الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 145الرجوع إلى "الثقافة"

بين ماكسيم جوركى ولينين

Share

من علامات العصر الحاضر وخصائص تفكيره اتجاه الكتاب الخالقين وممثلى الثقافة الحديثة إلى معالجة الشؤون الاجتماعية والخوض فى المشكلات العملية والانحياز إلى أحد معسكرات المذاهب السياسية المتطاحنة ؛ وفى الماضى القريب كانت مسألة تقسيم الكتاب والمفكرين تبعا لرأيهم فى نظام الحكم والمبدأ السياسى الذى يؤثرونه ويناضلون عنه ، تكاد تكون وهما من الأوهام ومذهبا خاطئا من مذاهب النقد والتحليل ؛ والأمة الوحيدة التى كانت تخرج على هذه القاعدة وتشذ عن تلك السنة هى الأمة الروسية ؛ فقد كان المألوف عند الروسيين أن يعبر الشعراء والكتاب والنقاد عن ميولهم السياسية ونزعاتهم الحزبية ؛ ومنذ أوائل القرن التاسع عشر لم يستطع أكثر كتاب روسيا الفرار من مواجهة مشكلاتها الاجتماعية وأزماتها السياسية ؛ وقد كان اسكندر بوتكين كبير شعراء الروس ضالعا فى ثورة ديسمبر سنة ١٨٢٥ ، وأعدم الشاعر رايلييف لأنه كان من جنائها ؛ وقد آزر الثائرين رجال الأدب وزهرة المفكرين . وكتاب ((مذكرات صياد)) الذى وضعه الكاتب الروائى العظيم إيقان ترجنيف كان بعد من الحوادث الاجتماعية الهامة التى أثارت الضمائر وهزت النفوس ، وكانت عاملا من عوامل تحرير الفلاحين ورفع نير العبودية عن كواهلهم . وآراء طولسطوى فى التقليل جهد الطاقة من سلطة الحكومة ونبذه لسلطان الكنيسة ودفاعه عن الطبقات المظلومة ، جعله قوة هائلة فى روسيا ، مؤيدة للتعاليم الثورية ؛ وقد مرت بالأدب الروسى فترات متقطعة كان يؤثر فيها القيم الفنية والأدب الخالص ، ويضعهما فوق سائر القيم ؛ ولكنه

فى اتجاهه العام وحركاته الشاملة كان يقترب على الدوام من النقد الاجتماعى والنزعات السياسية ، وكان يروق الشعراء والروائيين والقاصين أن يلتمسوا الموضوعات التى تنطوى على تحد للسلطة ومناوأة لتقاليد المجتمع ونقد للأحوال العامة .

وليس فى مستطاعنا أن نقدر مدى تعمق هذه الاتجاهات الأدبية عند الروسيين إذا أغفلنا الإشارة إلى حقائق حياتهم وحوادث تاريخهم ؛ ولروسيا ظروفها الخاصة وملابساتها الاجتماعية ، ونظمها السياسية والدينية التى تسوغ هذا الاتجاه وتبين ضرورته وخضوعه لمنطق الحوادث ؛ فقد كان نظام روسيا الاجتماعى فى القرن التاسع عشر فريدا عجبا بين النظم الأوربية لأنه كان قائما على بقاء العبودية ، ولما ألغيت العبودية وعطلت أحكامها ظل هذا النظام الاجتماعي مرتكزا على الاحتفاظ بالحكم الأوتوقراطى المطلق ؛ ومن ثم كانت الحياة الأدبية والنزعات الفكرية ثورة على هذا الجمود ومقاومة لهذا الطغيان الذى كاد يمحو الحياة ويشل القوى ؛ وكانت لزاما على الكتاب والمفكرين والمصلحين أن يتعاونوا على مكافحة الخرافات والجهل والاضطهاد والقسوة ، وأن يعملوا على تأكيد القيم الانسانية والمثل الأخلاقية فى مثل ذلك الجو الخانق والسجن المطبق الذى شهدته يد الاستبداد . وقد كان بعض القياصرة الروس يبدأ بداية حسنة مبشرة ، ويعد المستنيرين بالإصلاح والحرية ، ولكن سرعان ما كان يخلف الظن ويخيب الأمل ؛ وقد تتلمذت القيصرة كاترين الثانية لفولتير والانسيكلوبيديين ، ولكن هذه التلميذة النجيبة المجدة كانت تخمد الثورات بقسوة وعنف ، ولم تكن فى إهمال حقوق الشعب وإهدار كرامته أحسن حالا من غيرها ؛ وكذلك كان حفيدها الإسكندر الأول ،

