدا لى فى بادئ الأمر أنه لا يحسن الخطابة ، ولا يجيد الإلقاء ، ولكن ما هى إلا لحظة حتى استغرقنى حديثه ، وغمرنى تياره ، ولأول مرة فى حياتي أسمع مشكلات السياسة الصعبة المعقدة تعرض بأسلوب يسهل حزنها ، ويجلو دياجيرها ، ولم أشعر بأنه يبذل فى ذلك جهدا ، أو يعانى مشقة ، وأنه يحاول أن يتخير الألفاظ المنعقة والتراكيب البليغة الطنانة ، وكانت كل كلمة من كلماته واضحة المخرج جلية المعنى ناصعة الدلالة . ومن الصعب أن أنقل إلى القارى ما تركه فى نفسى من أثر . . وخيل إلى أنه يزن كل لفظة ، ويقدر وقعها ، وأنه يتقصى
نقدات خصومه وبتتبعها ، وديردها كلمى جريحة بحجج دامغة تؤيد حق العمال فى أن يسلكوا طريقهم دون أن يسيروا خلف البورجوازية الحرة ويتعلقوا بذيلها . . ووحدة حديثه واتساقه وقوته واتجاهه المباشر ووفائه بالغرض ومظهره على المنصة ، كل ذلك فى مجموعه كان قطعة بديعة من الفن الكلاسيكى ؛ وقد كانت خطبته أقل طولا من خطب غيره من الخطباء الذين سبقوه . ولكن تأثيره فى النفوس كان أعظم وأنقى ، ولم يكن هذا شعورى وحدى ، فقد سمعت صوتا يهمس خلفى : " لقد قال شيئا " وكان لا يصل إلى النتائج التى ينتهى اليها بكافة وتعمل ، ولكنها كانت كأنها تنمو من تلقاء نفسها ، وتبدو كأنها شئ لا مناص منه ولا سبيل إلى غيره . . . "
ويصف لنا جوركى عطف لينين الجم على العمال وفرط عنايته بشؤونهم وبالغ اهتمامه بتفقد أحوالهم ، وينقل جوركى عن أحد العمال أنه قال فى الموازنة بين لينين وبليكانوف زعيم المنشفيك : " بليكانوف يشعرك على الدوام بأنه يلقى عليك درسا ، ويشرف عليك من حالق ، ولكن لينين يشعرك بأنه الزعيم الحق والرفيق " .
وقد لاحظ جوركى أن لينين كان يتخفف من الطعام ، وكان قليل العناية بنفسه ، موجها اهتمامه جميعه إلى العمال ، وقد سأل مرة جوركى أحد هؤلاء العمال : " ما هى أبرز صفات لينين ؟ " فأجابه العامل : " البساطة ، إنه بسيط مثل الحق نفسه " .
وقبل الحرب الكبرى السابقة بأعوام قال لينين لجوركى فى أحد أحاديثه : " الحرب قادمة وليس لنا عنها معدى ولا مذهب ، وقد وصل عالم الرأسمالية إلى درجة الاختمار العفن ، ولقد تسممت عقول الناس بعقاقير الوطنية والمغالاة فى النعرة القومية ، وأكبر ظنى أننا سنرى حربا أوربية عامة ، وسوف لا تجد الطبقات الفقيرة القدرة على اجتذاب
هذه المجزرة ، وكيف السبيل إلى ذلك ؟ هل يستطيع عمال اوربا الاضراب ؟ إنهم لم يتنظموا بعد التنظيم الكافى ، وينقصهم الشعور بأنفسهم باعتبارهم طبقة متحدة ، وليس فى وسعنا ساسة عمليين أن نعتمد على ذلك . . ." .
ثم التفت لينين إلى جوركى واسترسل قائلا : " فكر فى هذا مليا ، واعجب لقوم متخومين يدفعون بقوم جياع مهازيل إلى محارية بعضهم البعض ، أرأيت جريمة أدل على الغباء والحماقة ، وأشد نكرا وفظاعة ؟ وسيدفع العمال ثمنا غاليا ، ولكنهم سيفوزون فى النهاية ، وهذه هى إرادة التاريخ "
وكان لينين رجلا صبورا مجربا ، يعرف كيف يتلقى الضربات ويثبت للنوازل ، قال مرة لجوركى : " من الخير أن نلقى الفشل بالفكاهة والابتسام ، والفكاهة صفة باهرة ، والحياة مضحكة مقدار ما هى محزنة " .