فقد تتلمذ للاهارب ، وتحمس فى أوائل حكمه للاصلاح ، وأفضى به الأمر فى النهاية إلى ترك زمام الأمور فى يد الرجعى الرهيب ار كشايف . وقد ظلت الرقابة على الصحف والمجلات والمعاهد والجامعات وبرامج التعليم قائمة فى روسيا طوال القرن التاسع عشر ، وكان نظام الجاسوسية من الدقة والاتقان بحيث لا تخفى عليه خافية ولا تفوته حركة .

وكانت النتيجة المحتومة لهذا الضغط البالغ والحجر الشديد أن يضطلع الكتاب الخالقون والشعراء الفنانون ينقد الأحوال الحاضرة وتناول الشؤون الاجتماعية وتصوير النزعات الراهنة وحقائق الحياة الواقعة .

ومن أشهر كتاب روسيا فى هذا المجال وأسبقهم فى هذا الميدان الكاتب الكبير ما كسيم جوركى الذى ولد سنة ١٨٦٨ وتوفى سنة ١٩٣٦ ، وقد كان فى سنواته الأخيرة فى طليعة الشخصيات البارزة المحترمة فى روسيا الشيوعية ، بل كان يعد فى نظر قومه بطلا من أبطال الجهاد يحفه الاجلال والتعظيم ؛ وقد غير البلاشفة اسم مدينة نجنى نوفجورد التى ولد فيها جوركى ، وكانت مسرح ذكرياته وقصصه ، وسموها ((مدينة جوركى)) فكانت المصانع ودور التعليم وأندية العمال تتبارى جميعها فى حمل اسمه والعناية بأدبه . وكانت فكرة نشوء فن جديد وثقافة مجتمع لا تتفاوت فيه الطبقات ولا تتباين الأقدار تستمد منه الوحى وتلتمس عنده العون والتأييد ؛ وكان الكتاب الناشئون يفخرون بأنهم مدينون لتشجيعه ، وأنهم يحيكون على منواله ويذهبون فى الأدب مذهبه .

وقد ناصر جوركى الثورة الروسية منذ بدايتها ، وكان من حملة أعلامها والمدافعين عنها ، وكانت له علاقات بأقطابها البارزين ، ولا سيما زعيمها الا كبر لينين ، وقد عاونهم بقلمه وأيدهم برأيه ، وناضل عن الاشتراكية

الشيوعية ، وتصدى لخصومها بسفه آراءهم ويفند حججهم ، وكان نقد الثقافة البورجوازية وإبراز عيوبها من الموضوعات القريبة من نفسه الحبيبة إلى قلبه .

ولم يكن الرجل داعية من الدعاة ، كما قد يتبادر إلى الذهن ، وإنما كان صاحب عقيدة ورب فكرة ، وكان يعتقد اعتقادا عميقا مخلصا أن الشيوعية هى طريق الخلاص وباب النجاة ، وأن لا سبيل إلى استنفاذ روسيا من الخراقات والأوهام ، وبعثها من الجمود والفنور المستولى عليها إلا بالشيوعية .

وقد نبغ جوركى من صميم الشعب الروسى ، ونشأ نشأة عجيبة قليلة الأمثال ، فقد كان أبوه إسكافا ، ومات وهو لم يبلغ الرابعة من عمره ، وكفله جده وأرسله إلى المدرسة عدة أشهر قلائل ، ولم يمكنه فقره من إبقائه فى المدرسة ، واضطر جوركى إلى العمل فى سن مبكرة ، فاشتغل فى حانوت صانع أحذية ، وفى الثانية عشرة من عمره فر من منزل جده وأخذ يضرب فى الأرضين ويتقلب فى شتى البلاد ، واشتغل مرة باحدى البواخر يغسل الأوانى والصحاف ، وكان طاهى الباخرة رجلا ضخما عملاقا له مشاركة فى الأدب وميل إلى القراءة والإطلاع ، وكان يقول لجوركى إن القراءة هى ألذ المتع وأبقى المسرات ، وقد أثرت كلمات هذا الطاهى الأديب فى نفس جوركى الفضة المتطلعة ، ثم عاد إلى جده ، ولكن سرعان ما اعتراه الملل ، ونبا به المقام ، فعاد يكدح فى طلب الرزق ، ويطوف فى البلاد ، وجاب إقليم الفلجا ، ووصل إلى ضفاف بحر الخزر ، وكان يعمل بهمة وعزيمة ، ولكنه كان يبيت أكثر لياليه خاوى الوفاض قد طواه الجوع وتلغبه السير .

وقد حاول وهو فى قازان - وكان فى الخامسة عشرة من عمره - أن يلتحق باحدى المدارس ، ولكنه وجد عملا

فى محل خباز ، ولم يلبث أن تركه واشتغل بستانيا ، ثم منشدا فى إحدي الكنائس ، وراقه بعد ذلك أن يعمل مع صائدى الأسماك فى استرخان ، واشتغل مرة حارسا ليليا بالسكة الحديدية .

وقد كان جوركى رجلا كبير النفس واسع الأمل ، فلم يسخط الحظ ، ولم يشك البؤس ، ولم بن عن إدمان التحصيل واستيعاب التجارب واختزان المؤثرات ، وقد مكنه ذلك من أن يلمس قلب الشعب ، ويفهم حاجات الطبقات الفقيرة ، ولف هواه بهواهم ، وعقد المودة الدائمة بينه وبينهم ؛ وقد كانت معايشته لهذه الأصناف المختلفة من الناس ودراسته لهذه الانماط العديدة من الأخلاق من دواعى استثارة عبقريته ، ومن العوامل التى خلقت منه كاتبا فريد الطابع فذ الشخصية .

وشرع يكتب بعض القصص القصيرة فصادفت إقبالا ورحبت به المجلات الأدبية . وفى سنة ١٨٩٨ ظهرت له مجموعة من القصص فى مجلدين لقيت رواجا . وفى مدى عام أو عامين أصبح ذلك الصعلوك الشارد الجوال الذى تقاذفته البلاد ، ولفظته مختلف المهن ، فى طليمة كتاب روسيا ، وترامت شهرته ، وعظم تأثيره حتى قرن اسمه باسم أديب روسيا العظيم طولسطوى والرواني الكبير شيكوف .

وقد وصل جوركى إلى أوج شهرته عند تمثيل روايته " فى الأعماق " سنة ١٩٠٢ بمسرح موسكو ، وقد انضم إلى تعسكر الماركسين واشترك فى تحرير مجلتهم ، وقد عطلت المجلة لأنها نشرت له قصيدة تنبأ فيها بالثورة القادمة ، وقبض عليه ونفى إلي تجنى ، وألغى انتخابه لأكاديمية العلوم ، فاستقال منها شيكوف وكور الشكو احتجاجا على ذلك ، وعمل جوركى مع الثائرين الناقمين وحضر مؤتمراتهم .