ولينين بلا ريب من أعظم شخصيات العصر الحديث ؛ وقد أحبه قوم حتى العبادة ، وكرهه قوم حتى ودوا لو أنهم يستطيعون رجمه بالأحجار ، وقد أثر فى تاريخ العالم تأثيرا بعيد المدى ، وكانت عقليته عقلية غير عادية ، وقد كون آراءه السياسية فى صدر حياته ، ولما تبلورت تلك الآراء لم يتحول عنها ؛ وكان يغير الأسلوب ولكن الهدف الذى كان يرمى إليه ظل واحدا ، وكان عقله فى صميمه عقل متعصب يعتقد أنه قد عرف الحق واهتدى إلى سبيله . وكان كتاب " رأس المال " الذى وضعه كارل ماركس انجيله ومصحفه ، وكان مع ثقته بنفسه واعتداده بآرائه لا يشمخ ولا يتكبر ، قال جوركى فى ذكرياته عنه : " لا أستطيع أن أتصور رجلا غيره قد بز الناس وسبقهم وأناف عليهم ، وبقى بعد ذلك مطرحا لأهوائه بريئا من الطموح ، لا يعنى بغير مصلحة الشعب ، ولا يفكر فى غير نفسه والنهوض . ولقد كان فى شخصيته سحر يجذب نحوه قلوب العمال ويسيطر على عواطفهم ، وكانت
له ضحكة صافية خلابة صادرة من أعماق القلب ، ضحكة رجل قد عرف سخافة البشر السمجة البغيضة ، وذبذبة الأذكياء وتقلبهم وبهلوانيتهم . وأصبح يجد متعة وروحا فى بساطة السليمى القلب الخالصى الطوية .
ويقول جوركى فى تبرير الشدة التى لجأ إليها لينين لحماية النظام الذى وضع أساسه : " إن واجب قادة الشعب المخلصين لما يخرج عن طوق البشر فى الصعوبة ، والزعيم الذى لا يكون طاغية إلى حد ما من المحال وجوده . وقد قتل كثيرون فى عهد لينين ، ولكن لولا هذا القمع لأصبحت المقاومة التى لقيها النظام الجديد أوسع نطاق وأقوى عزما وأشد خطرا ؛ وعلاوة على ذلك فان علينا أن نقيم وزنا لهذه الحقيقة ، وهى أن تقدم الحضارة قد قلل من قيمة الحياة الإنسانية ؛ ومما يثبت هذه الحقيقة فى الحياة الأوربية المعاصرة تقدم فن إبادة الناس واستساغة هذا العمل " .
وفى موضع آخر من ذكرياته عن لينين يقول : " لقد طالما أفاض القائلون وأسهب الكاتبون فى رمى لينين بالقسوة والفظاعة ، وليس من أدبى أن أقف ذلك الموقف المضحك الخالى من التبصر ، وهو أن أحاول تفنيد الأقاويل الكاذبة ، أو أن أرد على الشتائم والنمائم ، فانى أعلم أن الكذب والتنقص وتشويه السمعة من الأساليب المتبعة فى السياسات البورجوازية الحقيرة ، ومن المتعذر أن نجد رجلا عظيما فى العصر الحاضر لم يقذف بالأوحال ، وهذا من الأمور المعروفة المألوفة ؛ وفضلا عن ذلك فان هناك ميلا فى نفوس الناس إلى إنزال العظماء من مستواهم الرفيع وغمط حقوقهم . . ولقد كان فلادمير لينين يعرف أكثر من أى إنسان كيف يمنع الناس من البقاء على أسلوب الحياة الذى تعودوه وألفوه ، وكراهة عالم البورجوازية له كراهة عارية مكشوفة " .
وحادثه جوركى مرة عن قسوة الأساليب الثورية ،
فقال له لينين غاضبا : " ماذا تريد بذلك ؟ هل من الميسور أن نتصرف تصرفا إنسانيا رحيما فى معركة منقطعة النظير فى هولها وضراوتها ؟ وأين يكون مكان رقة القلب وكرم الأخلاق فى مثل هذه المعركة ؟ لقد حاصرتنا أوربا من جميع النواحى وحرمنا من معاونة العاطفين علينا فى أوربا ، وكانت الحركة المناوئة للثورة تطالعنا من شتى الجهات ، فماذا نريد ؟ ألسنا على حق ؟ ألم يكن من واجبنا أن نجاهد ونقاوم ؟ وما هو المعيار الذى ترجع إليه فى تقدير الضربات اللازمة والضربات غير اللازمة فى الحرب والصراع ؟ "
ويحدثنا جوركى فى ذكرياته عن مضاء عزيمة لبنين ، وقوة إرادته وقسوته على نفسه ، ففى أيام المجاعة كان يقف عن تناول الطعام الذى يرسله إليه الجنود والمزارعون ، وكان يوزع ما يرسل إليه من الدقيق والسكر والزبد على المرضى والضعفاء من الرفقاء .
ولما لاحظ اعتلال صحة جوركى نصح له بالسفر خارج روسيا ، وألح عليه فى ذلك ، ولم تنسه الواجبات الضخمة الملقاة على عاتقة السؤال عن صديقه القديم وزميله فى الجهاد ، والعناية بأخباره .
وقد ختم جوركى ذكرياته القيمة النفيسة عن لينين بهذه الكلمات التى أختم بها المقال : " لقد مات فلادمير لينين . ولكن ورثة فكره وإرادته لا يزالون أحياء . وهم يتمون عمله ، ويكملون ما بدأه ، وعمله أكثر الأعمال انتصارا فى تاريخ البشرية " .
هذا ما قاله جوركى . ولكن هذا العمل يجتاز الآن محنة قاسية ويمر بتجربة شديدة . أنراه يتغلب عليها ، ويسمو فوقها ؟ هذا ما سيتكفل بالإجابة عنه الأشهر أو الأعوام القلائل القادمة .