وفى أيام اشتداد الثورة الروسية استطاع جوركى

بجاهه ومكانته عند زعماء الثورة أن ينقذ الكثيرين من الكتاب والمستنيرين من مخالب الموت وبراثن الفقر ، وحاول جهده أن يلطف من ميول الثورة الحاطمة ، ويخفض من غلوائها ، وقد نفعته فى ذلك السبيل صداقته المتينة لزعيم الثورة وكبير رجالها " لينين " . وليس غريبا أن تنشأ بين هذين الرجلين النادرين تلك الصداقة المتينة والتقدير المتبادل ، فقد كان لينين مفكرا ممتازا وعالما واسع الاطلاع ، قبل أن يكون زعيما سياسيا وثائرا هادما ، وكان يعرف جوركى وإخلاصه وحسن بلائه ؛ وكان جوركى يسمع عن لينين قبل أن يراء ويعجب بشخصيته ، وقد رآه أول مرة فى لندن عند حضوره مؤتمر حزب العمال الروسى الدمقراطى الاشتراكى ، الذى عقد سنة ١٩٠٧ ، ولما التقيا صافحه لينين وحياه تحية حارة وفرح به فرحة الأديب بالأديب ، وقال له فى عرض الحديث : " أعتقد أنك من هواة النضال ، وستدور فى فى المؤتمر معارك تروقك " ، وقد حضر هذا المؤتمر كثيرون من الزعماء والقادة ، بينهم بليكانوف وتومسكى ومارتوف وروزا لوكسمبرج ؛ وقد وصف لنا جوركى لينين عندما جاء دوره فى الخطابة فقال : " أسرع فلادمير إلى منصة الخطابة ، وصاح بصوته المنبعث من الحلق : (أيها الرفاق) ، وبدا لى فى بادئ الأمر أنه لا يحسن الخطابة ، ولا يجيد الإلقاء ، ولكن ما هى إلا لحظة حتى استغرقنى حديثه ، وغمرنى تياره ، ولأول مرة فى حياتي أسمع مشكلات السياسة الصعبة المعقدة تعرض بأسلوب يسهل حزنها ، ويجلو دياجيرها ، ولم أشعر بأنه يبذل فى ذلك جهدا ، أو يعانى مشقة ، وأنه يحاول أن يتخير الألفاظ المنعقة والتراكيب البليغة الطنانة ، وكانت كل كلمة من كلماته واضحة المخرج جلية المعنى ناصعة الدلالة . ومن الصعب أن أنقل إلى القارى ما تركه فى نفسى من أثر . . وخيل إلى أنه يزن كل لفظة ، ويقدر وقعها ، وأنه يتقصى

نقدات خصومه وبتتبعها ، وديردها كلمى جريحة بحجج دامغة تؤيد حق العمال فى أن يسلكوا طريقهم دون أن يسيروا خلف البورجوازية الحرة ويتعلقوا بذيلها . . ووحدة حديثه واتساقه وقوته واتجاهه المباشر ووفائه بالغرض ومظهره على المنصة ، كل ذلك فى مجموعه كان قطعة بديعة من الفن الكلاسيكى ؛ وقد كانت خطبته أقل طولا من خطب غيره من الخطباء الذين سبقوه . ولكن تأثيره فى النفوس كان أعظم وأنقى ، ولم يكن هذا شعورى وحدى ، فقد سمعت صوتا يهمس خلفى : " لقد قال شيئا " وكان لا يصل إلى النتائج التى ينتهى اليها بكافة وتعمل ، ولكنها كانت كأنها تنمو من تلقاء نفسها ، وتبدو كأنها شئ لا مناص منه ولا سبيل إلى غيره . . . "

ويصف لنا جوركى عطف لينين الجم على العمال وفرط عنايته بشؤونهم وبالغ اهتمامه بتفقد أحوالهم ، وينقل جوركى عن أحد العمال أنه قال فى الموازنة بين لينين وبليكانوف زعيم المنشفيك : " بليكانوف يشعرك على الدوام بأنه يلقى عليك درسا ، ويشرف عليك من حالق ، ولكن لينين يشعرك بأنه الزعيم الحق والرفيق " .

وقد لاحظ جوركى أن لينين كان يتخفف من الطعام ، وكان قليل العناية بنفسه ، موجها اهتمامه جميعه إلى العمال ، وقد سأل مرة جوركى أحد هؤلاء العمال : " ما هى أبرز صفات لينين ؟ " فأجابه العامل : " البساطة ، إنه بسيط مثل الحق نفسه " .

وقبل الحرب الكبرى السابقة بأعوام قال لينين لجوركى فى أحد أحاديثه : " الحرب قادمة وليس لنا عنها معدى ولا مذهب ، وقد وصل عالم الرأسمالية إلى درجة الاختمار العفن ، ولقد تسممت عقول الناس بعقاقير الوطنية والمغالاة فى النعرة القومية ، وأكبر ظنى أننا سنرى حربا أوربية عامة ، وسوف لا تجد الطبقات الفقيرة القدرة على اجتذاب

هذه المجزرة ، وكيف السبيل إلى ذلك ؟ هل يستطيع عمال اوربا الاضراب ؟ إنهم لم يتنظموا بعد التنظيم الكافى ، وينقصهم الشعور بأنفسهم باعتبارهم طبقة متحدة ، وليس فى وسعنا ساسة عمليين أن نعتمد على ذلك . . ." .

ثم التفت لينين إلى جوركى واسترسل قائلا : " فكر فى هذا مليا ، واعجب لقوم متخومين يدفعون بقوم جياع مهازيل إلى محارية بعضهم البعض ، أرأيت جريمة أدل على الغباء والحماقة ، وأشد نكرا وفظاعة ؟ وسيدفع العمال ثمنا غاليا ، ولكنهم سيفوزون فى النهاية ، وهذه هى إرادة التاريخ "

وكان لينين رجلا صبورا مجربا ، يعرف كيف يتلقى الضربات ويثبت للنوازل ، قال مرة لجوركى : " من الخير أن نلقى الفشل بالفكاهة والابتسام ، والفكاهة صفة باهرة ، والحياة مضحكة مقدار ما هى محزنة " .

ولينين بلا ريب من أعظم شخصيات العصر الحديث ؛ وقد أحبه قوم حتى العبادة ، وكرهه قوم حتى ودوا لو أنهم يستطيعون رجمه بالأحجار ، وقد أثر فى تاريخ العالم تأثيرا بعيد المدى ، وكانت عقليته عقلية غير عادية ، وقد كون آراءه السياسية فى صدر حياته ، ولما تبلورت تلك الآراء لم يتحول عنها ؛ وكان يغير الأسلوب ولكن الهدف الذى كان يرمى إليه ظل واحدا ، وكان عقله فى صميمه عقل متعصب يعتقد أنه قد عرف الحق واهتدى إلى سبيله . وكان كتاب " رأس المال " الذى وضعه كارل ماركس انجيله ومصحفه ، وكان مع ثقته بنفسه واعتداده بآرائه لا يشمخ ولا يتكبر ، قال جوركى فى ذكرياته عنه : " لا أستطيع أن أتصور رجلا غيره قد بز الناس وسبقهم وأناف عليهم ، وبقى بعد ذلك مطرحا لأهوائه بريئا من الطموح ، لا يعنى بغير مصلحة الشعب ، ولا يفكر فى غير نفسه والنهوض . ولقد كان فى شخصيته سحر يجذب نحوه قلوب العمال ويسيطر على عواطفهم ، وكانت

له ضحكة صافية خلابة صادرة من أعماق القلب ، ضحكة رجل قد عرف سخافة البشر السمجة البغيضة ، وذبذبة الأذكياء وتقلبهم وبهلوانيتهم . وأصبح يجد متعة وروحا فى بساطة السليمى القلب الخالصى الطوية .

ويقول جوركى فى تبرير الشدة التى لجأ إليها لينين لحماية النظام الذى وضع أساسه : " إن واجب قادة الشعب المخلصين لما يخرج عن طوق البشر فى الصعوبة ، والزعيم الذى لا يكون طاغية إلى حد ما من المحال وجوده . وقد قتل كثيرون فى عهد لينين ، ولكن لولا هذا القمع لأصبحت المقاومة التى لقيها النظام الجديد أوسع نطاق وأقوى عزما وأشد خطرا ؛ وعلاوة على ذلك فان علينا أن نقيم وزنا لهذه الحقيقة ، وهى أن تقدم الحضارة قد قلل من قيمة الحياة الإنسانية ؛ ومما يثبت هذه الحقيقة فى الحياة الأوربية المعاصرة تقدم فن إبادة الناس واستساغة هذا العمل " .

وفى موضع آخر من ذكرياته عن لينين يقول : " لقد طالما أفاض القائلون وأسهب الكاتبون فى رمى لينين بالقسوة والفظاعة ، وليس من أدبى أن أقف ذلك الموقف المضحك الخالى من التبصر ، وهو أن أحاول تفنيد الأقاويل الكاذبة ، أو أن أرد على الشتائم والنمائم ، فانى أعلم أن الكذب والتنقص وتشويه السمعة من الأساليب المتبعة فى السياسات البورجوازية الحقيرة ، ومن المتعذر أن نجد رجلا عظيما فى العصر الحاضر لم يقذف بالأوحال ، وهذا من الأمور المعروفة المألوفة ؛ وفضلا عن ذلك فان هناك ميلا فى نفوس الناس إلى إنزال العظماء من مستواهم الرفيع وغمط حقوقهم . . ولقد كان فلادمير لينين يعرف أكثر من أى إنسان كيف يمنع الناس من البقاء على أسلوب الحياة الذى تعودوه وألفوه ، وكراهة عالم البورجوازية له كراهة عارية مكشوفة " .

وحادثه جوركى مرة عن قسوة الأساليب الثورية ،

فقال له لينين غاضبا : " ماذا تريد بذلك ؟ هل من الميسور أن نتصرف تصرفا إنسانيا رحيما فى معركة منقطعة النظير فى هولها وضراوتها ؟ وأين يكون مكان رقة القلب وكرم الأخلاق فى مثل هذه المعركة ؟ لقد حاصرتنا أوربا من جميع النواحى وحرمنا من معاونة العاطفين علينا فى أوربا ، وكانت الحركة المناوئة للثورة تطالعنا من شتى الجهات ، فماذا نريد ؟ ألسنا على حق ؟ ألم يكن من واجبنا أن نجاهد ونقاوم ؟ وما هو المعيار الذى ترجع إليه فى تقدير الضربات اللازمة والضربات غير اللازمة فى الحرب والصراع ؟ "

ويحدثنا جوركى فى ذكرياته عن مضاء عزيمة لبنين ، وقوة إرادته وقسوته على نفسه ، ففى أيام المجاعة كان يقف عن تناول الطعام الذى يرسله إليه الجنود والمزارعون ، وكان يوزع ما يرسل إليه من الدقيق والسكر والزبد على المرضى والضعفاء من الرفقاء .

ولما لاحظ اعتلال صحة جوركى نصح له بالسفر خارج روسيا ، وألح عليه فى ذلك ، ولم تنسه الواجبات الضخمة الملقاة على عاتقة السؤال عن صديقه القديم وزميله فى الجهاد ، والعناية بأخباره .

وقد ختم جوركى ذكرياته القيمة النفيسة عن لينين بهذه الكلمات التى أختم بها المقال : " لقد مات فلادمير لينين . ولكن ورثة فكره وإرادته لا يزالون أحياء . وهم يتمون عمله ، ويكملون ما بدأه ، وعمله أكثر الأعمال انتصارا فى تاريخ البشرية " .

هذا ما قاله جوركى . ولكن هذا العمل يجتاز الآن محنة قاسية ويمر بتجربة شديدة . أنراه يتغلب عليها ، ويسمو فوقها ؟ هذا ما سيتكفل بالإجابة عنه الأشهر أو الأعوام القلائل القادمة .

اشترك في نشرتنا البريدية